مرحبا بكم

               

   
   
الرئيسية
تسجيل الدراسات
الترجمة
وسائط متعددة
أبحاث علمية
بحر الكتب
الدراسات السابقه
خدمات بالمجان
من نحن
ابحاث في التربية الخاصة
مقالات ودراسات نفسيه
فوبيا "التفنيش" وقهر الاستعباد
كتب مجانيه
درسات ومقالات علم الاجتماع
أبحاث طبية
الأدارة
علم الأدارة
الجودة الشاملة
ملخصات رسائل ماجستير إعلام
ملخصات رسائل دكتوراه اعلام
ماجيستير علاقات عامة
رسائل دكتوراه فى العلاقات العامة
رسائل ماجيستير قسم صحافة نهائى
رسائل دكتوراه قسم صحافة نهائى
الأسعافات الآولية
التعليم الالكترونى
الكائنات البحرية
التوزيع السكانى
ابحاث ورسايل ماجستير ودكتوراه طبية
آثار وفنون
الصـــحافـة
التاريخ الاسلامى
التربية الفنية

دورات تدريبة للتربية الخاصة والتخاطب

ملخصات رسائل دكتوراه

ملخصات رسائل ماجستير

Ãæá ãÍÑß ÈÍË ÅáßÊÑæäí ãÊÎÕÕ ÈÇáÊÓæíÞ æÇáÊÑæíÌ ÇáÓíÇÍí
ááÇÔÊÑÇß Ýí ÎÏãÉ ÇáÊÈÇÏá ÇáÅÚáÇäí ãä ÇáÓæÞ

جامعة القاهرة

 

الفصل الأول

عرض العلاقة من قبل المعالج النفسي بالمحادثة على المتعالج

(مشروع لعلاقة المعالج النفسي بالمحادثة)

 

1. الشروط الضرورية والكافية للسيرورة العلاجية النفسية

كان

 كارل روجرز قد وصف في عام 1957 ((الشروط الضرورية والكافية لتعديل الشخصية من خلال المعالجة النفسية)) وحاول في هذا الموضوع اشتقاق مبادئ محادثة علاجية نفسية متخصصة من الخبرات التي جمعها في سنوات التعامل العلاجي النفسي مع الناس الذين كانوا يحتاجون للمساعدة العلاجية النفسية. وانصب اهتمامه هنا على تحديد الشروط النفسية التي يمكن تحديدها وقياسها بوضوح والتي تحتوي على الشروط الضرورية والكافية للتعديل البنّاء للشخصية من خلال المعالجة النفسية. ويقصد بالتعديل البناء للشخصية ما يفهمه بصورة مشتركة العياديون وكما عبر روجرز عن ذلك التكامل الأفضل والصراعات الداخلية الأقل وتحرير القوى من أجل استخدامها في بناء حياة مقبولة وناجحة وتعديل السلوك باتجاه أنماط من السلوك تعتبر عموماً أكثر نجاحاً.

وقد حدد روجرز ستة شروط ينبغي توافرها وأن تكون مستقرة لفترة زمنية معيّنة، إذا كان لابد من التعديل البّناء للشخصية في معالجة نفسية. وتتمثل هذه الشروط في:

1- يقيم شخصان اتصالاً نفسياً، أي يقيمان علاقة مع بعضهما بعضا: إنهما يعنيان شيئا لبعضهما ويستجيبان لبعضهما ويهتمان ببعضهما.

<< Each makes some perceived difference in the experiential field of the other>> Rogers, 1957: 96

وهذا ((الاهتمام بالآخر)) ليس بالضرورة أن يكون شعوريا أو ليس شرطا أن يدرك أحدهما الأهمية التي يمكن أن يملكها للآخر إلاّ أن العلاقة يجب أن تكون موجودة.

2-أحدهما متعالج غير متوافق مع نفسه، مجروح وقلق، مشغول بخبرة أو إحساس ما، غير متوافق مع مفهوم ذاته.  ويفترض روجرز أن كل إنسان يملك تصوراً عن الخبرات الذاتية وخبرات المحيط التي تناسبه أو التي لا تلائمه ؛ إنه يشير إلى حالة يحدث فيها شيء ما للإنسان يراه غير متوافق مع صورته الذاتية، أي يشير إلى حالة من التنافر. وعندما يكون المتعالج غير مدرك لهذا التنافر أو عدم التوافق مع ذاته فإنه يكون معرضاً للإصابة، أما عندما يشعر بهذا التنافر أو عدم التوافق فإنه يكون  في حالة من التوتر المعروف على أنه قلق.

3-الشخص الآخر هو المعالج المنسجم والمتكامل مع نفسه فيما يتعلق بالعلاقة مع المتعالج، وهذا يعني أن عليه أن يكون منسجماً في  هذه العلاقة، أن يكون هو نفسه، وخبرته الواقعية يجب أن تكون منسجمة مع ما يستطيع توقعه وإدراكه من خبرته طبقا لمفهومه عن ذاته ؛ أي عليه أن يستطيع السماح لنفسه بجعل خبرته الكلية شعورية في العلاقة بالمتعالج …، أما العكس فيمكن أن يكون  ((واجهة face)) شعورية أو لا شعورية. والانسجام يجب ألاّ يقدم للمتعالج باستمرار، عليه أن يكون موجوداً ولكن ليس  دائما أو بشكل زائد عن الحد، بل يجب أن يكون قابلاً لأن ينشأ في لحظة التواصل المباشر مع المتعالج، وخصوصا عندما يمتلك  المعالج مشاعر لا يستطيع الافتراض عنها بأنها ملائمة للمتعالج ولنموه. على المعالج أن يتمكن  من امتلاك هذه المشاعر أيضاً، إلاّ  أنه لا يجوز له أن يكون مجبرا على إبقائها بعيداً عن شعوره، الأمر الذي لا يعني أيضاً أنه عليه أن يخبرها للمتعالج في كل الأحوال.

4-يعيش المعالج ذاته كشخص مهتم بالمتعالج بدون شروط

 unconditional positive regard for the client>> Rogers, 1957:96 << the therapist experiences

. ويتحقق هذا الشرط عندما يستنتج المعالج أنه يستطيع تقبل كل خبرات المتعالج لأنها جزء من  هذا الإنسان بحيث أنه لا يستطيع التفكير على نحو: ((أنا أقبلك فقط عندما تكون على هذه الصورة  وليس شيئا آخر)). أما العكس فيمكن أن يكون ((في هذه النقطة أجدك جيداً وفي تلك لا أجدك كذلك، أنك تحسن صنعاً بأن تكون على الشكل الذي أجدك فيه طيباً)). وهذا الاستعداد للتقبل غير المشروط يجب ألاّ يكون نابعاً من حاجة لدى المعالج، أي أن التقبل يجب ألاّ يأتي من أن المعالج يحب متعالجه بالفعل. ويحدد روجرز بوضوح أن شرط ((الاهتمام الإيجابي غير المشروط unconditional positive regard)) يمكن اعتباره محققا فقط عندما يظهر الأثر الذي يجب أن  يحققه هذا الشرط، ألا وهو بأن يشعر المتعالج من خلال الموقف الذي يمثله المعالج تجاهه بأنه مُشَجَع على التفكير بذاته بعمق والاهتمام بخبراته الذاتية ((وليس الاهتمام بعلاقة جيدة)) مع المعالج)) وهذا يعني أنه يمكن اعتبار أن الشرط قد تحقق، عندما يكون المتعالج قادراً كشخص مستقل ومنفصل عن المتعالج بوضوح على تقصي وجود مشاعره الذاتية مهما كان الاتجاه دون أن ينظر إلى أنه معرض لخطر فقدان اهتمام المعالج غير المشروط. ويؤكد روجرز بوضوح بأن هذا التقبل غير المشروط للمتعالج مهما فعل هو هدف طبعاً، يُطمح إليه دائماً، إلاّ أنه غير قابل للتحقق إلاّ من الناحية النظرية فقط  <<would never exist in theory>> Rogers, 1957:98

5- يخـبر المعالج عن طريق التعاطف Empathy  المرجعية الداخلية  للمتعالج ويسعى

إلى إيصال الخبرات التي  جمعها للمتعالج من خلال هذا الطريق.

6- يجب أن يصل للمتعالج - على الأقل بين الحين والآخر - ما استطاع المعالج فهمه وما يمكن أن يقبله بدون شرط. إن تعاطف المعالج يجب أن يقود إلى الفهم الدقيق لما يدركه المتعالج من خبراته الخاصة إلى درجة وكأن الأمر يتعلق بخبرات المعالج الذاتية.  ويجب أن يكون التعاطف مترافقاً بالشعور بأن هذه الخبرات هي ليست خبرات المعالج الذاتية وإنما هي خبرات شخص آخر.  فإذا  فقد هذا الشعور عندئذ تصبح مشاعر المتعالج نفسها مشاعر المعالج الخاصة.

 

ويرى روجرز أنه بالذات عندما يتعلق الأمر بمشاعر مبلبلة عند المتعالج يجب أن يسهم تعاطف المعالج في التفسير وأن المشاركة في خبرة المشاعر ليست هي المقصودة هنا، فتقاسم البلبلة ليست تعاطفاً.

وطبقا لهذه الاعتبارات يوضح المعالج النفسي بالمحادثة للمتعالج مشروع عرض العلاقة العلاجية قبل بدء المعالجة على النحو التالي تقريباً:

((أعرض عليك الحديث معي بحرية وبصراحة حول كل شيء يشغلك ويرهقك. بل أنت الذي تحدد عما ستتحدث عنه. سوف أسعى لمساعدتك من خلال أنني سوف أقول لك دائما ماذا فهمت مما تقوله. لن أعطيك نصائح وتوجيهات. لقد علمتنا خبرتنا أن الإنسان يصبح أكثر هدوءاً واستقرارا من خلال تلك المحادثات، حتى لو كان ذلك ليس مباشرة ودائماً، وأنه عادة كلما كانت المشكلات أوضح وأجلى كان العثور على إمكانات وطرق لحلها أسرع)).

ويتضح في فرضيات وشروحات كارل روجرز التأكيد على الطبيعة التفاعلية للمعالجة: فالمعالجة النفسية بالمحادثة هي معالجة تشترط على الأقل قيام علاقة بين المعالج و المتعالج ؛ ويصف الكيفية التي يجب أن تتطور العلاقة وفقها كي تكون فعّالة علاجياً: تتوفر العلاقة الفعّالة علاجياً عندما يتمكن المعالج من أن يكون متعاطفاً ومنسجماً مع متعالجه ومحترماً له في علاقته معه وعندما يتمكن المتعالج من إدراك وتقبل مشروع العلاقة أيضاً.

وقبل أن نصف شكل وشروط هذه العلاقة في المقطع اللاحق نود توسيع الفرضيات المذكورة من قبل روجرز ونريد التمييز بين العلاقة بالمعنى العام والعلاقة بالمعنى العلاجي أو مشروع العلاقة كما تقوم به المعالجة النفسية بالمحادثة:

نتحدث عن علاقة بالمعنى العام عندما يتوفر شكل من أشكال الاتصال؛ يستجيب فيه شخصان إلى بعضهما انفعالياً، ويسعى كل واحد منهما من خلال هذا الاتصال إلى حالات محددة من المشاعر، حيث يتعلق تحقيق هذا الهدف بمشاعر الآخر.

ونقصد بالعلاقة العلاجية رابطة عمل بين متعالج ومعالج، أي أن هدف المعالج هو إقامة علاقة علاجية فقط بالمعنى التحديدي. ولا يسعى المعالج في المعالجة (وقدر الإمكان في المعالجة فقط) إلى أي هدف انفعالي غير أن يكون متعاطفاً ومنسجماً ومتقبلاً، ليس بصورة مزمنة، وإنما في المواقف الملموسة مع المتعالج المحدد. وبالتالي فإن المعالج يستهدف وظيفة ما من خلال سعيه إلى إقامة حالة انفعالية ((للمعالج الطيب)) والحفاظ عليها. وفي السعي من أجل هذه الوظيفة يكون المعالج متعلقاً بالمتعالج بأكثر من وجه.

فمن خلال ما يقوله ويفعله المتعالج يثير ردود الأفعال التعاطفية و المنسجمة والمتقبِلة لدى المعالج إلاّ أنه في الوقت نفسه يثير كذلك عدم الفهم والرفض. بالإضافة إلى أن المتعالج هو الذي يحدد فيما إذا كانت تعابير المعالج قد فهمت على أنها تعاطفية ومنسجمة ومتقبِلة، عندما تكون بالفعل هكذا، أو أنها لم تفهم هكذا على الرغم من أنها كذلك.

وقبل كل شيء يتعلق الأمر بالمتعالج فيما إذا كان يتحمل ويتقبل مشروع العلاقة التعاطفية والمنسجمة والمتقبِلة. ومن جهته يستجيب المعالج إلى كل هذه التحديدات من المتعالج على أنها إغراءات للمعالج، تـصعِب عليه البقاء متعاطفاً ومنسجماً ومتقبِلاً بدون حدود. إن نجاح العلاقة العلاجية في السيرورة العلاجية ليس بالضرورة أن يكون هو المبدأ العلاجي بل ينبغي للمبدأ العلاجي أن يتمثل في السعي الدائم والفعّال للمعالج من أجل العلاقة العلاجية. إننا نفترض أنه عندما يكون بإمكان المعالج تحقيق الوظيفة العلاجية بدون أن تعترضها إغراءات فإنه يمكن اعتبارها قد اكتملت. وفي الواقع فإن المتعالج يستطيع جعل المعالج يقترب منه عندما يتمكن من إقامة العلاقة التي عرضها عليه المعالج مع نفسه أولاً. ومن هذه الزاوية تختلف العلاقة العلاجية عن العلاقة ((العادية)) أيضاً: فهي تنتهي في اللحظة التي تستطيع أن تكون فيها كما يجب لها أن تكون. فموضوع المعالجة هو من هذه الناحية ليس غير العمل في مسألة ما الذي يمنع المتعالج من إقامة مثل هذه العلاقة التي يعرضها المعالج عليه علاقة مع ذاته ؟.

وسوف نبرهن هذه الفرضية بصورة مفصلة لاحقا، أما في هذا المقام فنريد أن نبين أننا نعتبر المعالجة النفسية بالمحادثة خبرة علاقة تصحيحية. وإذا  تم التصحيح أي إذا تمكن المتعالج في الحالة المثالية إيجاد العلاقة مع ذاته كما يقدمها له المعالج عندئذ تكون العلاقة قد انتهت. 

 

 

2. تعريف مشروع العلاقة من خلال صياغة الشروط العلاجية

يتصف مشروع العلاقة الذي يقدمه المعالج النفسي بالمحادثة بثلاث سمات:

  n  التعاطف empathy

  n  التقدير غير المشروط

  n  الانسجام congruence

وغالباً ما تطلق في المراجع على سمات العلاقة هذه بين المعالج و المتعالج تسمية المتغيرات الأساسية، أو سمات المعالج؛ وهناك تسميات مختلفة لهذه السمات إلى حد ما.

 

التعاطف(التفهم) empathy

وتطلق على هذا المظهر من العلاقة العلاجية في المراجع المتحدثة بالألمانية مفاهيم مثل ((وصف محتويات الخبرة الانفعالية Verbalisierung emotionaler Erlebnisinhalte)) (تاوش 1937). أو ((ترجمة المشاعر أو التعبير عنهاReflexion of feeling)) (مينـزل و لانغر،1964) ((التفهم المتعاطف empathical understanding)). وقد عرَف روجرز التعاطف على النحو التالي: ((تتكون حالة التفهم أو التعاطف من الإدراك الدقيق للإطار المرجعي الداخلي للآخر بما في ذلك المركبات والمعاني الانفعالية التابعة لذلك، وكأن المرء هو الآخر ولكن بدون التخلي عن حالة (وكـأن). في هذا المعنى يعني ذلك الإحساس بألم أو بفرح الآخر، كما يشعر به هو، وإدراك أسبابه كما يدركه هو ولكن بدون أن ينسى المعالج: وكأنني أنا المجروح أو الفرحان…..الخ…. وعندما تضيع سمة (وكأن) يتحول الأمر إلى حالة التماهي)) ولا تعود حالة تعاطف.

وفي مقالة لاحقة يعطي روجرز تعريفا موسعاً للتعاطف. وقد حاول هنا بالاستناد إلى تصور الخبرةexperiencing-concept  لغيندلاين 1962 وصف الأساس الذي يقوم عليه التعاطف بصورة أكثر دقة، حيث يؤكد فيه على الطبيعة السيرورية للتعاطف، أي على وضع أن التعاطف هو سيرورة ديناميكية متبادلة: ((تمتلك إمكانية اللقاء  بشخص آخر، والمسماة بالمتعاطفة - المتفهمة عدة مظاهر. إنها تعني الدخول إلى عالم الإدراك الشخصي للآخر والاستقرار في هذا العالم. إنها تحتوي كل لحظة من التحسس لمعاني المشاعر المتبدلة التي تعصف في هذا الآخر، القلق، الغضب، الحنان أو البلبلة أو أية حالة من الخبرة التي يعيشها أو (تعيشها) في اللحظة الراهنة. إنها تعني العيش في حياته مؤقتاً والدخول فيها والتحرك بدون أحكام وإشباع معاني المشاعر التي قلما يشعر بها هو، ولكن عدم المحاولة هنا إزاحة الستار عن المشاعر التي هي بالنسبة له لاشعورية على الإطلاق، إذ أن ذلك سيكون مهدداً. يتضمن التعاطف مشاركة مشاعرك بعالم خبرته، لأنك تنظر بصورة غير منحازة وغير خائف للعناصر التي يقف الآخر تجاهها مرتعبا. وذلك يعني الاختبار المنتظم معه لدقة إدراكات حسك وأن تنساب مع الإجابات التي تحصل عليها. إنك رفيق حميم بالنسبة للآخر في عالمه الداخلي. وعندما تظهِر له  أهمية المشاعر في تيار خبرته فإنك بذلك تساعده على تمثل هذه العلاقة القيمة في الخبرة الداخلية وأن يخبر معاني المشاعر المرتبطة بالخبرة بصورة أفضل وأن يستمر في خبرته. أن تكون مع إنسان آخر بهذه الطريقة يعني أنك ترمي في هذه اللحظة طريقة رؤيتك ومعايير قيمك التي تتمسك بها أنت جانباً من أجل الدخول في عالم خبرة الآخر بدون أحكام مسبقة. وهذا يعني إلى حد ما أنك تتراجع أنت نفسك. وهذا ما يستطيعه فقط شخص مستقر كفاية لأنه يعرف بأنه لن يفقد نفسه في عالم خبرة الآخر الذي يمكن أن يبدو غريباً وشاذاً وأنه يستطيع آن يرجع إلى عالمه الذاتي متى أراد بدون صعوبات)).

