
9 لوحة الفنان فاضل الدباغ تعليق حسني أبو المعالي كأني بها ليلة مقمرة، لوحة تجمع، في أفق رحابها بين حبيبين، كالظل والضوء، يحلمان في لقاء رومانسي في السر والعلن، ويسعدان بتحقيقه في النور والظلام، يسرحان ويمرحان عبر انسجامات الألوان المتلألئة ذات الشفافية العالية، يطربان ويرقصان على أنغام موسيقى الاحلام، غير آبهين لما يدور خارج إطارها، تلك هي لوحتنا الجميلة لهذا الاسبوع والتي أنجزها الفنان الرائع فاضل الدباغ، لوحة مبهجة للنفس بالرغم من عتمة الالوان التي تغطي معظم فضاءاتها، مشحونة بالشجن لكنها قادرة على ان ترسم بواسطته فرحنا الداخلي لمجرد التأمل بها، لوحة ألوانها الفاتنة متماسكة مع بعضها، متكاملة مع محيطها، لوحة تعكس مدى حساسية فناننا الجميل في اختيار ألوانه الساحرة، وتظهر مدى عمق آفاقه في اختيار موضوعاته الفنية النادرة.
10
10 موسيقيون لفائق حسن التعليق: مصدق الحبيب في هذا العمل ينتهج فنان العراق الخالد فائق حسن اسلوبا فنيا مختلفا عن اسلوبه الاكاديمي المتميز الذي اصبح مالوفا لدى الجمهور خلال فترة نشاط الفنان التي امتدت لاكثر من خمسة عقود. والعمل يؤكد حقيقة انه لابد لعملية الخوض في تجارب الفن الحديث ان تضمن مستلزمات نجاحها وتفوقها اذا مااستند الفنان الى اساس صلب من التجربة الاكاديمية , على ان العكس غير صحيح. فهاهو فائق, الاكاديمي الارثودكسي الذي بدأ انطباعيا, يأخذ- دون تخطيط - سبيل مايسمى بالسهل الممتنع, ويقدم لنا- دون عناء- رائعة من روائع الفن المعاصر وهوالفنان الذي كان قد سبر اغوار تجربه الحداثه في ثلاثينات القرن الماضي في وقت كانت التجربة ماتزال غضه وفتيه على الصعيد العالمي حيث تعود بواكيرها في الوسط الفني الاوربي الى مطلع القرن. لقد حقق فائق في هذه اللوحه التوازن الامثل بين المعايير الاكاديميه والمفردات التجريديه, وبين معالجة الموضوعه المحليه ومواكبة التطور العالمي, وبين حذاقة التكوين وبساطة التنفيذ, وكذلك بين قوة التعبير وتلقائية التناول. هذه هي شروط الجداره التي حققها فائق حسن ليكون – الى جانب زميله الفنان جواد سليم- في موضع الرياده الفعلي, ليس في الوسط العراقي فحسب, انما على صعيد المنطقه عموما.