ولا يتحدث روجرز هنا عن مجرد المشاعر وإنما عن عالم الإدراك الشخصي للمتعالج الذي تمتلك فيه المشاعر مغزىً ويمكن تقييمها والسماح لها كثيراً أو قليلاً - وكما نرغب أن نظيف كذلك - الذي يمكن إثارة المشاعر فيه أيضاً.

ويستند روجرز هنا بصورة أساسية إلى غيندلاين (Gendlin,1962) الذي عرض بينزه (1977)  وبومرت ودالهوف (1978) نظريته بشكل مفصل في اللغة الألمانية. ويرى بينزه أن غيندلاين يعتبر التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية بأنه إمكانية ترميز الخبرات الذاتية، أي تحقيق الذات Self-actualization. و يعني ترميز الخبرات الداخلية كل شكل يمكن الاستناد فيه إلى الخبرة الذاتية ويمكن أن تدرك فيه ويعبر عنها وتستعمل وبهذا أيضاً يمكن أن يتحدث بها. وينظر للفرد هنا بأنه يسعى بشكل نشط نحو سيرورة الترميز هذه وعلى المعالج أن يدعم هذا السعي النشط. ويؤكد غيندلاين أكثر من روجرز على أنه يجب فهم السلوك القاعدي العلاجي (التعاطف والانسجام والتقدير غير المشروط) بشكل مترابط، أي أن هذا السلوك القاعدي يجب أن يضع المتعالج في حالة يتمكن فيها من ترميز سيرورة المشاعر التي تعتمل في داخله بصورة أكثر. ويتصور غيندلاين ذلك عملياً على الصورة التالية:

هناك حوادث نفسية معينة قابلة للإدراك داخليا وقابلة للإحساس بها جسدياً أيضاً. هذا السيل من الإحساس والشعور يعتبره ((مادة)) الشخصية ويسميه الخبرة experiencing. ويستطيع الفرد التركيز على هذه المشاعر الداخلية في كل لحظة. وتطلق على هذه الإمكانية من الانعطاف المباشر إلى المشاعر الداخلية إمكانية ((الاتصال المباشر direct referent)).

ويطلق غيندلاين ((البوْئَرَة Focusing)) على العملية التي تحدث عندما ينعطف الفرد مباشرة 

((الاتصال المباشر)) إلى خبرته الداخلية. فإذا  تحقق في أثناء ذلك ترميز محتوى المعنى الذي تملكه الخبرة الداخلية، فإن السيرورة العضوية - كما يعبر غيندلاين - تكون قد خطت خطوة للأمام، أما روجرز فإنه كان ليقول أن تحقيق الذات قد حدث.

ويؤكد غيندلاين أن الاتصال المباشر أو الترميز الناتج يترافقان بهبوط التوتر المحسوس جسديا الذي يمهد للنمو unfolding أي يمهد بشكل أكثر كثافة لمواصلة الاهتمام بالخبرة الداخلية الذاتية. بالإضافة إلى ذلك يؤكد غيندلاين على أن ما يشغلنا ليس الانفعالات ((الصرفة)) التي تسعى إلى التواري عن إدراكاتنا أيضاً وإنما معانيها، أي ما تسببه لنا هذه الانفعالات وما تخبرنا به عن ذاتنا. ونحن عندما نتحدث فيما يلي عن المشاعر فإننا نقصد بذلك إدراكات المعنى تلك والتي تختلف عن ((المشاعر الصرفة Sheer emotions)) ويتضح من خلال هذا النموذج الأساس الذي ينبغي للتعاطف الاستناد إليه: ألا وهو معاني الخبرات الداخلية. فعندما يسمح المتعالج أن يشاركه المعالج بسيرورات ترميزه من خلال تعبيره عما يدور بداخله فإننا نتحدث عن أن المتعالج يستقصي أو يسبر ذاته explore وبهذا فهو يقدم جزءاً من أساسياً من المادة التي يستند إليها المعالج تعاطفياً. و ومنذ تاوش ومينزل وإيبيل و فيتكاو (1969) تطلق على إيصال هذا الاتجاه التعاطفي إلى المتعالج بصورة لفظية تسمية ((التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية verbalize of emotional experiencescontents)).

وتتوفر مقاييس لتحديد درجة السبر الذاتي والتعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية نعرض فيما يلي أحدها:

مقياس لتقييم سمة ((التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية- الشخصية)) مأخوذ عن تاوش وآخرين 1969

الرجاء تقييم حسب مقياس التقييم التالي المتدرج من 2 حتى 12 إلى أي مدى يعبر فيه المعالج عن خبرات المتعالج الانفعالية الشخصية (العاطفية الشخصية). أرجو منك ألاّ تتأثر في حكمك بالرفض أو الموافقة الناتجة عن المتعالج. صنِّف تعبير المعالج في المرتبة التي ترى أنها أكثر مطابقة للأقوال.

الدرجة (1):

الدرجة (2):

لا يعبر (يعلق) المعالج على محتويات الخبرة الشخصية الانفعالية للمتعالج ولا يتم التعبير عن أي موضوع من الموضوعات الخارجية التي يذكرها المتعالج. ويتكون التعليق من تحذير وتعليم. …

الدرجة (3):

الدرجة (4):

لا يعبر المعالج عن محتويات الخبرة الشخصية الانفعالية التي عبر عنها المتعالج، إلاّ أنه يتم التعبير عن موضوع خارجي ما قام المتعالج بذكره.

الدرجة(5):

الدرجة (6):

التعبير عن محتوى خبرة أو عدة محتويات جانبية عبر عنها المتعالج. ولا يعبر المعالج عن محتويات الخبرة التي يلقي عليها المتعالج أهمية مركزية. كأن يقتصر المعالج على التطرق فقط إلى محتوى يذكره المتعالج كمثال على المحتوى الرئيسي للخبرة.

الدرجة (7):

الدرجة (8):

يعبر المعالج عن جزء من محتويات الخبرة الشخصية الانفعالية التي عبر عنها المتعالج، غير أن محتويات أساسية أخرى مازالت ناقصة.

الدرجة (9):

الدرجة (10):

يعبر المعالج عن الجزء الأكبر من محتويات الخبرة الانفعالية الشخصية الأساسية التي عبر عنها المتعالج ؛ إلاّ أنه لم تراع بعد كلُ محتويات الخبرة الأساسية بعد.

الدرجة (11):

الدرجة (12):

يعبر المعالج بصورة دقيقة عن كل محتوى الخبرة الانفعالي الشخصي الأساسي الذي أفصح عنه المتعالج.

ويحتوي وصف الدرجات منفردة على توجيهين اثنين:

1- التعبير Verbalize  أي أنه يجب لمضمون ما يتحدث به المتعالج مع المعالج أن يكوَّن ((محتويات الخبرة الانفعالية)) الشخصية قدر الإمكان، أي مشاعر وتقويمات انفعالية للأحداث ورغبات واهتمامات وخبرات الشخص الذاتية وخبرة التأثير الذاتي للشخص على الآخرين (تاوش،1973 صفحة 800).

2- يجب أن يتم السعي إلى أن يتطرق المعالج إلى كل محتويات الخبرة الانفعالية الشخصية لخبرة المتعالج (الدرجة 12 من المقياس).

و بتأثير من الانطباع، أنه في تأهيل المعالجين النفسيين بالمحادثة غالباً ما يتم التمرن على 

  ((محتويات الخبرة الانفعالية الشخصية)) بشكل مختصر، بمعنى أنه على المتدرب المتمرن على إعادة ((" ترجمة "، " التعبير عن ")) المشاعر التي عبر عنها المتعالج، نرغب في التأكيد على أن تعليمات استخدام مقياس ((التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية)) يجب أن يحتوي على إرشادات واضحة تتضمن أنه يجب أن  يكون للتعبير عن تقييمات الخبرات الداخلية (من ضمنها التقييمات الانفعالية) الأولوية قبل التعبير عن الخبرات نفسها. وكما أظهرت سلسلة من الدراسات فإن المحكمين الذين يقيمون بشكل مستقل عن بعضهم بعضاً مقطع معالجة (يهتم المعالجون النفسيون بالمحادثة بتسجيل محتوى المحادثة العلاجية على شريط تسجيل) متفقون عادة حول الدرجة من المقياس التي يتم فيها تصنيف سلوك المعالج الواجب تقييمه. بل وأن مثل هذا التصنيف ممكن أيضاً حتى عندما لا تتوفر إلاّ  أقوال المعالج فقط، أي حتى عند غياب أقوال المتعالج التي يستند إليها التفهم المتعاطف الذي يسبق قول المعالج (Traux, 1966).

وقد قادت هذه النتيجة الأخيرة إلى الكثير من النقاشات والدراسات حول مسألة فيما إذا كان ما يقيسه المقياس هو بالفعل التعاطف أو التفهم المتعاطف.ويبدو أن فائدة القياس بوساطة مقياس  

  ((محتويات الخبرة الانفعالية)) متعلقة بصورة أساسية بمدى تمكُّن  المقوِّم من مفهوم التعاطف وبمدى حساسيته في إدراك التفاعلات البين إنسانية.

ونرى أنه بالرغم من هذه التقييدات إلاّ أنه يمكن الانطلاق من أنه على الرغم من أن ما نقيسه بمساعدة مقاييس التعاطف وبشكل خاص المقياس المستخدم في المحيط الناطق بالألمانية والمسمى مقياس ((التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية)) ليس هو التعاطف، إلاّ  أنه يشكل في الحقيقة كاشفاً مضموناً لوجود التعاطف.

بقي أن نلاحظ أنه يبدو أن التفهم المتعاطف يكون موجوداً عندما يستطيع المعالج الحديث مع المتعالج حول محتويات خبرته الانفعالية. ويتفق المقيِّمون المتمكنون من هذا المفهوم والذين يمتلكون إدراكاً جيداً للعلاقات البين إنسانية، حول مقدار التفهُّم المتعاطف الذي يقدمه معالج ما. ونؤكد مرة أخرى على أن التعاطف ليس مطابقاً للتعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية. وسوف نقوم فيما يلي بالتأكيد على ذلك مراراً، إلاّ  أن المقدار العالي من التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية يجعلنا نخمن حدوث سيرورة تعاطفية في العلاقة بين المعالج و المتعالج.

ويعتبر من المؤكد علمياً بصورة كافية أنه إذا كان التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية تعبيراً عن التفهم المتعاطف للمعالج، فإنه يشجع المتعالج على السبر الذاتي. ويعود التعريف الإجرائي للسبر الذاتي selfexploration (SE)  في صيغة مقياس قياس إلى ترواكس 1961، أما الصيغة الألمانية فقد نشأت من قبل تاوش و إيبيل و فيتكان و مينزل 1967.

 

مقياس لتقدير مقدار ((السبر الذاتي عند المتعالج)) مقتبس عن تاوش وآخرين 1969.

الدرجة (1):

لا يتحدث المتعالج على الإطلاق عن ذاته ولا عن سلوكه أو عن خبرته الذاتية. إنه يتحدث فقط عن وقائع غير متعلقة بشخصه.

الدرجة (2):

لا يتحدث المتعالج عن ذاته ولا عن سلوكه ولا عن خبرته، إلاّ  أنه يتحدث عن أشخاص و \ أو أشياء لها علاقة به.(كأن يتحدث عن سيارته).

الدرجة (3):

يتحدث المتعالج عن أحداث خارجية وعن سلوكه الذاتي، إلاّ  أنه لا يتطرق بشكل خاص إلى خبراته الشخصية الداخلية.

الدرجة (4):

يتحدث المتعالج عن الحوادث الخارجية وعن سلوكه الخاص ولكنه لا يتحدث عن خبراته الداخلية الشخصية المرتبطة بذلك بصورة خاصة. إلاّ  أنه يمكن للمرء هنا الافتراض أن الشيء المذكور مرتبط لديه بمشاعر أو يمتلك أهمية بالنسبة له.

الدرجة (5):

يتحدث المتعالج عن سلوكه الخاص أو عن أحداث خارجية وحول الخبرات الداخلية الشخصية بشكل خاص والمرتبطة بذلك. والجزء الأكبر من الحديث يتكون من وصف سلوكه أو أحداث خارجية ؛ أما خبراته الداخلية الشخصية فيتم التطرق إليها بصورة مختصرة.

الدرجة (6):

يتحدث المتعالج حول سلوكه الخاص أو حول أحداث خارجية أو حول الخبرات الذاتية الشخصية بشكل خاص، التي هي على علاقة بذلك. ويتألف محتوى الحديث في غالبيته من وصف خبراته الداخلية.

الدرجة (7):

يتحدث المتعالج بشكل غالب عن خبراته الداخلية الشخصية بشكل خاص، بالإضافة إلى ذلك يمكن ملاحظة وجود استعداد لمتابعة تفسير خبراته الداخلية، على نحو رؤيتها في سياقات جديدة، من خلال سؤال نفسه من أين تأتي بعض الاتجاهات؟ واكتشاف تناقضات وما شابه.

الدرجة (8):

يصف المتعالج بإسهاب خبراته الداخلية الشخصية بشكل خاص. ويلاحظ بوضوح البحث عن وجوه وروابط جديدة في خبرته الداخلية.

الدرجة (9):

يصف المتعالج بإسهاب خبراته الداخلية الشخصية بشكل خاص ويتضح أنه يجد وجوهاً وروابط جديدة في خبرته الداخلية.

 ويوضح وصف هذه الدرجات أنه ينبغي في المتعالج تنمية سيرورة تجعله دائم السبر الذاتي على نحو ما هو معروض في هذا المقياس.

ولا يهدف التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية بالمعنى الوظيفي من خلال المعالج إلى شيء آخر عدا تنمية السبر الذاتي هذا لدى المتعالج، أو بتعبير غير مألوف يهدف تعاطف المعالج النفسي إلى تنمية ((التعاطف الذاتي)) للمتعالج. وهذا الارتباط الوظيفي مبرر نظريا و مثبت تجريبياً:

ففي الأفكار النظرية حول بناء المعالجة النفسية بالمحادثة لروجرز وبومرت يصبح فرد ما بحاجة للمعالجة عندما ينشأ تنافر بين ذاته وخبراته. ويقصد بذات الفرد، هيئة منظمة ومتماسكة، مكونة من السمات المدركة ((للأنا)) وعلاقتها بالمظاهر الأخرى أو المختلفة للحياة، بالإضافة إلى تقييمات هذه الإدراكات Bomert, 1977: 22ff.). وفي حالة التنافر Incongruent تدرك الخبرات التي لا يمكن مطابقتها مع الذات بصورة مشوهة أو يتم إنكارها جزئياً أو كليةً من الشعور Bomert, 1977: 36ff.).

وينبغي لتعاطف المعالج أن يقود إلى أن يرمِّز المتعالج خبراته بدقة وبشكل أكثر كمالاً وصولاً إلى القيام بتنسيق مجدد بين هذه الخبرات والمفهوم الذي يحمله عن ذاته. وهذا يعني ذاته أو مفهومه عن ذاته. وهذا التنسيق يتحقق من خلال التعاطف الذاتي فقط. ويمكن اعتبار السبر الذاتي وفق المقياس كاشفاً للشدة أو للكثافة التي يسعى بها المتعالج إلى عملية التناسق هذه، والتي سوف نتحدث عنها كثيراً. لقد أظهرت أبحاثاً تجريبيةً باستمرار أن العلاقات الارتباطية الأساسية مع مقادير النجاح، أي مع التعديلات المقاسة التي شهدها المتعالجون في المعالجة، قد وجدت دائما مع سمة السبر الذاتي في حين أن سمة المعالج ((التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية)) تترابط مع السبر الذاتي، إلاّ أنها لا تترابط أو تترابط بمقدار ضئيل مع إجراءات نجاح المعالجة

(راجع على سبيل المثال تاوش، 1937).

ونؤكد على الارتباط الوظيفي بين تعاطف المعالج و ((التعاطف الذاتي)) للمتعالج بهذا الشكل لأننا نعتقد أنه يجب إزالة سوء الفهم. إن مشروع العلاقة الذي يقدمه معالج نفسي بالمحادثة لا يساعد من خلال أنه يمكِّن من قيام علاقة ((طيبة)) أي لطيفة ومتعاطفة مثلاً وإنما من خلال أن مشروع التعاطف المُقَدِر للقيمة والمتوافق وحده يمكِّن المتعالج من الدخول في سيرورة التعاطف الذاتي. ومن هنا فإن تعاطف المعالج يجب ألاّ يتجه أساساً إلى ((شخص)) المتعالج وإنما إلى مساعيه بالدرجة الأولى في الإقدام على مثل تلك السيرورة في خبرة الذات. وبهذا المعنى فإن تعاطف المعالج ليس نوعية إنسانية وإنما ((متغيرة أداتيه Instrumental Variable)) وظيفتها رفع تعاطف الذات لدى المتعالج.

فلنلخص:

 إن العنصر الأول في مشروع العلاقة العلاجية النفسية بطريقة المحادثة الذي قمنا بعرضه يتمثل في التعاطف الذي يعني فهم خبرة الآخر بشكل كامل وبدقة وكأنها خبرتنا الذاتية بدون التخلي ولو لمرة واحدة عن حالة ((وكأن)) هذه، ومشاركة المتعالج بما تم إدراكه. ويمكن اعتبار التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية للمتعالج كاشفاً لوجود التعاطف.