11 الدوامة لحسين الهلالي التعليق لموسى الخميسي اهتم العديد من الفنانين العراقيين اهتماما كبيرا بالعذاب الانساني، وعبروا من خلال هذه الظاهرة عن مشاعرهم ورؤاهم بتعبيرية نفسانية ورمزية تجلت باشكال مختلفة داخل مخيلات متفجرة ، قادرة على تمثيل بشاعات التعذيب والحرب ومآسيها وما رافقها من الآم وشقاء. ولعل الفنان حسين الهلالي وهو يجسد بلوحته المعروضة هذا الاسبوع خصائص حالة الترقب والانتظار بتقنيته المعهودة التي تنطوي على الضربات اللونية السريعة وهي تحمل تضاد الظل والنور، وعلى منوال استخداماته السابقة، خطوط قوية ملونة بقساوة وحدة، وابدا اجساد النساء والرجال، تحمل اضاءة ضمن سطوح ناتئة ومجوفة، كأنه يحصي من خلالها حالة الترقب الحزينة التي غادرتها طرافة الحياة اليومية والامل الذي لازال مرتسما بجرأة في عيون نساء الجنوب . انه يربط بين مساحتين مختلفتين في اتساعهما وفي مميزاتهما، ويجمع بينهما، من خلال تناقضهما، في تأليف واحد، النساء الثلاثة والسماء التي تشكل خلفية اللوحة وتمتد نحو الاسفل لتكون جزء من فضاء اللوحة، مستعينا عن المنظور الخطي الهندسي بقيم لونية متضادة يعلو عليها اللون الاصفر الطاغي، يتميز بمفهوم حدسي اكثر عفوية، فاللوحة لا تصف الواقع، بل انها تعبر عن الامل الذي يراه الفنان نفسه لهذا الواقع، بل انه الطريقة التي يريد ان ينقلنا اليها في تحديد رؤيته. لوحة تحاسبنا جميعا، يتخلى الفنان القدير حسين الهلالي عن التسجيل المطابق لمظاهر الواقع البصرية، والانتقال، من ثم، الى الحلم الذي اصبح لا واقعا في زمن الموت المنتشر، وكانه سحابة سوداء تحجب النور وتسد نافذة الرجاء، سحابة نحو مزيد من الظلمة والاختناق يقابله الامل وحالة الترقب التي تشير اليها هذه العيون الممتلئة بالحذر والطيب. انه ينقل صورة هذ× الدوامة للامل المرتقب ، بواسطة تلاعب الضوء على اللوحة، بالايحاء الى هذا الشيء وتسجيل الاثر الذي يتركه لدينا جميعا، هكذا فان اللون اكتسب بقوته ونظافته واناقته قيمة مادية مستقلة تمثلت في السعي لاستنباط الاشياء التي لانراها في اللوحة وليس في الواقع وانما في حالات من الترقب للامل القادم الذي سيأتي لامحال.
12 
لوحة الاسبوع: للفنان فيصل لعيبي التعليق: مصدق الحبيب يقف الفنان المبدع فيصل لعيبي عملاقا بين جيل مابعد الرواد من الفنانين العراقيين, فهو الفنان الذي يجسد المزيج المثالي بين المهارات التقنيه العاليه, والثقافه والاطلاع الواسعين, والالتزام المبدئي الرصين بقضية الفن ورسالته. فلو قدر للمرء ان يلقي نظرة بانوراميه عبر اعمال الفنان لعيبي منذ بواكير نشاطه الفني عندما كان طالبا في معهد الفنون الجميله ولحد الان, لاتضح جليا بان نضوج وتفوق تجربته الفنيه يكمن في كونها عصاره متماسكه لتجارب فنيه مختلفه عبر تاريخ الفن. فلم يكتف الفنان لعيبي في استلهام تراثه الوطني الممتد عبر تاريخ وادي الرافدين في رسوم السومرين والبابليين والاشوريين انما تشعبت وتباينت تاثراته الفنيه كتشعب وتباين تراث وثقافات الشعوب الخلاقه الاخرى, فهاهي اعماله تحمل مذاقات لذيذه من الشرق الاقصى الى الغرب الاقصى من الارض, فنرى مثلا افرازات رسوم التراثيات الصينيه واليابانيه والفارسيه في رشاقة وشاعرية خطوطه, وتاثيرات المنمنمات والمخطوطات الاسلاميه في وحدة ومتانة تكويناته الديكوريه, الى جانب انطباعات سحر الكاماسوترا الهنديه في شبق وشهوانية نسائه وامتثالاتها الايروتكيه, اضافة الى تشكيلات الرسوم المكسيكيه واللاتينيه في تلقائية وبراءة فضاءاته الانشائيه, مرورا بتكعيبية بيكاسو والتكور الطازج في اجساد ليكر, الى جانب المحليه الخالصه الحميمه في تخطيطات جواد سليم. ولعل من اهم مايميز اعمال الفنان لعيبي ويضفي عليها اصالتها الفذه هو قابلية الفنان الاستثنائيه على استحظارالمناخات العراقيه الصميمه وتعريف بيئة الحدث وشخوصه وكأن فرشاته السحريه تبعث الحياة في تلك الشخصيات والاشياء بشكل يجعلها وكأنها تنهض حية منتفضه من سطح اللوحه لتحيا بثلاثة ابعاد وطعم ورائحه معهودين . فهاهي الخلجات العراقيه الطافحه بالنوستالجيا تملا الفضاء كعطر مسحور, فتاخذنا لوحاته على بساط الريح في رحلة عبر شناشيل البصره وزقزقة عصافير الصيف على شجرة الرمان الشامخه وسط باحة الدار, فنشم رائحة الارض وعبق الحقول ونسمع وشوشات النخيل وهدير السواقي , وننصت لزعيق طيور الخضيري فوق صفحات الهور وقت الاصيل, ونعود فنحتسي الشاي المهيل ونستنشق اريج الناركيله في مقهي يضج فيه النقاش السياسي والادبي والفني عبر نغمات الجالغي التي تنبعث من صندوق المذياع المسمر على الجدار, او نصغي الى انين الربابه البدويه في اديم الصحراء . تسطيع لوحات فيصل ايضا ان تجمد الدم في عروقنا عبر اليأس الاصفر في وجوه الكادحين او في صراخ صمت المكافحين امام البطش البوليسي الفاشي ونشيج الامهات العراقيه المفجوعه بمظالم النظم الاجراميه وهمسات المعدمين غير المسموعه واستسلامهم للجوع والغربه والاضطهاد. ففيصل يصور لنا عالم الفتنه الضبابي كعمود الدخان الشفاف الناعم المتصاعد من مصباح علاء الدين أو شراع السندباد الشبحي الذي يتوارى وسط الامواج والغيوم في رحلة الوطن الطويله عبر الالم والامل, وفي حيوات الناس البسطاء, ابطال الحياة اليوميه ونضالهم الدائب من اجل الخبز والكرامه والسلام, والاستكشاف الفاتن لثقافتهم وتاريخهم, ليس بشكل وثائقي حيادي رتيب او مألوف ,انما بسفر اسطوري صوفي مخمور.
13 
لوحة الاسبوع: للفنان صبيح كلش التعليق: فؤاد ميرزا شاشة لعرض دراما الروح في هذه اللوحة الرائعة للفنان صبيح كلش مواليد بغداد (1948) يرينا الفنان العذاب الانساني كله وهو يتجلى لنا متعثر الخطى كأودنيس الناصرة يجرجر أقدامه على طريق الجلجلة من أجل الصلب. أودنيسنا الأرضي هذا هو الإنسان نفسه المسحوق والممزق والمهمل, والذي لا ينتبه له أحد لأنه جزء ضئيل من مشهد الخراب العام, فكل شئ محطم, مهشم, ملتف بالحزن والرماد والظلام كما لو ان عاصفة هوجاء قد سحقته قبل لحظات. والفنان هنا كشاهد صادق , يهئ لنا جدارآ أو اطارا لكي يكون مركزا للحدث, يستخدمه كشاشة لعرض دراما ما يراه وما يشهد عليه. لقد وفق الفنان في تصعيد المشهد الدرامي وانقذه من الرمزية الساذجة والتي استخدمها العديد من التشكيليين الأيدولجيين , بمعالجته لنوع الألم وعمقه: فالألم هنا ليس خارجيا فقط و بسبب قوى غاشمة مدمرة تسحق بمخالبها الشريرة كل معالم الحياة, بل هو صراع ومعاناة سايكولجيية وجودية تقاوم بعنف وتتلمس الضوء والبقاء والأنعتاق. فإنسان اللوحة هنا على الرغم انه مجرد, لكنه على نحو ما وبطريقة غامضة جدا يكشف لنا ويعرفنا بنفسه. فهو ليس الانسان الفلسطيني في صراعه الطويل مع حلقته المفرغة, ولا هو الانسان الأيدولجي الدونكيشوتي تحت رحمة الطواحين يصارعها بسيف مكسور, ولا هو سيزيف الأزلي يدحرج صخرة الآمه أمامه, بل هو إنسان عراقي الملامح, والمشهد كله يوحي بجحيم العراق وعذابات إنسانه في زمن البعث. الكلمة الأرامية (اودنيس.. أودني) تعني الرب أو إله. |