وللتعاطف وظيفة تنمية التعاطف الذاتي لدى المتعالج باعتباره الجزء الأساسي للسيرورة العلاجية. ويجب فصل التعاطف بشدة عن المشاركة الوجدانية في شكل موقف إنساني. وعندما يصبح المتعالج سابراً لذاته أو متعاطفاً معها، أي عندما يستطيع إقامة العلاقة التي عرضها عليه المعالج مع ذاته ينتهي العلاج.

 

التقدير غير المشروط

يتألف

 جزء من أساسي من التعاطف (قارن صفحة 140) من أن يضع المعالج الرؤى والاتجاهات التي يملكها هو نفسه جانباً كي يتمكن من الدخول إلى عالم خبرة الآخر بدون أحكام مسبقة. وطبقاً لذلك فإنه يفترض أن التفهم المتعاطف غير ممكن إلاّ  في إطار خال من الأحكام المسبقة فقط. أن أي رأي للمعالج تجاه متعالجه على نحو: ((إنك لا تستطيع على ما يبدو تحمل التوتر)) يمكن أن يكون صحيحاً من حيث المحتوى، أي أنه يمكن أن يصف بدقة ما يعيشه المتعالج في مرجعيته الداخلية، في ذاته، إلاّ أن المتعالج قلما سوف يتقبل هذا الرأي حول حالته الداخلية، إذا  وجد المعالج أن هذه الحالة مضحكة أو غير إنسانية أو طفليه أو مرفوضة بطريقة ما، وعبَّر عن ذلك بشكل لفظي أو غير لفظي للمتعالج. ويتضح من هذا المثال أن التعاطف الذي يهدف إلى تنمية السبر الذاتي للمتعالج يجب أن يكون من نوعية انفعالية محددة. ومن المؤكد أن استعداد إنسان ما لفهم نفسه لا يرتفع إذا  قوبل ما يبديه بعدم الاهتمام أو التقييم أو حتى بالرفض. وقد دفعت هذه الخبرة روجرز بالإضافة إلى تنمية اللاتقيمية، إلى صياغة الشرط العلاجي المتمثل في أنه على المعالج أن يتمكن من تقبل ما يقوله المتعالج حول نفسه. و يشعر المعالج بأنه يتقبل المتعالج من خلال إحساسه بأنه مهتم إيجابياً، فإذا  شعر المتعالج بأنه غير مقبول من المعالج فسوف يتعثر في سيرورة سبر ذاته وخصوصا من خلال أنه عليه أن يناقش في علاقته بالمعالج تقييماته وبهذا قلما يبقى هناك مجال لتفسير العلاقة التي يملكها مع نفسه.

سوف نطلق على هذا الشرط العلاجي الذي يساعد على ضمانة هذا المجال فيما يلي من الحديث ((التقدير غير المشروط[3])). ومن هذه الزاوية، أي من خلال أهميتها بالنسبة للمتعالج في السيرورة العلاجية، اعتُبرت سمة ((التقدير غير المشروط)) حتى الآن ذات أولوية. ويقول روجرز 1961 (الطبعة الألمانية 1973 صفحة 480) إن ((التقبل لا يعني الكثير طالما لا يحتوي على الفهم)) وصاغ بهذا علاقة داخلية بين التفهم المتعاطف (التعاطف empathy) و ((التقدير غير المشروط)) للمعالج ونرغب بالتأكيد على هذا الارتباط الداخلي لكلا الشرطين، وتحديد أهميتهما لبعضهما ونوضح أن التقدير غير المشروط للمعالج يتعلق بمدى فهمه لمتعالجه وأن التقدير غير المشروط لا يصبح فعالاً علاجيا إلاّ  عندما يترافق بالفهم.

وننطلق هنا من مواقف التأهيل التي يحدث فيها دائماً سوء الفهم الواضح من خلال سعي المعالجين النفسيين (بالمحادثة) الشباب إلى أن يكونوا محبوبين ولطيفين ومهتمين بمتعالجيهم، من أجل تحقيق شرط تقبل المتعالج بدون شروط. فهم يستهلكون الكثير من الطاقة في التلقي اللطيف لما يقوله لهم المتعالج وباهتمام متساوٍ. غير أنه يتبين بوضوح أن ذلك يزداد صعوبة كلما كانوا أقل معرفة بما يريد المتعالج قوله لهم ((في الواقع))، وما الذي يعبِّر عنه، وما هي الصراعات التي يتحدث حولها الآن بالتحديد، أو التي يتجنب الحديث عنها الآن. وسبب هذا الغموض عند هؤلاء المعالجين الشباب هو أنهم قد فهموا ((التقدير غير المشروط)) باعتباره موقفاً للمعالج النفسي بالمحادثة ينبغي تحقيقه حتى لو لم يعرفوا حول أي شيء يتحدث المتعالج، أي حتى لو لم يعرفوا ما الذي عليهم تقديره في الحقيقة. وعلى أساس من مثل هذه الخبرات والآراء نفترض الافتراضات التالية:

هناك ارتباط وظيفي بين كلتا السمتين من سمات المعالجين ((التعاطف)) و((التقدير غير المشروط)) موجود في شخصية المعالج. وكلتا السمتين هما مظهران للعلاقة بين المعالج    و المتعالج. وعلى المعالج أن يفهم المرجعية الداخلية  للمتعالج أو للأجزاء التي يتطرق إليها المتعالج في موقف علاجي محدد إذا  أراد أن يضمر للمتعالج التقدير؛ وإلاّ فلن يتمكن من تحقيق شكل فعال علاجياً من التقدير. عليه أن يعرف ما الذي يقدره بدون شروط.

وعلى العكس تؤثر الدرجة القابلة للتحقيق من التقدير على إمكانية المعالج على الفهم المتعاطف للمتعالج. فإذا  عبر المتعالج عن مشاعر محددة أو تقييمات معينة تثير لدى المعالج مشاعر كالخوف أو الإنكار فإنه لن يستطيع الاحتفاظ بالتقدير غير المشروط. ومن خلال ذلك تتضيق إمكانية المعالج في الاستجابة المتعاطفة للمتعالج وفهمه. وعادة ما يكون سبب هذا التضييق  في أن المتعالج يمسُ مجالات من الخبرة لا يستطيع المعالج ذاته أن يتحرك فيها بحرية ومن هذا الجانب فإن التقدير غير المشروط يمتلك طبيعة شرط الضبط. فإذا  غاب التقدير أو تضيق بوضوح فإن ذلك يمكن أن يعني للمعالج شيئين:

فهو إما أنه لم يفهم المتعالج أو أن المتعالج يتحدث حول أمور لم يفهم المعالج فيها نفسه والتي  لا يقبل هو نفسه خبراته فيها.

لقد أوردنا التسمية الهشة إلى حد ما ((شرط الضبط)) من أجل وصف وظيفة التقدير غير المشروط ومن أجل إيضاح أنه على المعالج أن يختبر باستمرار قدر الإمكان في علاقته بالمتعالج المدى الذي يكون فيه قادراً على التجاوب تعاطفياً مع المتعالج على أساس من مقدار التقدير الذي يستطيع استحداثه. بكلمات أخرى: وفقاً لوجهات نظرنا فإن الطريق الأضمن لاختبار التعاطف هو أن يختبر المعالج وضعه الانفعالي في الاتصال مع المرضى أو بتعبير آخر أن يهدف إلى 

 ((علاقة مباشرة direct referent)). فعلى المعالج أن يختبر نفسه بناء على ذلك فيما إذا كان يستطيع استقبال ما يعبر عنه المتعالج بتقدير غير مشروط.

وفيما يلي من الحديث سوف نقوم بتوسيع مثل هذه الرؤيا:

فالتعاطف كما عُرِّف هو في الأساس شيء مجرد، هو إدراك المرجعية الداخلية  للمتعالج. لقد عرضنا في مكان سابق من هنا أن المتعالج يصبح ((معافىً)) عندما لا يعود يشوه وينكر …الخ الخبرات التي يعيشها وإنما يتمكن من اختبار ما تعنيه هذه الخبرات أو ما تريد أن تقوله له، بغض النظر عن المدى الذي تنسجم فيه مع مرجعيته الداخلية، مع مفهوم ذاته أو لا تنسجم إطلاقاً. لقد افترضنا كذلك أن المتعالج يصبح سليماً عندما يتمكن من إقامة علاقة مع ذاته، مثل التي يقدمها له المعالج النفسي (بالمحادثة) بشكل مثالي. ومن أجل ذلك لابد وأن يكون المعالج قادراً على الاهتمام تفهمياً بالمرجعية الداخلية  للمتعالج الأمر الذي لا يكون ممكناً بالمعنى العام، إلاّ  إذا تقبل المعالج المرجعية الداخلية  وخبرات المتعالج، أي إذا ما قابلها بتقدير غير مشروط.

والإمكانية الوحيدة بالنسبة للمعالج من أجل أن يحدد فيما إذا كان يفهم المتعالج بشكل صحيح أم لا هي في اختبار مسألة فيما إذا كان يشعر تجاه المتعالج بتقدير غير مشروط. أمّا أي شكل آخر لاختبار مسألة فيما إذا كان المعالج يفهم المتعالج فلا تبدو لنا صعبة فحسب - إذ أنه من أين يجب أن يؤخذ المقياس هنا؟- وإنما أيضاً بلا معنى في إطار الفرضيات الأساسية للمعالجة النفسية بالمحادثة. فالمعالج لن يستطيع سؤال المتعالج مباشرة، ذلك أن بعض المتعالجين لا يعرفون مطلقاً كيف يمكن فهمهم بسبب من التشويه أو التجنب لأنماط الخبرة المتنافرة لديهم، في حين أن متعا لجين آخرين يعرفون حول إطارهم المرجعي الذاتي وكذلك حول الخبرات التي يتجنبونها، إلاّ أن مشكلتهم هي في أنهم يرفضون نفسهم، أي ذاتهم، أو يرفضون خبراتهم. ومن هذه الناحية يتجنبون أن يتم فهمهم.

لقد عالجنا حتى الآن وظيفة التقدير غير المشروط بالنسبة للمعالج في التفاعل مع التعاطف. ولقد أبرزنا هذا المظهر الوظيفي للتقدير غير المشروط بالنسبة للسيرورة العلاجية قبل أن نتطرق بشكل أقرب إلى النوعية الانفعالية لمتغيرات العلاج هذه. وقد ذهبنا هنا من أن سمة العلاج هذه معروفة في نوعيتها الانفعالية أكثر من أهميتها الوظيفية للسيرورة العلاجية. وهذا يتعلق بأن التقدير غير المشروط عند روجرز (1951، 1957، 1962) قد وصف غالباً من خلال نوعيته الانفعالية، حيث أسماها ((الاحترام الإيجابي غير المشروط unconditional positive regard))،  إلاّ أنه يستخدم تسميات أخرى مثل ((الدفء الانفعالي emotional warmth)) أو       ((التقبل acceptance)):

((أفترض أن نمو الشخصية وتعديلها يكون أسرع في التشكل كلما اقترب المعالج بحنان واهتمام واستعداد للتقبل أكثر من داخل المتعالج. وهذا يعني أن يقدر المتعالج كشخص ذي مشاعر يمكن مقارنتها نوعيا مع المشاعر التي يحملها الأهل لابنهم، الذي يقدرونه كشخص بغض النظر عن سلوكه في اللحظة الراهنة. وهذا يعني أن يكون المتعالج بالنسبة له مهماً على نحو بعيد عن التملك، مهما بالنسبة له كشخص يريد أن ينمو. وهذا يتضمن أنه يريد أن يكون المتعالج منفتحاً مهما كانت المشاعر التي تعتمل في هذه اللحظة، سواء كانت عدوانية أم حنان أم عصيان أو رفض أو خضوع أو ثقة بالذات أو حط من قيمتها. وهذا يعني (نوع من الحب) تجاه المتعالج كما هو..)) (روجرز، مقتبس عن تاوش 1973 صفحة 812، ترجمة المؤلف)

ويذكر روجرز في مكان آخر (1957صفحة 98) ما يقصده بصفة ((غير مشروط))؛ إنه يقصد أن المعالج يعيش التقدير الإيجابي بالشكل المرغوب وذلك عندما يشعر بالتقبل غير المريب لكل خبرة تعتبر جزءاً من هذا المتعالج. يعني التقدير غير المشروط أنه ليست هناك شروطاً للتقبل، ليس هناك شعوراً على نحو ((أريدك عندما تكون على هذا أو ذاك النحو)). أما العكس فسوف يكون موقف تقييم انتقائي ((من هذه الزاوية أراك جيداً، أما في الجانب الآخر فأراك سيئاً)). فشعور التقبل يتضمن مشاعر المتعالج ((السيئة)) أي المشاعر المؤلمة و القَلِقة و الصادة و الشاذة وكذلك المشاعر ((الطيبة)) أي المشاعر الإيجابية والناضجة والواثقة والتضامنية. التقدير غير المشروط يعني حسب روجرز: تقبل المتعالج حتى لو كان متناقضاً أيضاً، وليس عندما يكون في حالة توافق فقط. كما ويعني التقدير غير المشروط حمل هم المتعالج ولكن ليس بطريقة تملكيه أو بشكل يخدم إشباع حاجات المعالج. التقدير غير المشروط يعني وفق روجرز الإشفاق على المتعالج كشخص مستقل مع إمكانية امتلاك المشاعر الخاصة والخبرات الذاتية.

ويشير روجرز في المقطع نفسه إلى أن تسمية ((الاحترام الإيجابي غير المشروط)) مضللة من حيث كونها تبدو وكأنها مطلب مطلق.

ففي الواقع الإكلينيكي سوف يشهد معالج فعّال في أوقات كثيرة لجلسة معالجة هذا الشعور من التقدير غير المشروط، ولكن من حين لآخر سيشهد تقديرا مشروط فقط- وأحياناً رفض -. 

سبق وذكرنا أن هذا التبدل في مدى التقدير غير المشروط لا يعني فشل المعالج، وإنما له وظيفة مهمة لسيرورة العلاج. والتقدير هو عبارة عن شعور قابل للامتلاك من قبل المعالج، يمكن الإحساس به بالنسبة له على شكل ((علاقة مباشرة))(غيندلاين، 1962). ويعتبر مقدار التقدير غير المشروط معياراً للمدى الذي يكون فيه المعالج قادراً على التجاوب تعاطفياً مع متعالجه. فإذا  شعر المعالج أن تقديره لمتعالجه في لحظة معينة ضعيف فقط أو بتبدل لتقديره باتجاه أقرب للشعور الرافض فذلك دليل - حسبما نرى - على وجود حدث مهم في سيرورة العلاج يمكن استغلاله إيجابياً. على المعالج أولاً أن يطرح على نفسه مجموعة من الأسئلة - عن طريق السبر الذاتي الصامت طبعاً - مثال: هل أفهم المتعالج فعلاً ؟ أو هل تبنيت الرفض الذي يحمله المتعالج تجاه ذاته، أي هل تماهيت معه؟ أو هل أشعر معه أنه هاجمني ؟ أو بأني مرتاب ؟ وأجعل من خيبته مشكلتي ؟

فإذا  استنتج المعالج على سبيل المثال أو إذا  اتضح له في جلسة الإشراف Supervision أنه قد تماهى مع المتعالج فيجب تفسير معنى هذا الشكل من العلاقة بالنسبة للمعالج و المتعالج. وهنا لابد فيما يتعلق بالمتعالج اختبار فيما إذا كان يعتبر مثلاً أنه من الأسهل له العيش مع مشاعره عندما يشاركه فيها الآخرون - في هذه الحالة المعالج هنا - وفيما يتعلق بالمعالج يجب إيضاح مدى سروره بتقبل مثل هذه العلاقات التي يستطيع فيها الأخذ عن الآخر شيئاً ما أو مدى سهولة تقبله لمثل هذا المشروع من العلاقة عندما يعرضها عليه أحدهم.

و فقط عندما يتضح للمعالج ما الذي سبب الضرر في تقديره غير المشروط لمتعالجه، ويستطيع تقبل هذه الأسباب فإنه سوف يتمكن ثانية من الاهتمام بالمتعالج تعاطفياً وبالتالي يصبح فعالاً علاجياً. وسوف نوضح في مكان لاحق (أنظر الفصل الرابع) سبب حصول التقدير الضيق أو التبدل في مقدار تقدير المعالج عادةً وكيف يستطيع المعالج التصرف مع ذلك.

ومن المهم في هذا المقام التأكيد على أن التبدل في مقدار التقدير غير المشروط هو جزء من السيرورة العلاجية ولا يجسد بادئ ذي بدء فشل المعالج. وبهذا المعنى لابد من اعتبار التقدير غير المشروط هدفاً على المعالج أن يسعى لتحقيقه. إن مقدار التقدير معرض لتبدلات مستمرة ولا يتعلق بالمشاعر، التي يتحدث عنها المتعالج فقط، وإنما بالمستوى الزمني للمعالجة أيضاً. وفي الحالة المثلى ينمو تقدير المعالج لمتعالجه من جلسة علاجية إلى أخرى، إلاّ  أنه يهبط ثانية عندما يبدأ المتعالج الحديث عن موضوع جديد. أما التأزم فلا يحدث إلاّ  عندما يحدث سكون عميق في النمو أو فتور واضح للتقدير غير المشروط بدون موضوع جديد. فإذا لم يتمكن المعالج من السعي بهذا المعنى إلى التقدير غير المشروط يحدث للمتعالج شيئان: لا يستطيع المعالج أن يكون متعاطفاً ويجر المتعالج للتناقض معه ويصرفه بهذا عن التعاطف الذاتي. كما  و أن اعتبار التقدير غير المشروط جزء من مشروع علاقة المعالج بالمتعالج يوضح بشكل مباشر أنه يمكن التفكير بمقدار عال من التقدير كهدف نهائي للعلاقة العلاجية فقط. حتى أن المقدار العالي  - ظاهرياً - من التقدير غير المشروط يمكن أن يكون غير ملائم: لقد وصف روجرز المتعالج المحتاج للمعالجة بأنه إنسان لا يستطيع تقبل خبراته لأنها لا تنسجم مع مفهوم ذاته    (روجرز، 1957، راجع المبدأ الأساسي رقم 2).

ينظر المتعالج لنفسه على أنه قليل القيمة و سيئ وفاشل …الخ - غالباً لتجنب الخبرات التي يعتبرها أسوأ. ومن هنا يمكن لمتعالج ما أن يستجيب إلى مقدار عال من التقدير المُبدى مباشرة في بدء المعالجة - وخصوصاً ذلك الشكل من التقدير، الذي لا يستند بشدة إلى ما يقوله  المتعالج -، كما اعتاد أن يستجيب في اتصالاته البين إنسانية اليومية، أي بشكل من الدفاع. فعندما ينظر  المتعالج لنفسه بأنه ناقص فإن خبرة أن يعامله شخص ما غير مطلع على أفكاره حول أسباب نقصه بتقدير عالٍ غير متفقة مع مفهوم ذاته بالنسبة له. وهو هنا إما لن يدرك هذا الشكل من التقدير على أنه كذلك على الإطلاق، أو أنه إذا أدركه فإن هذا الإدراك سوف يجعله واقعاً تحت حالة من التوتر.

وصف فان كيسيل (1976) كل مشروع علاج استناداً إلى باير (1968) بأنه ((لاإجتماعي asocial)): فالمعالج يقدم مشاريع علاقة، متعارضة مع توقعات المتعالج، إنه يتجاهل توقعات المتعالج من هذه العلاقة.

ومن المرجح أنه إذا  تم إبداء سلوك المعالجين هذا، المرغوب بحد ذاته، ولكنه       

 ((لا اجتماعي))، بدون مراعاة المتعالج، أي إذا  تم إبداؤه إما بشكل مبكر أو بأي ثمن، فإنه المسؤول عن مجموعة من التصدع الباكر للمعالجة. ويمكن تجنب هذا التصدع إذا  نظر وفهم المعالج مشروع علاقته من منظور تفاعلي، أي من خلال تأثيره المحتمل على المتعالج.

أما بالنسبة للتقدير الذي يجب أن يكنه المعالج لمتعالجه فلابد من القول أولاً أن هذا التقدير هو مسألة تخص الضبط الذاتي للمعالج ولا يحتاج إبلاغه للمتعالج إلى حين. بالإضافة إلى ذلك على المعالج أن يدرك بصورة مُقَدِرَة و مُتَقَبِلة المدى الذي يكون المتعالج فيه قادراً على عيش التقدير المقدم له بشكل منسجم مع مفهوم ذاته وبشكل خاص المدى الذي يفصح فيه المتعالج عن ذلك بنفسه.

أما القاعدة المنتشرة بين كثير من المعالجين النفسيين والتي تقول بأنه من المفيد علاجياً بشكل خاص أن يتمكن المرء من تقديم نفسه مُـقَدِراً بدون شروط، فهي في هذا السياق خطأً تقنياً.

فإذا  لم يكن المتعالج قادراً على تقبل نفسه فعلى المعالج الحديث معه حول ذلك وليس حول ما يدور في المعالج. فعلى المعالج التعبير فقط عما يفهمه عن طريق التعاطف حول المرجعية الداخلية  للمتعالج وليس عما يشعر هو به، إذ أن ذلك سوف يكون صرف المتعالج عن سيرورة تعاطفه الذاتي التي تشكل السيرورة العلاجية الفعلية.

كما ويتضح من هذا الإسهاب أن الآراء ومسائل البحث الناتجة عن ذلك والتي تقول إن المقدار العالي من التقدير يمكن أن يكون له تأثير على التعديل البنّاء لدى المتعالج، تمتلك قوة تنبئية محدودة في الممارسة.

إذاً لا يستطيع المرء القول أنه كلما كان مقدار التقدير أعلى كان تأثير المعالجة على المتعالج أيسر. إنَ تمكُّن المعالج من أن يوضح لنفسه كم من التقدير المُعَبَر عنه يستطيع المتعالج تحمله لَهوَ أهم من السعي باستمرار للتعبير عن التقدير غير المشروط، بغض النظر عن المتعالج. ونكرر هنا الاعتقاد أن التقدير غير المشروط هو شرط للتعاطف ولا يظهر تأثيره إلاّ في إطار التعابير التعاطفية. وهذا يفسر برأينا الارتباطات الإيجابية والمنخفضة في الوقت نفسه بين تقدير المعالج ونجاح المعالجة في أغلب الدراسات التجريبية.(راجع على سبيل المثال تاوش 1973).

وربما يوضح تعبير متعالج ما حول معالجه والمتمثل في ((لقد استطعت التحدث بما أريد وظل لطيفاً باستمرار، وهذا ما لم أستطع تحمله)) هذه الارتباطات بصورة واضحة ومباشرة.

فلنلخص هنا أهمية سمة المعالج ((التقدير غير المشروط)) في إطار مشروع العلاقة  العلاجية: التقدير غير المشروط ليس  عبارة عن موقف دائم للمعالج. إنه موقف لابد من السعي إليه تجاه تعابير سبر ذاتية معينة للمتعالج في موقف علاجي محدد ضمن العلاقة العلاجية. فإذا  كانت العلاقة العلاجية من نوع أن المعالج يعيش مقداراً عالياً من التقدير خلال فترة زمنية طويلة تجاه متعالجه، فإن هذا يعني أن المتعالج يستطيع تقبل مشروع العلاقة من المعالج. و ويعني ذلك من ناحية أخرى أن المتعالج قد أدرك العلاقة التي حملها إليه المعالج بدقة، أي أنه يهتم بما يدور في ذاته كشخص له قيمة. التقبل لا يعني شيئاً بدون الفهم. ويتغير تقدير المعالج للمتعالج مع المحتويات ومع الطريقة التي يتحدث بها المتعالج حول هذه المحتويات.

إذاً يمكن للمعالج اعتبار تقديره متغيرة ضبط، يستطيع بها قياس مدى قدرته على تتبع المتعالج تعاطفياً.

الانسجام Congruence  

يمكن

 للرأي المذكور سابقاً لمتعالج حول معالجه والمتمثل في أنه لم يستطع تحمُل اهتمامه غير المشروط أن ينتج عن سببين مختلفين جداً مبدئياً. فمن جهة يمكن أن يكون المعالج قد ((تناسى)) أن متعالجه يحمل مفهوماً سلبياً عن ذاته وبأنه محكوم بمشاعر الذنب ورغباته في العقاب مثلاً، أي من المشاعر يتوقع عليها ردة فعل أخرى غير الاهتمام والتقبل، والذي (أي ردة الفعل) ربما يبحث عنها في حالته الراهنة أيضاً.

إن مثل هذه المفاهيم السلبية حول الذات ليست نادرة ويُدافع عنها بعناد شديد مثل المفاهيم الإيجابية عن الذات. ويمكن أن تتضح وظيفة مثل تلك الصور السلبية حول الذات من خلال مثال حول الكثير من الأطفال الذين يتعرضون لسوء المعاملة والذين يستمرون ظاهرياً بحب أهلهم بشكل غير معقول. وعلى ما يبدو فهم يتحملون الإحساس بأنفسهم بأنهم سيئون ويستحقون العقاب أكثر من أن يتحملوا فكرة ألاّ يكونوا  محبوبين. 

وتشير ردود الأفعال الموصوفة للمعالج على متعالج ذي مفهوم سلبي عن ذاته إلى نقص في التعاطف أو سوء فهم يتكون من أنه لابد للمعالج أن يكون مُهتماً و مٌقَدِراً بأي ثمن أن صح التعبير.والسبب الآخر لرأي المتعالج يمكن أن يكون في أنه قد أدرك بشكل صحيح أن تقدير معالجه كان مصطنعاً، غير منسجم، كان تمثيلاً، مشحوناً بالرغبة في أن يكون معالجاً جيداً على سبيل المثال مهما كان. و ويقودنا هذا التفسير لردة فعل  المتعالج إلى مظهر للعلاقة العلاجية أسماه روجرز انسجام المعالج والذي يعتبره من الشروط الضرورية لعلاقة علاجية مساعدة. ويصف روجرز الشرط الضروري أو متغيرة المعالج ((الانسجام)) في العلاقة بين المعالج   و المتعالج كالتالي:

((إني أفترض أن نمو الشخصية يُحَثُ بالدرجة الأولى عندما يكون المعالج ما هو عليه فعلاً، عندما يكون منسجماً في علاقته بالمتعالج بدون وضع حدود أو واجهات، عندما يتمكن من تقبل  المشاعر والمواقف التي تسيطر عليه في اللحظة الراهنة. لقد استخدمنا مصطلح  

  ((الانسجام)) لوصف هذا الشرط. ونقصد به أن يتحكم بالمشاعر التي تسيطر عليه وأن يتمكن من جعلها شعورية وأن يكون قادراً على أن يعيشها حتى في العلاقة وأن يشارك المتعالج بها عندما تظهر. وهذا يعني أنه يستطيع شخصياً مواجهة encounter متعالجه مباشرةً، بحيث ينسجم إنسان كامل مع إنسان آخر. وهذا يعني أنه هو نفسه هو، لا ينكر ذاته.

وليس هناك من يحقق هذه الحالة كاملة إلاّ  أنه كلما تمكن المعالج من تقبل ما يدركه عندما يصغي وكلما تمكن من عيش مشاعره في تركيبتها كاملة بدون قلق، كان مقدار ((الانسجام)) أكبر))

(روجرز 1962 مقتبس عن تاوش صفحة 126 ترجمة المؤلف).

ويحمل هذا الوصف لسمة الانسجام في ذاته مثل الوصوفات ومحاولات التعريف الأخرى الخطر الذي تحمله سمة ((التقدير غير المشروط)). ويكمن الخطر في أنه يمكن لمثل هذه التعاريف أن تقود إلى سوء الفهم، إلى اعتبار أن ((الانسجام)) متغيرة مُـدخِلة فقط Input variable، أي كشرط يستخدمه المعالج في المعالجة وبعد ذلك تؤثر هذه المتغيرة على المتعالج بشكل من الأشكال وفق مبادئ التعلم وفق النموذج مثلاً. وكلما كانت أكثر فاعلية كانت أكثر رسوخاً. ويربط كثير من المعالجين النفسيين بالمحادثة سوء الفهم هذا لانسجام المتعالج مع مصطلح ((الأصالة Echtheit = genuineness)) ويفهمون الانسجام على أنه إمكانية المعالج للتعبير عن المشاعر تجاه المتعالج التي يفترض المعالج أنها ملائمة للمتعالج بدون التضرر من المشاعر التي لا تتناسب مع المهمة العلاجية على الإطلاق بمعنى السعي نحو التقدير غير المشروط مثلاً.

وحول هذا نريد الإشارة بشكل خاص أنه على الرغم من أن الانسجام يحدد شرطاً للسيرورة العلاجية، الواجب على المعالج أن يحضره معه بغض النظر عن المتعالج، إلاَ أنه لابد لهذا الشرط أن يكون مصمماً بشكل خاص، تماماً مثل ((التعاطف)) و ((تقدير الذات غير المشروط)) باعتباره جزءاً أساسياً للسيرورة العلاجية.

فلنتطرق أولاً إلى المظهر الأول من مظاهر الانسجام:

يقتضي الأمر على ما يبدو أن يكون المعالج قليل ((العصابية)) قدر الإمكان، لأنه إذا  قلبنا وصف انسجام المعالج إلى عكسه، أي إذا  أوردنا القطب السلبي المقابل لكل السمات المذكورة للمعالج المنسجم، فسوف نحصل على وصف مثل الذي استخدمه روجرز في وصف حالة متعالج ما.       

والمراعاة الشديدة لتضيق عصابي مسبق (أي وجود درجة منخفضة جداً من سمة العصابية

   \ المترجم\) عند المعالج مبررة من كل الوجوه وضرورية. ونحن نعتقد كذلك أنه من الملائم لكل معالج نفسي أن يكون شخصاً منسجماً قدر الإمكان أي أن يكون   ((ضليعاً بسيل المشاعر المتبدلة باستمرار في شخصه، هذا السيل الذي يتصف بالتعقيد والتحول المستمر)) (روجرز مقتبس عن تاوش، 1973 ترجمة المؤلف).

ومن المؤكد أن مقداراً معيناً من إمكانات الخبرة المنسجمة هو شرط أولي يجب أن ينطبق على كل معالج وعلى غالبيتهم مهما كان الاتجاه العلاجي، ويعرف المحللون النفسيون منذ زمن بعيد التحليل التعليمي، أما لدى المعالجين النفسيين بالمحادثة فقد أُدخل الإشراف الذاتي ((المستمر))  Supervision  للعمل العلاجي وكذلك ولأسباب وجيهة أدخل مؤخراً ما يسمى بالخبرات الذاتية الاختيارية في المجموعات. وكل هذه الدلائل تشير إلى مدى عمومية مطلب المعالج المنسجم.

ولكن إذا  طولب ((بالانسجام)) كسمة دائمة للمعالج، بغض النظر عن متعالج معين وبمقدار كبير قدر الإمكان، فإنه سوف يقتصر تصور الفاعلية العلاجية للانسجام على فرضية أثر النموذج  model effect بالنسبة للمتعالج أو على تصور التخفيف عن المتعالج الذي يتألف من أن يعرف

 ((شريك المحادثة موقف المساعِد منه)) (تاوش، 1976 صفحة 96)).

وهذا يعني أنه يفهم من الانسجام ذلك المطلب من المعالج لنفسه المتمثل في ألاّ يكون عصابياً الأمر الذي يتمكن من التعبير عنه من خلال تمكنه من القول للمتعالج (وأن يفعل كذلك !) ما يعتقده عنه أو ما يشعر به تجاه تعبير من تعابير المتعالج. ويبدو لنا بالمقابل أنه لم تتم إلى مدى بعيد مراعاة ذلك المظهر من الانسجام المكون من أن المعالج يفهم مطلب الانسجام باعتباره مطلباً من ذاته في السيرورة العلاجية المحددة. ولا يمكن تصور هذا الانسجام في السيرورة العلاجية بدون التحرر الواسع للمعالج من التضيق العصابي.

فالانسجام في الموقف العلاجي يعني المقدرة على أن يكون مدركاً كل المشاعر التي يثيرها المعالج في المتعالج بدون أن يصبح مقيداً من خلال هذه المشاعر في تنمية المتعالج في سيرورة التعاطف مع ذاته. وهذا يعني أن المعالج المنسجم يجب ألاّ يشغل متعالجه بما يظنه عنه فعلاً، وإنما يعني أنه يستطيع جعل كل ردود فعله الانفعالية على المتعالج شعورية في كل وقت ويستخدمها من أجل فهم المتعالج بمفعول أن يتمكن المتعالج من مواصلة الشعور بمشاعره الذاتية ومناقشة معناها. وهذا المظهر سنعرضه بالأمثلة في الفصل الرابع.

وحسب التعريف فإنه لا الانسجام أو عدمه حالتان سهلتا الإدراك والتعبير المباشر ومع كل ذلك يجب أن يسعى المعالج باستمرار إلى مقدار عال من الانسجام. ويبدو أن هذا المطلب يمكن أن يقارن مع مطلب الأم من طفلها ((كن حباباً أو لطيفاً)) بدون أن يتمكن الطفل من رؤية أو الشعور بما يعنيه ((أن يكون حباباً)). وكمدخل إلى موضوعنا التالي نخمن أن الطفل يقترب من هذه المهمة التي تبدو غير قابلة للتذليل، أي ((أن يكون حباباً)) من خلال مراقبته الدقيقة متى يشعر بالسعادة، أي متى تلاقيه أمه بشكل جيد. أي أن الطفل يتعلم قراءة رضا الأم عليه من إحساسه الذاتي بالراحة.

وبطريقة مباشرة سوف يتمكن المعالج من التعرف من خلال ردود فعله الانفعالية الخاصة - وهذا بالنسبة للمعالج مقدار تقديره غير المشروط - فيما إذا كان منسجماً أم لا في اتصاله بالمتعالج. يستطيع المعالج الإحساس بدقة فيما إذا كانت قد دبت اللامبالاة أو التعب في مساعيه للتقدير غير المشروط تجاه متعالجه وبهذا يمكن وصف الانسجام على أنه مسعى المعالج في العلاقة العلاجية إلى التحكم غير المشوه بالمشاعر التي تسيطر عليه في الاتصال الراهن فعلاً بغض النظر عن مهمته العلاجية. وعادة ما تنشأ المشاعر التي يجب أن تدفع المعالج إلى اختبار انسجامه في العلاقة نفسها أو بدقة أكثر: في الاتصال المباشر مع المتعالج. فالمعالج يمكن مثلاً أن يشعر بالملل عندما يكرر المتعالج الحديث بإسهاب انفعالي حول خبرة ما، يعرف المعالج محتواها. ويمكن للمعالج أن يصبح غير صبور أو يشعر بالغضب أو التعصيب إذا  دار المتعالج ((في دائرة)) …الخ. إذا هي مشاعر مرتبطة بالموقف، تلك التي تقود المعالج إلى خطر أن يتحول إلى معالج غير منسجم، أي إلى كبت هذه المشاعر لصالح محاولة البقاء في حالة تقدير غير مشروط. إلاّ  أنه يمكن أيضاً أن تنمو في العلاقة مشاعر دائمة تسهم في تقرير الاتصالات اللاحقة كالنفور أو الاهتمام المترافق برغبات جنسية متزايدة الشدة تجاه المتعالج. وكل هذه المشاعر العابرة أو الدائمة تسهل أن يصبح المعالج غير منسجم أي أن يكون مُقَدِراً على الرغم من شعوره بالملل أو أن يكون متعاطفاً على الرغم من أنه مشغول بهواماته fantasy  الجنسية حول المتعالج.

فمساعي المعالج من أجل الانسجام تفيد إذا بصورة مباشرة من التمكن من إبداء التقدير غير المشروط والتجاوب معه عاطفياً.

لقد أصبح من الواضح أن عدم الانسجام كجزء من السيرورة العلاجية ليس حالة ساكنة وإنما هو عبارة عن سيرورة نشيطة في المعالج موجهة من المشاعر. أن ظهور عدم الانسجامIncongruence  يمكن وصفه على أنه حادث يتجه فيه الدفاع ضد مشاعر غير مرغوبة. بالإضافة إلى ذلك يتضح هنا ارتباط وظيفي آخر، ألا وهو الارتباط بين الانسجام والتعاطف. فالمعالج الذي ينشغل كثيراً بعدم إرادته لإدراك المشاعر غير المرغوبة أي الذي ينشغل بصدها، فإنه لن يمتلك إلاّ  إمكانية محدودة جداً في التلقي الرحب والكامل للخبرات التي يقدمها المتعالج له والتي تشكل أحد أهم الشروط للتفهم المتعاطف.

فلنتذكر في هذا المقام مبدئياً باختصار:

يؤثر انسجام المعالج على تقديره غير المشروط وعلى تعاطفه. يمكن للمعالج بل ويجب عليه أن يختبر من خلال مراقبة تطور تقديره غير المشروط أو فيما إذا كان يدرك لديه أي شكل من ميول الدفاع أو فيما إذا كان لا يلتقط مثلاً محتويات محددة للمتعالج لا يفهمها  أو لا يستطيع التخلص من مشاعر ذاتية محددة. ويمكن أن يحدث هذا الاختبار في المحادثة مع المتعالج عن طريق التعاطف الذاتي. وهذا لا يعني أنه يجب على المعالج الانشغال بِـضَـبط قَـلِـقٍ للذات. فإذا  كان كذلك أي إذا انشغل بشكل غالب مع مشاعره فإنه سيكون عندئذٍ في الموقف الذي يكف فيه المتعالج. ويتطلب هذا الموقف المتطرف تفسيراً عميقاً لا يمكن تحقيقه حسب الخبرة إلاّ  في الإشراف الذاتي supervision فقط.

عادة هناك دلائل بسيطة، ولكنها غالباً أكيدة إلى أنه على المعالج أن يقوم باختبار انسجامه. وغالباً ما يكتشف عنده ردود أفعال محددة لا تكون منسجمة مع التقدير العلاجي للمتعالج، كأن يشعر بالنعاس في الجلسات العلاجية على الرغم من أنه قد نام في الواقع فترة كافية وطويلة، أو عندما ينشرح صدره بشكل ملفت للنظر عندما يغادر المتعالج الغرفة أو عندما يؤجل جلسة ما. فضلاً عن ذلك يمكن للمعالج الاطمئنان للمتعالج - وذلك بمعنى الفرضيات الأساسية المطابقة للمعالجة النفسية بالمحادثة. وهذا يعطي المعالج في الواقع- بأشكال متنوعة - دلائل ينبغي أن تدفعه للبحث فيما إذا كان منسجماً في هذه العلاقة. على المعالج مثلاً أن يقلق عندما يكرر المتعالج دائماً الموضوع نفسه. ويمكن أن يكون أحد الأسباب الممكنة الكامنة خلف هذا السلوك للمتعالج أن المعالج قد أخمد مظاهر محددة في الإفصاح للمتعالج. أحياناً يخبر المتعالجون معالجيهم مباشرة بأنهم يشعرون أنهم غير مفهومين في نقطة ما. إلاّ  أن ذلك غالباً ما يحدث عندما تقوم علاقة علاجية مثمرة ومتقدمة. وغالباً ما تكون التلميحات التي يطلقها المتعالج غير مباشرة وغير قابلة للملاحظة إلاّ من خلال السلوك، كتعكر المزاج المفاجئ و غلبة تغيير الموضوع (" القفز ") والتناقضات بين للغة وسلوك التعبير. كل هذه الإشارات يمكن أن تكون أسبابها في عدم انسجام المعالج

 

 

لقد عالجنا حتى الآن الوجوه المختلفة لانسجام المعالجين والكيفية التي يمكن أن ينشأ فيها الانسجام الناقص والكيفية التي يمكن التعرف فيها على هذا النقص. إن السعي للانسجام وللتغلب على عدم الانسجام يخدم بالدرجة الأولى هدف تمهيد الطريق أمام التقدير غير المشروط للمتعالج من المعالج، ذلك أن التقدير لا يصبح ذو فاعلية علاجية إلاّ  عندما يكون التعبير اللفظي وغير اللفظي منسجماً مع ما يفكر فيه المعالج ويشعر به ((بالفعل)) بالعلاقة العلاجية مباشرة.

لقد تمركز محور تفكيرنا حول التأثير المتبادل للانسجام مع ((التقدير غير المشروط))، وقد اعتبرنا مقدار التقدير غير المشروط دليل لمقدار الانسجام وفهمنا الانسجام شرط لنمو التقدير غير المشروط. غير أن للانسجام كذلك علاقة واسعة بالتعاطف، أي له وظيفة داخل السيرورة العلاجية التي تطرقنا لها والتي سنوضحها فيما يلي.

وسنبدأ هذا العرض بمناقشة ممارسة علاجية منتشرة بصورة واسعة. إن الكثير من المعالجين النفسيين بالمحادثة يفهمون مطلب الانسجام باعتباره مطلباً للانتقال كمعالج بأكبر سرعة ممكنة إلى حالة الانسجام إذا  اكتشف المعالج علامات اللاانسجام عنده. وهذا يقود إلى أنه بمجرد أن يشعر المعالجون بالتعصيب من متعالجيهم يسارعون إلى مصارحتهم بلطف ولكن بحزم - وبالتالي إلى منع ذلك من الحدوث. مثال ((يقول المعالج: عندما أنصت إلى داخلي أرى أني غاضب بشكل ما. أعتقد أن مصدر ذلك هو أننا لا نتقدم بصورة ما وأننا ما زلنا في الموقع نفسه، همم، وأسأل نفسي فيما إذا كنت لا تشعر بشيء مشابه ؟!))

ويفسر المعالجون النفسيون بالمحادثة هذا الرأي بأنه ضروري لإبداء انسجامهم، من خلال عدم حجب غضبهم الذاتي عن متعالجيهم.

وما يزيد الطين بلة تفسيرهم لذلك على أنه عمل نموذجي لأنهم يتطرقون لشعور مباشر ينبغي للمتعالج تعلمه.

أو أنه يتم التعبير عن مثل تلك الآراء العلاجية من خلال إشارات مماثلة لسلوك المتعالج المتناقض باعتبارها ((مواجهة ضرورية)). ويحلو تفسير مثل تلك المواجهات من خلال وجود مواقف يجب أن تحتل فيها ((أصالة Echtheit = genuineness)) المعالج الأولوية تجاه التقدير غير المشروط، وكأنه يوجد سلوك منسجم للمعالج لا يتوافق مع التقدير غير المشروط. ومثل هذا النوع من التفكير والتصرف من المعالجين هو عادة تصرف ليس له علاقة بالمعالجة، بل أنه يقلب المعالجة رأساً على عقب، حيث يأمل المعالج من خلال مثل هذا النوع من  ((السبر الذاتي)) التخلص من الشعور المزعج وغير المرغوب و فوق ذلك يأمل من المعالج الدعم هنا بمعنى: أتشاركني غضبي[4] هذا ؟!.

إن التعامل المقبول علاجياً مع مثل هذه المواقف ينبع من اعتبار موقف المعالجة على أنه حدث تفاعلي. على المعالج أن يتصور أن مشاعره التي يدركها في ذاته على أنها غير مرغوبة، لأنه يريد أن يكون مؤثراً علاجياً، نابعة من علاقته بالمتعالج. فمهمته الأولى تتمثل إذا في فهم مشاعره انطلاقاً من علاقته الملموسة مع المتعالج ومن أجل الحصول من خلال ذلك على مدخل إلى النقص في التقدير غير المشروط لديه. إن هذا المدخل لن  يكون متيسراً له إلاّ  عندما يستوضح في الوقت نفسه عن الشيء الموجود في تعابير المتعالج الذي جعله يستجيب بتقدير ناقص، أي عندما يفهم  المتعالج أكثر. وهذا التفهم الموسع للمتعالج هو توسيع لتعاطف المتعالج. وعندئذ لا يمكن أن يكون التعبير اللفظي للمعالج تعبير عن الانفعال المزعج وإنما يصبح التعبير عن الشعور، عن الحالة الانفعالية التي تسيطر على المتعالج في هذه اللحظة والتي يستجيب لها المعالج بمشاعر الغضب والملل ….الخ.

وفي مثالنا يمكن أن يكون المتعالج في موقف انفعالي على نحو:

  n  أشعر أن المعالج لا يفهمني؛ أفتقد إلى شيء ما، ربما لم أعبر عن نفسي بشكل واضح.

  n  أريد أن اكتشف فيما إذا كان المعالج راضياً علي حتى عندما أزعجه

  n  أشعر بأني ممل؛ اعتقد أن المعالج يخدعني عندما يستمع إلى كل شيء بصبر ويبدو منصتاً اهتمام، إن ذلك يجعلني غاضباً

 n أرى أني لجوج وسريع الغضب، كما كانت أمي دائماً تقول، علي أن أدفع المعالج في هذا الاتجاه من أجل أن يتذمر مني كذلك، عندئذ لن أكون بمفردي في شعوري هذا.

 

إن التعابير التعاطفية للمعالج التي يستجيب فيها إلى مثل هذه المشاعر للمتعالج ليست سهلة، لأن مثل تلك المشاعر تنشأ من العلاقة وتمس نوع العلاقة.

كما وأن المعالج معرض لخطر التجاوب بقليل من التقدير، كالتجاوب بعتاب مع تعابير المريض مثلاً لأنها لا تثير لديه الشعور الذي يقف في وجه مشروع العلاقة الذي يطمح إليه فحسب وإنما لأنها يمكن أن تحتوي على نقد كامن له كمعالج نفسي.

وعندما يتمكن المعالج من التعامل بشكل مُقَدِر مع مثل هذه ((المهاجمات)) من قبل المتعالج، أي عندما يتمكن من فهم المتعالج ومن فهم نفسه في ردود فعله عليه ((يختفي)) الانفعال الأساسي وفي الحقيقة يعيش المعالج في مثل هذا الموقف الخبرات نفسها التي يعيشها المتعالج: إن فهم شعور لم يكن مفهوماً قبل ذلك يجعل هذا الشعور أكثر قابلية لأن يكون مقبولاً وبالتالي أكثر قابلية للاستخدام. المشاعر غير المفهومة هي الصعبة فقط. وينطبق هذا على المعالجين و المتعالجين بالمقدار نفسه. فإذا  فهم المعالج غضبه على المتعالج في مثالنا فلن يكون مضطراً إلى تحمل هذا الغضب أو نقله من خلال الإفصاح عنه أو من خلال أية ((عقوبة)) أخرى وإنما يستطيع استخدام هذا الفهم لفهم المتعالج بشكل أفضل.

وبهذا نكون قد وصفنا أهمية الانسجام للسيرورة التعاطفية:فمن خلال تراجع التقدير غير المشروط يستطيع المعالج إدراك وجود نقص في الانسجام لديه ويستطيع من خلال إيضاح مشاعره الذاتية في ردة فعل مباشرة على تعابير محددة للمتعالج أن يجد المدخل لمشاعر المتعالج التي بقيت خافية عليه في الإدراك الغامضunreflectize.

فلنلخص هذا العرض: الانسجام حسب روجرز هو الشرط الضروري الثالث إلى جانب التعاطف والتقدير غير المشروط من جهة المعالج من أجل إقامة علاقة مُساعِدة  علاجياً، إن عدم انسجام المعالج يعني حشد ميول الدفاع ضد المشاعر المرغوبة. إن تحليل عدم الانسجام يمكن أن يقود إلى وظيفة مزدوجة في سيرورة العلاج. ويتضح عدم الانسجام من خلال تبدل التقدير والتعاطف في الاتجاه غير المرغوب، وتقدم معالجة اللاانسجام للمعالج إمكانية فهم المتعالج بشكل أفضل وإزالة عدم الانسجام الذاتي ونقص التقدير.

ويشكل الانسجام هدفاً علاجياً يتمثل في أنه إذا استطاع المعالج لفترة طويلة أن يكون منسجماً بدرجة عالية في اتصاله مع المتعالج فهذا يعني أيضاً أنه يستطيع لفترة طويلة أن يكون مع المتعالج متعاطفاً ومُقَدِراً بدون شروط، وهذا يعني أن هدف المعالجة قد تحقق من خلال ذلك.

إن كل ما عرضناه حول إمكانية المعالج بالسعي ضمن السيرورة العلاجية المحددة للانسجام تستثني الإمكانية التي ذكرناها باختصار وهي أنه ألاّ يكون  بإمكان المعالج من خلال عصابه الخاص بمفرده اكتساب الوضوح في السيرورة العلاجية  من خلال تحليل الموقف الملموس بالمتعالج حول مشاعره الذاتية كشرط لاكتساب الوضوح حول المشاعر التي تسيطر على المتعالج.

 

خلاصــــــة

يبدو لنا أنه من المهم الاستنتاج أن عرضنا يدور في إطار الشروط التي صاغها روجرز في عام 1957 من أجل معالجة نفسية ناجحة ونؤكد على العلاقات الوظيفية لهذه الشروط مع بعضها بعضاً والتي نعتبر فيها المعالجة النفسية بالمحادثة حدثاً تفاعلياً ومشروعاً لعلاقة يعرضها المعالج على متعالجه: المعالج النفسي يبحث عن إنشاء علاقة بالمتعالج يمكن فيها أن يكون متعاطفاً ومقدرً ومنسجماً بدرجة عالية. وتعتبر المعالجة منتهية بمجرد انه يمكن المحافظة على هذه العلاقة لفترة زمنية طويلة، إذ أن هذا يعني في الوقت نفسه أن المتعالج يستطيع مواصلة العلاقة كما يقدمها له المعالج مع نفسه. فالمتعالج يكون عندئذ  قد تخلى عن حال عدم الانسجام: إنه يمتلك المدخل إلى المشاعر المسيطرة عليه ولمغزى هذه المشاعر

(تعاطف ذاتي). إنه يقبل ذاته ويحترم نفسه كشخص له قيمة (تقدير ذاتي) ويستطيع أن يوافق بين خبراته وذاته (انسجام ذاتي)، وبهذا يمكن النظر للسيرورة العلاجية النفسية بالمحادثة على أنها حادث يُعاد فيه المتعالج من العلاقة التي يملكها مع نفسه والتي يعيشها هو نفسه أو الآخرين أو كليهما معاً بصورة عاجزة وغير مرضية وقاسية rigid……الخ. إلى علاقة أخرى مشابهة للعلاقة المعروضة عليه من المعالج النفسي. ومن خلال هذا الوصف للمعالجة النفسية بالمحادثة نكون قد أجبنا عن السؤال حول الأهداف التي يملكها معالج نفسي لمتعالجه.

يحاول المعالج تحقيق تعديل المتعالج في هذا الاتجاه من خلال سعيه إلى ((تحقيق)) المتغيرات الأساسية العلاجية الثلاث المتمثلة في التعاطف والتقدير غير المشروط والانسجام، من خلال الاتصال مع المتعالج. ويُهدف في السيرورة العلاجية إلى إيضاح مسألة ما الذي يعيق المتعالج من إقامة علاقة مع ذاته من النوع التي يعرضها عليه المعالج النفسي، أي أن يكون في وضع التقدير غير المشروط والمنسجم والمتعاطف ذاتياً.

إن تعاطف المعالج يمكن فقط أن يصبح فعالاً أي أن ينمي التعاطف الذاتي للمتعالج عندما يكون مخصَبا بمقدار معين من التقدير غير المشروط والانسجام.

وليس التقدير والانسجام في العلاقة العلاجية عبارة عن نوعية إنسانية وإنما هي متغيرات علاجية ذات وظائف محددة. والتقدير والانسجام هما شرطان من أجل فاعلية التعاطف، والتعاطف والانسجام بدورهما يؤثران على إمكانات المعالج بأن يكون مُـقَدِراً.

إن تحليلنا لوظائف ولطريقة تأثير المتغيرات العلاجية الثلاث الأساس توضح أن متغيرات المعالجة، التعاطف والتقدير غير المشروط والانسجام ليس لها تأثير مباشر آخر غير التعديل الموصوف لعلاقة المتعالج مع ذاته. أمّا الأهداف العلاجية الأخرى الممكنة، كتخفيض الأعراض فهي غالباً ما تشكل محتوى توقعات المتعالج حول تأثير المعالجة ويغلب أن تكون موضوعاً لقياسات نجاح العلاج في الدراسات التجريبية وموضوعاً لنجاح المعالجة النفسية بالمحادثة. وسوف نتعرض لاحقاً لأهمية هذا التناقض والتعامل العلاجي معه. ويمكن تحديد وعد المعالج النفسي بالمحادثة لمتعالجه من خلال مقولة:

 

أساعدك في سعيك لمساعدة نفسك عدا عن ذلك لا أعدك بشيء

 

نهاية الفصل الأول



[1]الفلسفة الوضعية، فلسفة أوغست كونت التي تعنى بالوقائع والظواهر اليقينية فحسب مهملة كل تفكير تجريدي في الأسباب المطلقة.

[2] تكثر ((الروجزة)) و ((التوشنة)) أو حتى ((المنسلة)) في كل المواقف العلاجية الممكنة التي ليس لها أية علاقة بالمواقف العلاجية وينبغي أيضاً ألاّ يكون لها علاقة أصلاً. (الروجزة: نسبة إلى روجرز، والتوشنة: نسبة إلى تاوش والمنسلة: نسبة إلى مينسيل).

[3] وهنا أيضاً نجد في المراجع الألمانية تسميات أخرى مثل ((التقبل غير المحدود)). مينزل 1974.

[4] يمكن أن تقود مثل هذه التعابير في سياق موقف المعالجة ككل إلى تفاعل يشبه الارتباط المزدوج (فاتسلافيك، بيافين وياكسون، 1969)

1

الفصل الأول

عرض العلاقة من قبل المعالج النفسي بالمحادثة على المتعالج

(مشروع لعلاقة المعالج النفسي بالمحادثة)

 

1. الشروط الضرورية والكافية للسيرورة العلاجية النفسية

كان

 كارل روجرز قد وصف في عام 1957 ((الشروط الضرورية والكافية لتعديل الشخصية من خلال المعالجة النفسية)) وحاول في هذا الموضوع اشتقاق مبادئ محادثة علاجية نفسية متخصصة من الخبرات التي جمعها في سنوات التعامل العلاجي النفسي مع الناس الذين كانوا يحتاجون للمساعدة العلاجية النفسية. وانصب اهتمامه هنا على تحديد الشروط النفسية التي يمكن تحديدها وقياسها بوضوح والتي تحتوي على الشروط الضرورية والكافية للتعديل البنّاء للشخصية من خلال المعالجة النفسية. ويقصد بالتعديل البناء للشخصية ما يفهمه بصورة مشتركة العياديون وكما عبر روجرز عن ذلك التكامل الأفضل والصراعات الداخلية الأقل وتحرير القوى من أجل استخدامها في بناء حياة مقبولة وناجحة وتعديل السلوك باتجاه أنماط من السلوك تعتبر عموماً أكثر نجاحاً.

وقد حدد روجرز ستة شروط ينبغي توافرها وأن تكون مستقرة لفترة زمنية معيّنة، إذا كان لابد من التعديل البّناء للشخصية في معالجة نفسية. وتتمثل هذه الشروط في:

1- يقيم شخصان اتصالاً نفسياً، أي يقيمان علاقة مع بعضهما بعضا: إنهما يعنيان شيئا لبعضهما ويستجيبان لبعضهما ويهتمان ببعضهما.

<< Each makes some perceived difference in the experiential field of the other>> Rogers, 1957: 96

وهذا ((الاهتمام بالآخر)) ليس بالضرورة أن يكون شعوريا أو ليس شرطا أن يدرك أحدهما الأهمية التي يمكن أن يملكها للآخر إلاّ أن العلاقة يجب أن تكون موجودة.

2-أحدهما متعالج غير متوافق مع نفسه، مجروح وقلق، مشغول بخبرة أو إحساس ما، غير متوافق مع مفهوم ذاته.  ويفترض روجرز أن كل إنسان يملك تصوراً عن الخبرات الذاتية وخبرات المحيط التي تناسبه أو التي لا تلائمه ؛ إنه يشير إلى حالة يحدث فيها شيء ما للإنسان يراه غير متوافق مع صورته الذاتية، أي يشير إلى حالة من التنافر. وعندما يكون المتعالج غير مدرك لهذا التنافر أو عدم التوافق مع ذاته فإنه يكون معرضاً للإصابة، أما عندما يشعر بهذا التنافر أو عدم التوافق فإنه يكون  في حالة من التوتر المعروف على أنه قلق.

3-الشخص الآخر هو المعالج المنسجم والمتكامل مع نفسه فيما يتعلق بالعلاقة مع المتعالج، وهذا يعني أن عليه أن يكون منسجماً في  هذه العلاقة، أن يكون هو نفسه، وخبرته الواقعية يجب أن تكون منسجمة مع ما يستطيع توقعه وإدراكه من خبرته طبقا لمفهومه عن ذاته ؛ أي عليه أن يستطيع السماح لنفسه بجعل خبرته الكلية شعورية في العلاقة بالمتعالج …، أما العكس فيمكن أن يكون  ((واجهة face)) شعورية أو لا شعورية. والانسجام يجب ألاّ يقدم للمتعالج باستمرار، عليه أن يكون موجوداً ولكن ليس  دائما أو بشكل زائد عن الحد، بل يجب أن يكون قابلاً لأن ينشأ في لحظة التواصل المباشر مع المتعالج، وخصوصا عندما يمتلك  المعالج مشاعر لا يستطيع الافتراض عنها بأنها ملائمة للمتعالج ولنموه. على المعالج أن يتمكن  من امتلاك هذه المشاعر أيضاً، إلاّ  أنه لا يجوز له أن يكون مجبرا على إبقائها بعيداً عن شعوره، الأمر الذي لا يعني أيضاً أنه عليه أن يخبرها للمتعالج في كل الأحوال.

4-يعيش المعالج ذاته كشخص مهتم بالمتعالج بدون شروط

 unconditional positive regard for the client>> Rogers, 1957:96 << the therapist experiences

. ويتحقق هذا الشرط عندما يستنتج المعالج أنه يستطيع تقبل كل خبرات المتعالج لأنها جزء من  هذا الإنسان بحيث أنه لا يستطيع التفكير على نحو: ((أنا أقبلك فقط عندما تكون على هذه الصورة  وليس شيئا آخر)). أما العكس فيمكن أن يكون ((في هذه النقطة أجدك جيداً وفي تلك لا أجدك كذلك، أنك تحسن صنعاً بأن تكون على الشكل الذي أجدك فيه طيباً)). وهذا الاستعداد للتقبل غير المشروط يجب ألاّ يكون نابعاً من حاجة لدى المعالج، أي أن التقبل يجب ألاّ يأتي من أن المعالج يحب متعالجه بالفعل. ويحدد روجرز بوضوح أن شرط ((الاهتمام الإيجابي غير المشروط unconditional positive regard)) يمكن اعتباره محققا فقط عندما يظهر الأثر الذي يجب أن  يحققه هذا الشرط، ألا وهو بأن يشعر المتعالج من خلال الموقف الذي يمثله المعالج تجاهه بأنه مُشَجَع على التفكير بذاته بعمق والاهتمام بخبراته الذاتية ((وليس الاهتمام بعلاقة جيدة)) مع المعالج)) وهذا يعني أنه يمكن اعتبار أن الشرط قد تحقق، عندما يكون المتعالج قادراً كشخص مستقل ومنفصل عن المتعالج بوضوح على تقصي وجود مشاعره الذاتية مهما كان الاتجاه دون أن ينظر إلى أنه معرض لخطر فقدان اهتمام المعالج غير المشروط. ويؤكد روجرز بوضوح بأن هذا التقبل غير المشروط للمتعالج مهما فعل هو هدف طبعاً، يُطمح إليه دائماً، إلاّ أنه غير قابل للتحقق إلاّ من الناحية النظرية فقط  <<would never exist in theory>> Rogers, 1957:98

5- يخـبر المعالج عن طريق التعاطف Empathy  المرجعية الداخلية  للمتعالج ويسعى

إلى إيصال الخبرات التي  جمعها للمتعالج من خلال هذا الطريق.

6- يجب أن يصل للمتعالج - على الأقل بين الحين والآخر - ما استطاع المعالج فهمه وما يمكن أن يقبله بدون شرط. إن تعاطف المعالج يجب أن يقود إلى الفهم الدقيق لما يدركه المتعالج من خبراته الخاصة إلى درجة وكأن الأمر يتعلق بخبرات المعالج الذاتية.  ويجب أن يكون التعاطف مترافقاً بالشعور بأن هذه الخبرات هي ليست خبرات المعالج الذاتية وإنما هي خبرات شخص آخر.  فإذا  فقد هذا الشعور عندئذ تصبح مشاعر المتعالج نفسها مشاعر المعالج الخاصة.

 

ويرى روجرز أنه بالذات عندما يتعلق الأمر بمشاعر مبلبلة عند المتعالج يجب أن يسهم تعاطف المعالج في التفسير وأن المشاركة في خبرة المشاعر ليست هي المقصودة هنا، فتقاسم البلبلة ليست تعاطفاً.

وطبقا لهذه الاعتبارات يوضح المعالج النفسي بالمحادثة للمتعالج مشروع عرض العلاقة العلاجية قبل بدء المعالجة على النحو التالي تقريباً:

((أعرض عليك الحديث معي بحرية وبصراحة حول كل شيء يشغلك ويرهقك. بل أنت الذي تحدد عما ستتحدث عنه. سوف أسعى لمساعدتك من خلال أنني سوف أقول لك دائما ماذا فهمت مما تقوله. لن أعطيك نصائح وتوجيهات. لقد علمتنا خبرتنا أن الإنسان يصبح أكثر هدوءاً واستقرارا من خلال تلك المحادثات، حتى لو كان ذلك ليس مباشرة ودائماً، وأنه عادة كلما كانت المشكلات أوضح وأجلى كان العثور على إمكانات وطرق لحلها أسرع)).

ويتضح في فرضيات وشروحات كارل روجرز التأكيد على الطبيعة التفاعلية للمعالجة: فالمعالجة النفسية بالمحادثة هي معالجة تشترط على الأقل قيام علاقة بين المعالج و المتعالج ؛ ويصف الكيفية التي يجب أن تتطور العلاقة وفقها كي تكون فعّالة علاجياً: تتوفر العلاقة الفعّالة علاجياً عندما يتمكن المعالج من أن يكون متعاطفاً ومنسجماً مع متعالجه ومحترماً له في علاقته معه وعندما يتمكن المتعالج من إدراك وتقبل مشروع العلاقة أيضاً.

وقبل أن نصف شكل وشروط هذه العلاقة في المقطع اللاحق نود توسيع الفرضيات المذكورة من قبل روجرز ونريد التمييز بين العلاقة بالمعنى العام والعلاقة بالمعنى العلاجي أو مشروع العلاقة كما تقوم به المعالجة النفسية بالمحادثة:

نتحدث عن علاقة بالمعنى العام عندما يتوفر شكل من أشكال الاتصال؛ يستجيب فيه شخصان إلى بعضهما انفعالياً، ويسعى كل واحد منهما من خلال هذا الاتصال إلى حالات محددة من المشاعر، حيث يتعلق تحقيق هذا الهدف بمشاعر الآخر.

ونقصد بالعلاقة العلاجية رابطة عمل بين متعالج ومعالج، أي أن هدف المعالج هو إقامة علاقة علاجية فقط بالمعنى التحديدي. ولا يسعى المعالج في المعالجة (وقدر الإمكان في المعالجة فقط) إلى أي هدف انفعالي غير أن يكون متعاطفاً ومنسجماً ومتقبلاً، ليس بصورة مزمنة، وإنما في المواقف الملموسة مع المتعالج المحدد. وبالتالي فإن المعالج يستهدف وظيفة ما من خلال سعيه إلى إقامة حالة انفعالية ((للمعالج الطيب)) والحفاظ عليها. وفي السعي من أجل هذه الوظيفة يكون المعالج متعلقاً بالمتعالج بأكثر من وجه.

فمن خلال ما يقوله ويفعله المتعالج يثير ردود الأفعال التعاطفية و المنسجمة والمتقبِلة لدى المعالج إلاّ أنه في الوقت نفسه يثير كذلك عدم الفهم والرفض. بالإضافة إلى أن المتعالج هو الذي يحدد فيما إذا كانت تعابير المعالج قد فهمت على أنها تعاطفية ومنسجمة ومتقبِلة، عندما تكون بالفعل هكذا، أو أنها لم تفهم هكذا على الرغم من أنها كذلك.

وقبل كل شيء يتعلق الأمر بالمتعالج فيما إذا كان يتحمل ويتقبل مشروع العلاقة التعاطفية والمنسجمة والمتقبِلة. ومن جهته يستجيب المعالج إلى كل هذه التحديدات من المتعالج على أنها إغراءات للمعالج، تـصعِب عليه البقاء متعاطفاً ومنسجماً ومتقبِلاً بدون حدود. إن نجاح العلاقة العلاجية في السيرورة العلاجية ليس بالضرورة أن يكون هو المبدأ العلاجي بل ينبغي للمبدأ العلاجي أن يتمثل في السعي الدائم والفعّال للمعالج من أجل العلاقة العلاجية. إننا نفترض أنه عندما يكون بإمكان المعالج تحقيق الوظيفة العلاجية بدون أن تعترضها إغراءات فإنه يمكن اعتبارها قد اكتملت. وفي الواقع فإن المتعالج يستطيع جعل المعالج يقترب منه عندما يتمكن من إقامة العلاقة التي عرضها عليه المعالج مع نفسه أولاً. ومن هذه الزاوية تختلف العلاقة العلاجية عن العلاقة ((العادية)) أيضاً: فهي تنتهي في اللحظة التي تستطيع أن تكون فيها كما يجب لها أن تكون. فموضوع المعالجة هو من هذه الناحية ليس غير العمل في مسألة ما الذي يمنع المتعالج من إقامة مثل هذه العلاقة التي يعرضها المعالج عليه علاقة مع ذاته ؟.

وسوف نبرهن هذه الفرضية بصورة مفصلة لاحقا، أما في هذا المقام فنريد أن نبين أننا نعتبر المعالجة النفسية بالمحادثة خبرة علاقة تصحيحية. وإذا  تم التصحيح أي إذا تمكن المتعالج في الحالة المثالية إيجاد العلاقة مع ذاته كما يقدمها له المعالج عندئذ تكون العلاقة قد انتهت. 

 

 

2. تعريف مشروع العلاقة من خلال صياغة الشروط العلاجية

يتصف مشروع العلاقة الذي يقدمه المعالج النفسي بالمحادثة بثلاث سمات:

  n  التعاطف empathy

  n  التقدير غير المشروط

  n  الانسجام congruence

وغالباً ما تطلق في المراجع على سمات العلاقة هذه بين المعالج و المتعالج تسمية المتغيرات الأساسية، أو سمات المعالج؛ وهناك تسميات مختلفة لهذه السمات إلى حد ما.

 

التعاطف(التفهم) empathy

وتطلق على هذا المظهر من العلاقة العلاجية في المراجع المتحدثة بالألمانية مفاهيم مثل ((وصف محتويات الخبرة الانفعالية Verbalisierung emotionaler Erlebnisinhalte)) (تاوش 1937). أو ((ترجمة المشاعر أو التعبير عنهاReflexion of feeling)) (مينـزل و لانغر،1964) ((التفهم المتعاطف empathical understanding)). وقد عرَف روجرز التعاطف على النحو التالي: ((تتكون حالة التفهم أو التعاطف من الإدراك الدقيق للإطار المرجعي الداخلي للآخر بما في ذلك المركبات والمعاني الانفعالية التابعة لذلك، وكأن المرء هو الآخر ولكن بدون التخلي عن حالة (وكـأن). في هذا المعنى يعني ذلك الإحساس بألم أو بفرح الآخر، كما يشعر به هو، وإدراك أسبابه كما يدركه هو ولكن بدون أن ينسى المعالج: وكأنني أنا المجروح أو الفرحان…..الخ…. وعندما تضيع سمة (وكأن) يتحول الأمر إلى حالة التماهي)) ولا تعود حالة تعاطف.

وفي مقالة لاحقة يعطي روجرز تعريفا موسعاً للتعاطف. وقد حاول هنا بالاستناد إلى تصور الخبرةexperiencing-concept  لغيندلاين 1962 وصف الأساس الذي يقوم عليه التعاطف بصورة أكثر دقة، حيث يؤكد فيه على الطبيعة السيرورية للتعاطف، أي على وضع أن التعاطف هو سيرورة ديناميكية متبادلة: ((تمتلك إمكانية اللقاء  بشخص آخر، والمسماة بالمتعاطفة - المتفهمة عدة مظاهر. إنها تعني الدخول إلى عالم الإدراك الشخصي للآخر والاستقرار في هذا العالم. إنها تحتوي كل لحظة من التحسس لمعاني المشاعر المتبدلة التي تعصف في هذا الآخر، القلق، الغضب، الحنان أو البلبلة أو أية حالة من الخبرة التي يعيشها أو (تعيشها) في اللحظة الراهنة. إنها تعني العيش في حياته مؤقتاً والدخول فيها والتحرك بدون أحكام وإشباع معاني المشاعر التي قلما يشعر بها هو، ولكن عدم المحاولة هنا إزاحة الستار عن المشاعر التي هي بالنسبة له لاشعورية على الإطلاق، إذ أن ذلك سيكون مهدداً. يتضمن التعاطف مشاركة مشاعرك بعالم خبرته، لأنك تنظر بصورة غير منحازة وغير خائف للعناصر التي يقف الآخر تجاهها مرتعبا. وذلك يعني الاختبار المنتظم معه لدقة إدراكات حسك وأن تنساب مع الإجابات التي تحصل عليها. إنك رفيق حميم بالنسبة للآخر في عالمه الداخلي. وعندما تظهِر له  أهمية المشاعر في تيار خبرته فإنك بذلك تساعده على تمثل هذه العلاقة القيمة في الخبرة الداخلية وأن يخبر معاني المشاعر المرتبطة بالخبرة بصورة أفضل وأن يستمر في خبرته. أن تكون مع إنسان آخر بهذه الطريقة يعني أنك ترمي في هذه اللحظة طريقة رؤيتك ومعايير قيمك التي تتمسك بها أنت جانباً من أجل الدخول في عالم خبرة الآخر بدون أحكام مسبقة. وهذا يعني إلى حد ما أنك تتراجع أنت نفسك. وهذا ما يستطيعه فقط شخص مستقر كفاية لأنه يعرف بأنه لن يفقد نفسه في عالم خبرة الآخر الذي يمكن أن يبدو غريباً وشاذاً وأنه يستطيع آن يرجع إلى عالمه الذاتي متى أراد بدون صعوبات)).

ولا يتحدث روجرز هنا عن مجرد المشاعر وإنما عن عالم الإدراك الشخصي للمتعالج الذي تمتلك فيه المشاعر مغزىً ويمكن تقييمها والسماح لها كثيراً أو قليلاً - وكما نرغب أن نظيف كذلك - الذي يمكن إثارة المشاعر فيه أيضاً.

ويستند روجرز هنا بصورة أساسية إلى غيندلاين (Gendlin,1962) الذي عرض بينزه (1977)  وبومرت ودالهوف (1978) نظريته بشكل مفصل في اللغة الألمانية. ويرى بينزه أن غيندلاين يعتبر التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية بأنه إمكانية ترميز الخبرات الذاتية، أي تحقيق الذات Self-actualization. و يعني ترميز الخبرات الداخلية كل شكل يمكن الاستناد فيه إلى الخبرة الذاتية ويمكن أن تدرك فيه ويعبر عنها وتستعمل وبهذا أيضاً يمكن أن يتحدث بها. وينظر للفرد هنا بأنه يسعى بشكل نشط نحو سيرورة الترميز هذه وعلى المعالج أن يدعم هذا السعي النشط. ويؤكد غيندلاين أكثر من روجرز على أنه يجب فهم السلوك القاعدي العلاجي (التعاطف والانسجام والتقدير غير المشروط) بشكل مترابط، أي أن هذا السلوك القاعدي يجب أن يضع المتعالج في حالة يتمكن فيها من ترميز سيرورة المشاعر التي تعتمل في داخله بصورة أكثر. ويتصور غيندلاين ذلك عملياً على الصورة التالية:

هناك حوادث نفسية معينة قابلة للإدراك داخليا وقابلة للإحساس بها جسدياً أيضاً. هذا السيل من الإحساس والشعور يعتبره ((مادة)) الشخصية ويسميه الخبرة experiencing. ويستطيع الفرد التركيز على هذه المشاعر الداخلية في كل لحظة. وتطلق على هذه الإمكانية من الانعطاف المباشر إلى المشاعر الداخلية إمكانية ((الاتصال المباشر direct referent)).

ويطلق غيندلاين ((البوْئَرَة Focusing)) على العملية التي تحدث عندما ينعطف الفرد مباشرة 

((الاتصال المباشر)) إلى خبرته الداخلية. فإذا  تحقق في أثناء ذلك ترميز محتوى المعنى الذي تملكه الخبرة الداخلية، فإن السيرورة العضوية - كما يعبر غيندلاين - تكون قد خطت خطوة للأمام، أما روجرز فإنه كان ليقول أن تحقيق الذات قد حدث.

ويؤكد غيندلاين أن الاتصال المباشر أو الترميز الناتج يترافقان بهبوط التوتر المحسوس جسديا الذي يمهد للنمو unfolding أي يمهد بشكل أكثر كثافة لمواصلة الاهتمام بالخبرة الداخلية الذاتية. بالإضافة إلى ذلك يؤكد غيندلاين على أن ما يشغلنا ليس الانفعالات ((الصرفة)) التي تسعى إلى التواري عن إدراكاتنا أيضاً وإنما معانيها، أي ما تسببه لنا هذه الانفعالات وما تخبرنا به عن ذاتنا. ونحن عندما نتحدث فيما يلي عن المشاعر فإننا نقصد بذلك إدراكات المعنى تلك والتي تختلف عن ((المشاعر الصرفة Sheer emotions)) ويتضح من خلال هذا النموذج الأساس الذي ينبغي للتعاطف الاستناد إليه: ألا وهو معاني الخبرات الداخلية. فعندما يسمح المتعالج أن يشاركه المعالج بسيرورات ترميزه من خلال تعبيره عما يدور بداخله فإننا نتحدث عن أن المتعالج يستقصي أو يسبر ذاته explore وبهذا فهو يقدم جزءاً من أساسياً من المادة التي يستند إليها المعالج تعاطفياً. و ومنذ تاوش ومينزل وإيبيل و فيتكاو (1969) تطلق على إيصال هذا الاتجاه التعاطفي إلى المتعالج بصورة لفظية تسمية ((التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية verbalize of emotional experiencescontents)).

وتتوفر مقاييس لتحديد درجة السبر الذاتي والتعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية نعرض فيما يلي أحدها:

مقياس لتقييم سمة ((التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية- الشخصية)) مأخوذ عن تاوش وآخرين 1969

الرجاء تقييم حسب مقياس التقييم التالي المتدرج من 2 حتى 12 إلى أي مدى يعبر فيه المعالج عن خبرات المتعالج الانفعالية الشخصية (العاطفية الشخصية). أرجو منك ألاّ تتأثر في حكمك بالرفض أو الموافقة الناتجة عن المتعالج. صنِّف تعبير المعالج في المرتبة التي ترى أنها أكثر مطابقة للأقوال.

الدرجة (1):

الدرجة (2):

لا يعبر (يعلق) المعالج على محتويات الخبرة الشخصية الانفعالية للمتعالج ولا يتم التعبير عن أي موضوع من الموضوعات الخارجية التي يذكرها المتعالج. ويتكون التعليق من تحذير وتعليم. …

الدرجة (3):

الدرجة (4):

لا يعبر المعالج عن محتويات الخبرة الشخصية الانفعالية التي عبر عنها المتعالج، إلاّ أنه يتم التعبير عن موضوع خارجي ما قام المتعالج بذكره.

الدرجة(5):

الدرجة (6):

التعبير عن محتوى خبرة أو عدة محتويات جانبية عبر عنها المتعالج. ولا يعبر المعالج عن محتويات الخبرة التي يلقي عليها المتعالج أهمية مركزية. كأن يقتصر المعالج على التطرق فقط إلى محتوى يذكره المتعالج كمثال على المحتوى الرئيسي للخبرة.

الدرجة (7):

الدرجة (8):

يعبر المعالج عن جزء من محتويات الخبرة الشخصية الانفعالية التي عبر عنها المتعالج، غير أن محتويات أساسية أخرى مازالت ناقصة.

الدرجة (9):

الدرجة (10):

يعبر المعالج عن الجزء الأكبر من محتويات الخبرة الانفعالية الشخصية الأساسية التي عبر عنها المتعالج ؛ إلاّ أنه لم تراع بعد كلُ محتويات الخبرة الأساسية بعد.

الدرجة (11):

الدرجة (12):

يعبر المعالج بصورة دقيقة عن كل محتوى الخبرة الانفعالي الشخصي الأساسي الذي أفصح عنه المتعالج.

ويحتوي وصف الدرجات منفردة على توجيهين اثنين:

1- التعبير Verbalize  أي أنه يجب لمضمون ما يتحدث به المتعالج مع المعالج أن يكوَّن ((محتويات الخبرة الانفعالية)) الشخصية قدر الإمكان، أي مشاعر وتقويمات انفعالية للأحداث ورغبات واهتمامات وخبرات الشخص الذاتية وخبرة التأثير الذاتي للشخص على الآخرين (تاوش،1973 صفحة 800).

2- يجب أن يتم السعي إلى أن يتطرق المعالج إلى كل محتويات الخبرة الانفعالية الشخصية لخبرة المتعالج (الدرجة 12 من المقياس).

و بتأثير من الانطباع، أنه في تأهيل المعالجين النفسيين بالمحادثة غالباً ما يتم التمرن على 

  ((محتويات الخبرة الانفعالية الشخصية)) بشكل مختصر، بمعنى أنه على المتدرب المتمرن على إعادة ((" ترجمة "، " التعبير عن ")) المشاعر التي عبر عنها المتعالج، نرغب في التأكيد على أن تعليمات استخدام مقياس ((التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية)) يجب أن يحتوي على إرشادات واضحة تتضمن أنه يجب أن  يكون للتعبير عن تقييمات الخبرات الداخلية (من ضمنها التقييمات الانفعالية) الأولوية قبل التعبير عن الخبرات نفسها. وكما أظهرت سلسلة من الدراسات فإن المحكمين الذين يقيمون بشكل مستقل عن بعضهم بعضاً مقطع معالجة (يهتم المعالجون النفسيون بالمحادثة بتسجيل محتوى المحادثة العلاجية على شريط تسجيل) متفقون عادة حول الدرجة من المقياس التي يتم فيها تصنيف سلوك المعالج الواجب تقييمه. بل وأن مثل هذا التصنيف ممكن أيضاً حتى عندما لا تتوفر إلاّ  أقوال المعالج فقط، أي حتى عند غياب أقوال المتعالج التي يستند إليها التفهم المتعاطف الذي يسبق قول المعالج (Traux, 1966).

وقد قادت هذه النتيجة الأخيرة إلى الكثير من النقاشات والدراسات حول مسألة فيما إذا كان ما يقيسه المقياس هو بالفعل التعاطف أو التفهم المتعاطف.ويبدو أن فائدة القياس بوساطة مقياس  

  ((محتويات الخبرة الانفعالية)) متعلقة بصورة أساسية بمدى تمكُّن  المقوِّم من مفهوم التعاطف وبمدى حساسيته في إدراك التفاعلات البين إنسانية.

ونرى أنه بالرغم من هذه التقييدات إلاّ أنه يمكن الانطلاق من أنه على الرغم من أن ما نقيسه بمساعدة مقاييس التعاطف وبشكل خاص المقياس المستخدم في المحيط الناطق بالألمانية والمسمى مقياس ((التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية)) ليس هو التعاطف، إلاّ  أنه يشكل في الحقيقة كاشفاً مضموناً لوجود التعاطف.

بقي أن نلاحظ أنه يبدو أن التفهم المتعاطف يكون موجوداً عندما يستطيع المعالج الحديث مع المتعالج حول محتويات خبرته الانفعالية. ويتفق المقيِّمون المتمكنون من هذا المفهوم والذين يمتلكون إدراكاً جيداً للعلاقات البين إنسانية، حول مقدار التفهُّم المتعاطف الذي يقدمه معالج ما. ونؤكد مرة أخرى على أن التعاطف ليس مطابقاً للتعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية. وسوف نقوم فيما يلي بالتأكيد على ذلك مراراً، إلاّ  أن المقدار العالي من التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية يجعلنا نخمن حدوث سيرورة تعاطفية في العلاقة بين المعالج و المتعالج.

ويعتبر من المؤكد علمياً بصورة كافية أنه إذا كان التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية تعبيراً عن التفهم المتعاطف للمعالج، فإنه يشجع المتعالج على السبر الذاتي. ويعود التعريف الإجرائي للسبر الذاتي selfexploration (SE)  في صيغة مقياس قياس إلى ترواكس 1961، أما الصيغة الألمانية فقد نشأت من قبل تاوش و إيبيل و فيتكان و مينزل 1967.

 

مقياس لتقدير مقدار ((السبر الذاتي عند المتعالج)) مقتبس عن تاوش وآخرين 1969.

الدرجة (1):

لا يتحدث المتعالج على الإطلاق عن ذاته ولا عن سلوكه أو عن خبرته الذاتية. إنه يتحدث فقط عن وقائع غير متعلقة بشخصه.

الدرجة (2):

لا يتحدث المتعالج عن ذاته ولا عن سلوكه ولا عن خبرته، إلاّ  أنه يتحدث عن أشخاص و \ أو أشياء لها علاقة به.(كأن يتحدث عن سيارته).

الدرجة (3):

يتحدث المتعالج عن أحداث خارجية وعن سلوكه الذاتي، إلاّ  أنه لا يتطرق بشكل خاص إلى خبراته الشخصية الداخلية.

الدرجة (4):

يتحدث المتعالج عن الحوادث الخارجية وعن سلوكه الخاص ولكنه لا يتحدث عن خبراته الداخلية الشخصية المرتبطة بذلك بصورة خاصة. إلاّ  أنه يمكن للمرء هنا الافتراض أن الشيء المذكور مرتبط لديه بمشاعر أو يمتلك أهمية بالنسبة له.

الدرجة (5):

يتحدث المتعالج عن سلوكه الخاص أو عن أحداث خارجية وحول الخبرات الداخلية الشخصية بشكل خاص والمرتبطة بذلك. والجزء الأكبر من الحديث يتكون من وصف سلوكه أو أحداث خارجية ؛ أما خبراته الداخلية الشخصية فيتم التطرق إليها بصورة مختصرة.

الدرجة (6):

يتحدث المتعالج حول سلوكه الخاص أو حول أحداث خارجية أو حول الخبرات الذاتية الشخصية بشكل خاص، التي هي على علاقة بذلك. ويتألف محتوى الحديث في غالبيته من وصف خبراته الداخلية.

الدرجة (7):

يتحدث المتعالج بشكل غالب عن خبراته الداخلية الشخصية بشكل خاص، بالإضافة إلى ذلك يمكن ملاحظة وجود استعداد لمتابعة تفسير خبراته الداخلية، على نحو رؤيتها في سياقات جديدة، من خلال سؤال نفسه من أين تأتي بعض الاتجاهات؟ واكتشاف تناقضات وما شابه.

الدرجة (8):

يصف المتعالج بإسهاب خبراته الداخلية الشخصية بشكل خاص. ويلاحظ بوضوح البحث عن وجوه وروابط جديدة في خبرته الداخلية.

الدرجة (9):

يصف المتعالج بإسهاب خبراته الداخلية الشخصية بشكل خاص ويتضح أنه يجد وجوهاً وروابط جديدة في خبرته الداخلية.

 ويوضح وصف هذه الدرجات أنه ينبغي في المتعالج تنمية سيرورة تجعله دائم السبر الذاتي على نحو ما هو معروض في هذا المقياس.

ولا يهدف التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية بالمعنى الوظيفي من خلال المعالج إلى شيء آخر عدا تنمية السبر الذاتي هذا لدى المتعالج، أو بتعبير غير مألوف يهدف تعاطف المعالج النفسي إلى تنمية ((التعاطف الذاتي)) للمتعالج. وهذا الارتباط الوظيفي مبرر نظريا و مثبت تجريبياً:

ففي الأفكار النظرية حول بناء المعالجة النفسية بالمحادثة لروجرز وبومرت يصبح فرد ما بحاجة للمعالجة عندما ينشأ تنافر بين ذاته وخبراته. ويقصد بذات الفرد، هيئة منظمة ومتماسكة، مكونة من السمات المدركة ((للأنا)) وعلاقتها بالمظاهر الأخرى أو المختلفة للحياة، بالإضافة إلى تقييمات هذه الإدراكات Bomert, 1977: 22ff.). وفي حالة التنافر Incongruent تدرك الخبرات التي لا يمكن مطابقتها مع الذات بصورة مشوهة أو يتم إنكارها جزئياً أو كليةً من الشعور Bomert, 1977: 36ff.).

وينبغي لتعاطف المعالج أن يقود إلى أن يرمِّز المتعالج خبراته بدقة وبشكل أكثر كمالاً وصولاً إلى القيام بتنسيق مجدد بين هذه الخبرات والمفهوم الذي يحمله عن ذاته. وهذا يعني ذاته أو مفهومه عن ذاته. وهذا التنسيق يتحقق من خلال التعاطف الذاتي فقط. ويمكن اعتبار السبر الذاتي وفق المقياس كاشفاً للشدة أو للكثافة التي يسعى بها المتعالج إلى عملية التناسق هذه، والتي سوف نتحدث عنها كثيراً. لقد أظهرت أبحاثاً تجريبيةً باستمرار أن العلاقات الارتباطية الأساسية مع مقادير النجاح، أي مع التعديلات المقاسة التي شهدها المتعالجون في المعالجة، قد وجدت دائما مع سمة السبر الذاتي في حين أن سمة المعالج ((التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية)) تترابط مع السبر الذاتي، إلاّ أنها لا تترابط أو تترابط بمقدار ضئيل مع إجراءات نجاح المعالجة

(راجع على سبيل المثال تاوش، 1937).

ونؤكد على الارتباط الوظيفي بين تعاطف المعالج و ((التعاطف الذاتي)) للمتعالج بهذا الشكل لأننا نعتقد أنه يجب إزالة سوء الفهم. إن مشروع العلاقة الذي يقدمه معالج نفسي بالمحادثة لا يساعد من خلال أنه يمكِّن من قيام علاقة ((طيبة)) أي لطيفة ومتعاطفة مثلاً وإنما من خلال أن مشروع التعاطف المُقَدِر للقيمة والمتوافق وحده يمكِّن المتعالج من الدخول في سيرورة التعاطف الذاتي. ومن هنا فإن تعاطف المعالج يجب ألاّ يتجه أساساً إلى ((شخص)) المتعالج وإنما إلى مساعيه بالدرجة الأولى في الإقدام على مثل تلك السيرورة في خبرة الذات. وبهذا المعنى فإن تعاطف المعالج ليس نوعية إنسانية وإنما ((متغيرة أداتيه Instrumental Variable)) وظيفتها رفع تعاطف الذات لدى المتعالج.

فلنلخص:

 إن العنصر الأول في مشروع العلاقة العلاجية النفسية بطريقة المحادثة الذي قمنا بعرضه يتمثل في التعاطف الذي يعني فهم خبرة الآخر بشكل كامل وبدقة وكأنها خبرتنا الذاتية بدون التخلي ولو لمرة واحدة عن حالة ((وكأن)) هذه، ومشاركة المتعالج بما تم إدراكه. ويمكن اعتبار التعبير عن محتويات الخبرة الانفعالية للمتعالج كاشفاً لوجود التعاطف.

وللتعاطف وظيفة تنمية التعاطف الذاتي لدى المتعالج باعتباره الجزء الأساسي للسيرورة العلاجية. ويجب فصل التعاطف بشدة عن المشاركة الوجدانية في شكل موقف إنساني. وعندما يصبح المتعالج سابراً لذاته أو متعاطفاً معها، أي عندما يستطيع إقامة العلاقة التي عرضها عليه المعالج مع ذاته ينتهي العلاج.

 

التقدير غير المشروط

يتألف

 جزء من أساسي من التعاطف (قارن صفحة 140) من أن يضع المعالج الرؤى والاتجاهات التي يملكها هو نفسه جانباً كي يتمكن من الدخول إلى عالم خبرة الآخر بدون أحكام مسبقة. وطبقاً لذلك فإنه يفترض أن التفهم المتعاطف غير ممكن إلاّ  في إطار خال من الأحكام المسبقة فقط. أن أي رأي للمعالج تجاه متعالجه على نحو: ((إنك لا تستطيع على ما يبدو تحمل التوتر)) يمكن أن يكون صحيحاً من حيث المحتوى، أي أنه يمكن أن يصف بدقة ما يعيشه المتعالج في مرجعيته الداخلية، في ذاته، إلاّ أن المتعالج قلما سوف يتقبل هذا الرأي حول حالته الداخلية، إذا  وجد المعالج أن هذه الحالة مضحكة أو غير إنسانية أو طفليه أو مرفوضة بطريقة ما، وعبَّر عن ذلك بشكل لفظي أو غير لفظي للمتعالج. ويتضح من هذا المثال أن التعاطف الذي يهدف إلى تنمية السبر الذاتي للمتعالج يجب أن يكون من نوعية انفعالية محددة. ومن المؤكد أن استعداد إنسان ما لفهم نفسه لا يرتفع إذا  قوبل ما يبديه بعدم الاهتمام أو التقييم أو حتى بالرفض. وقد دفعت هذه الخبرة روجرز بالإضافة إلى تنمية اللاتقيمية، إلى صياغة الشرط العلاجي المتمثل في أنه على المعالج أن يتمكن من تقبل ما يقوله المتعالج حول نفسه. و يشعر المعالج بأنه يتقبل المتعالج من خلال إحساسه بأنه مهتم إيجابياً، فإذا  شعر المتعالج بأنه غير مقبول من المعالج فسوف يتعثر في سيرورة سبر ذاته وخصوصا من خلال أنه عليه أن يناقش في علاقته بالمعالج تقييماته وبهذا قلما يبقى هناك مجال لتفسير العلاقة التي يملكها مع نفسه.

سوف نطلق على هذا الشرط العلاجي الذي يساعد على ضمانة هذا المجال فيما يلي من الحديث ((التقدير غير المشروط[3])). ومن هذه الزاوية، أي من خلال أهميتها بالنسبة للمتعالج في السيرورة العلاجية، اعتُبرت سمة ((التقدير غير المشروط)) حتى الآن ذات أولوية. ويقول روجرز 1961 (الطبعة الألمانية 1973 صفحة 480) إن ((التقبل لا يعني الكثير طالما لا يحتوي على الفهم)) وصاغ بهذا علاقة داخلية بين التفهم المتعاطف (التعاطف empathy) و ((التقدير غير المشروط)) للمعالج ونرغب بالتأكيد على هذا الارتباط الداخلي لكلا الشرطين، وتحديد أهميتهما لبعضهما ونوضح أن التقدير غير المشروط للمعالج يتعلق بمدى فهمه لمتعالجه وأن التقدير غير المشروط لا يصبح فعالاً علاجيا إلاّ  عندما يترافق بالفهم.

وننطلق هنا من مواقف التأهيل التي يحدث فيها دائماً سوء الفهم الواضح من خلال سعي المعالجين النفسيين (بالمحادثة) الشباب إلى أن يكونوا محبوبين ولطيفين ومهتمين بمتعالجيهم، من أجل تحقيق شرط تقبل المتعالج بدون شروط. فهم يستهلكون الكثير من الطاقة في التلقي اللطيف لما يقوله لهم المتعالج وباهتمام متساوٍ. غير أنه يتبين بوضوح أن ذلك يزداد صعوبة كلما كانوا أقل معرفة بما يريد المتعالج قوله لهم ((في الواقع))، وما الذي يعبِّر عنه، وما هي الصراعات التي يتحدث حولها الآن بالتحديد، أو التي يتجنب الحديث عنها الآن. وسبب هذا الغموض عند هؤلاء المعالجين الشباب هو أنهم قد فهموا ((التقدير غير المشروط)) باعتباره موقفاً للمعالج النفسي بالمحادثة ينبغي تحقيقه حتى لو لم يعرفوا حول أي شيء يتحدث المتعالج، أي حتى لو لم يعرفوا ما الذي عليهم تقديره في الحقيقة. وعلى أساس من مثل هذه الخبرات والآراء نفترض الافتراضات التالية:

هناك ارتباط وظيفي بين كلتا السمتين من سمات المعالجين ((التعاطف)) و((التقدير غير المشروط)) موجود في شخصية المعالج. وكلتا السمتين هما مظهران للعلاقة بين المعالج    و المتعالج. وعلى المعالج أن يفهم المرجعية الداخلية  للمتعالج أو للأجزاء التي يتطرق إليها المتعالج في موقف علاجي محدد إذا  أراد أن يضمر للمتعالج التقدير؛ وإلاّ فلن يتمكن من تحقيق شكل فعال علاجياً من التقدير. عليه أن يعرف ما الذي يقدره بدون شروط.

وعلى العكس تؤثر الدرجة القابلة للتحقيق من التقدير على إمكانية المعالج على الفهم المتعاطف للمتعالج. فإذا  عبر المتعالج عن مشاعر محددة أو تقييمات معينة تثير لدى المعالج مشاعر كالخوف أو الإنكار فإنه لن يستطيع الاحتفاظ بالتقدير غير المشروط. ومن خلال ذلك تتضيق إمكانية المعالج في الاستجابة المتعاطفة للمتعالج وفهمه. وعادة ما يكون سبب هذا التضييق  في أن المتعالج يمسُ مجالات من الخبرة لا يستطيع المعالج ذاته أن يتحرك فيها بحرية ومن هذا الجانب فإن التقدير غير المشروط يمتلك طبيعة شرط الضبط. فإذا  غاب التقدير أو تضيق بوضوح فإن ذلك يمكن أن يعني للمعالج شيئين:

فهو إما أنه لم يفهم المتعالج أو أن المتعالج يتحدث حول أمور لم يفهم المعالج فيها نفسه والتي  لا يقبل هو نفسه خبراته فيها.

لقد أوردنا التسمية الهشة إلى حد ما ((شرط الضبط)) من أجل وصف وظيفة التقدير غير المشروط ومن أجل إيضاح أنه على المعالج أن يختبر باستمرار قدر الإمكان في علاقته بالمتعالج المدى الذي يكون فيه قادراً على التجاوب تعاطفياً مع المتعالج على أساس من مقدار التقدير الذي يستطيع استحداثه. بكلمات أخرى: وفقاً لوجهات نظرنا فإن الطريق الأضمن لاختبار التعاطف هو أن يختبر المعالج وضعه الانفعالي في الاتصال مع المرضى أو بتعبير آخر أن يهدف إلى 

 ((علاقة مباشرة direct referent)). فعلى المعالج أن يختبر نفسه بناء على ذلك فيما إذا كان يستطيع استقبال ما يعبر عنه المتعالج بتقدير غير مشروط.

وفيما يلي من الحديث سوف نقوم بتوسيع مثل هذه الرؤيا:

فالتعاطف كما عُرِّف هو في الأساس شيء مجرد، هو إدراك المرجعية الداخلية  للمتعالج. لقد عرضنا في مكان سابق من هنا أن المتعالج يصبح ((معافىً)) عندما لا يعود يشوه وينكر …الخ الخبرات التي يعيشها وإنما يتمكن من اختبار ما تعنيه هذه الخبرات أو ما تريد أن تقوله له، بغض النظر عن المدى الذي تنسجم فيه مع مرجعيته الداخلية، مع مفهوم ذاته أو لا تنسجم إطلاقاً. لقد افترضنا كذلك أن المتعالج يصبح سليماً عندما يتمكن من إقامة علاقة مع ذاته، مثل التي يقدمها له المعالج النفسي (بالمحادثة) بشكل مثالي. ومن أجل ذلك لابد وأن يكون المعالج قادراً على الاهتمام تفهمياً بالمرجعية الداخلية  للمتعالج الأمر الذي لا يكون ممكناً بالمعنى العام، إلاّ  إذا تقبل المعالج المرجعية الداخلية  وخبرات المتعالج، أي إذا ما قابلها بتقدير غير مشروط.

والإمكانية الوحيدة بالنسبة للمعالج من أجل أن يحدد فيما إذا كان يفهم المتعالج بشكل صحيح أم لا هي في اختبار مسألة فيما إذا كان يشعر تجاه المتعالج بتقدير غير مشروط. أمّا أي شكل آخر لاختبار مسألة فيما إذا كان المعالج يفهم المتعالج فلا تبدو لنا صعبة فحسب - إذ أنه من أين يجب أن يؤخذ المقياس هنا؟- وإنما أيضاً بلا معنى في إطار الفرضيات الأساسية للمعالجة النفسية بالمحادثة. فالمعالج لن يستطيع سؤال المتعالج مباشرة، ذلك أن بعض المتعالجين لا يعرفون مطلقاً كيف يمكن فهمهم بسبب من التشويه أو التجنب لأنماط الخبرة المتنافرة لديهم، في حين أن متعا لجين آخرين يعرفون حول إطارهم المرجعي الذاتي وكذلك حول الخبرات التي يتجنبونها، إلاّ أن مشكلتهم هي في أنهم يرفضون نفسهم، أي ذاتهم، أو يرفضون خبراتهم. ومن هذه الناحية يتجنبون أن يتم فهمهم.

لقد عالجنا حتى الآن وظيفة التقدير غير المشروط بالنسبة للمعالج في التفاعل مع التعاطف. ولقد أبرزنا هذا المظهر الوظيفي للتقدير غير المشروط بالنسبة للسيرورة العلاجية قبل أن نتطرق بشكل أقرب إلى النوعية الانفعالية لمتغيرات العلاج هذه. وقد ذهبنا هنا من أن سمة العلاج هذه معروفة في نوعيتها الانفعالية أكثر من أهميتها الوظيفية للسيرورة العلاجية. وهذا يتعلق بأن التقدير غير المشروط عند روجرز (1951، 1957، 1962) قد وصف غالباً من خلال نوعيته الانفعالية، حيث أسماها ((الاحترام الإيجابي غير المشروط unconditional positive regard))،  إلاّ أنه يستخدم تسميات أخرى مثل ((الدفء الانفعالي emotional warmth)) أو       ((التقبل acceptance)):

((أفترض أن نمو الشخصية وتعديلها يكون أسرع في التشكل كلما اقترب المعالج بحنان واهتمام واستعداد للتقبل أكثر من داخل المتعالج. وهذا يعني أن يقدر المتعالج كشخص ذي مشاعر يمكن مقارنتها نوعيا مع المشاعر التي يحملها الأهل لابنهم، الذي يقدرونه كشخص بغض النظر عن سلوكه في اللحظة الراهنة. وهذا يعني أن يكون المتعالج بالنسبة له مهماً على نحو بعيد عن التملك، مهما بالنسبة له كشخص يريد أن ينمو. وهذا يتضمن أنه يريد أن يكون المتعالج منفتحاً مهما كانت المشاعر التي تعتمل في هذه اللحظة، سواء كانت عدوانية أم حنان أم عصيان أو رفض أو خضوع أو ثقة بالذات أو حط من قيمتها. وهذا يعني (نوع من الحب) تجاه المتعالج كما هو..)) (روجرز، مقتبس عن تاوش 1973 صفحة 812، ترجمة المؤلف)

ويذكر روجرز في مكان آخر (1957صفحة 98) ما يقصده بصفة ((غير مشروط))؛ إنه يقصد أن المعالج يعيش التقدير الإيجابي بالشكل المرغوب وذلك عندما يشعر بالتقبل غير المريب لكل خبرة تعتبر جزءاً من هذا المتعالج. يعني التقدير غير المشروط أنه ليست هناك شروطاً للتقبل، ليس هناك شعوراً على نحو ((أريدك عندما تكون على هذا أو ذاك النحو)). أما العكس فسوف يكون موقف تقييم انتقائي ((من هذه الزاوية أراك جيداً، أما في الجانب الآخر فأراك سيئاً)). فشعور التقبل يتضمن مشاعر المتعالج ((السيئة)) أي المشاعر المؤلمة و القَلِقة و الصادة و الشاذة وكذلك المشاعر ((الطيبة)) أي المشاعر الإيجابية والناضجة والواثقة والتضامنية. التقدير غير المشروط يعني حسب روجرز: تقبل المتعالج حتى لو كان متناقضاً أيضاً، وليس عندما يكون في حالة توافق فقط. كما ويعني التقدير غير المشروط حمل هم المتعالج ولكن ليس بطريقة تملكيه أو بشكل يخدم إشباع حاجات المعالج. التقدير غير المشروط يعني وفق روجرز الإشفاق على المتعالج كشخص مستقل مع إمكانية امتلاك المشاعر الخاصة والخبرات الذاتية.

ويشير روجرز في المقطع نفسه إلى أن تسمية ((الاحترام الإيجابي غير المشروط)) مضللة من حيث كونها تبدو وكأنها مطلب مطلق.

ففي الواقع الإكلينيكي سوف يشهد معالج فعّال في أوقات كثيرة لجلسة معالجة هذا الشعور من التقدير غير المشروط، ولكن من حين لآخر سيشهد تقديرا مشروط فقط- وأحياناً رفض -. 

سبق وذكرنا أن هذا التبدل في مدى التقدير غير المشروط لا يعني فشل المعالج، وإنما له وظيفة مهمة لسيرورة العلاج. والتقدير هو عبارة عن شعور قابل للامتلاك من قبل المعالج، يمكن الإحساس به بالنسبة له على شكل ((علاقة مباشرة))(غيندلاين، 1962). ويعتبر مقدار التقدير غير المشروط معياراً للمدى الذي يكون فيه المعالج قادراً على التجاوب تعاطفياً مع متعالجه. فإذا  شعر المعالج أن تقديره لمتعالجه في لحظة معينة ضعيف فقط أو بتبدل لتقديره باتجاه أقرب للشعور الرافض فذلك دليل - حسبما نرى - على وجود حدث مهم في سيرورة العلاج يمكن استغلاله إيجابياً. على المعالج أولاً أن يطرح على نفسه مجموعة من الأسئلة - عن طريق السبر الذاتي الصامت طبعاً - مثال: هل أفهم المتعالج فعلاً ؟ أو هل تبنيت الرفض الذي يحمله المتعالج تجاه ذاته، أي هل تماهيت معه؟ أو هل أشعر معه أنه هاجمني ؟ أو بأني مرتاب ؟ وأجعل من خيبته مشكلتي ؟

فإذا  استنتج المعالج على سبيل المثال أو إذا  اتضح له في جلسة الإشراف Supervision أنه قد تماهى مع المتعالج فيجب تفسير معنى هذا الشكل من العلاقة بالنسبة للمعالج و المتعالج. وهنا لابد فيما يتعلق بالمتعالج اختبار فيما إذا كان يعتبر مثلاً أنه من الأسهل له العيش مع مشاعره عندما يشاركه فيها الآخرون - في هذه الحالة المعالج هنا - وفيما يتعلق بالمعالج يجب إيضاح مدى سروره بتقبل مثل هذه العلاقات التي يستطيع فيها الأخذ عن الآخر شيئاً ما أو مدى سهولة تقبله لمثل هذا المشروع من العلاقة عندما يعرضها عليه أحدهم.

و فقط عندما يتضح للمعالج ما الذي سبب الضرر في تقديره غير المشروط لمتعالجه، ويستطيع تقبل هذه الأسباب فإنه سوف يتمكن ثانية من الاهتمام بالمتعالج تعاطفياً وبالتالي يصبح فعالاً علاجياً. وسوف نوضح في مكان لاحق (أنظر الفصل الرابع) سبب حصول التقدير الضيق أو التبدل في مقدار تقدير المعالج عادةً وكيف يستطيع المعالج التصرف مع ذلك.

ومن المهم في هذا المقام التأكيد على أن التبدل في مقدار التقدير غير المشروط هو جزء من السيرورة العلاجية ولا يجسد بادئ ذي بدء فشل المعالج. وبهذا المعنى لابد من اعتبار التقدير غير المشروط هدفاً على المعالج أن يسعى لتحقيقه. إن مقدار التقدير معرض لتبدلات مستمرة ولا يتعلق بالمشاعر، التي يتحدث عنها المتعالج فقط، وإنما بالمستوى الزمني للمعالجة أيضاً. وفي الحالة المثلى ينمو تقدير المعالج لمتعالجه من جلسة علاجية إلى أخرى، إلاّ  أنه يهبط ثانية عندما يبدأ المتعالج الحديث عن موضوع جديد. أما التأزم فلا يحدث إلاّ  عندما يحدث سكون عميق في النمو أو فتور واضح للتقدير غير المشروط بدون موضوع جديد. فإذا لم يتمكن المعالج من السعي بهذا المعنى إلى التقدير غير المشروط يحدث للمتعالج شيئان: لا يستطيع المعالج أن يكون متعاطفاً ويجر المتعالج للتناقض معه ويصرفه بهذا عن التعاطف الذاتي. كما  و أن اعتبار التقدير غير المشروط جزء من مشروع علاقة المعالج بالمتعالج يوضح بشكل مباشر أنه يمكن التفكير بمقدار عال من التقدير كهدف نهائي للعلاقة العلاجية فقط. حتى أن المقدار العالي  - ظاهرياً - من التقدير غير المشروط يمكن أن يكون غير ملائم: لقد وصف روجرز المتعالج المحتاج للمعالجة بأنه إنسان لا يستطيع تقبل خبراته لأنها لا تنسجم مع مفهوم ذاته    (روجرز، 1957، راجع المبدأ الأساسي رقم 2).

ينظر المتعالج لنفسه على أنه قليل القيمة و سيئ وفاشل …الخ - غالباً لتجنب الخبرات التي يعتبرها أسوأ. ومن هنا يمكن لمتعالج ما أن يستجيب إلى مقدار عال من التقدير المُبدى مباشرة في بدء المعالجة - وخصوصاً ذلك الشكل من التقدير، الذي لا يستند بشدة إلى ما يقوله  المتعالج -، كما اعتاد أن يستجيب في اتصالاته البين إنسانية اليومية، أي بشكل من الدفاع. فعندما ينظر  المتعالج لنفسه بأنه ناقص فإن خبرة أن يعامله شخص ما غير مطلع على أفكاره حول أسباب نقصه بتقدير عالٍ غير متفقة مع مفهوم ذاته بالنسبة له. وهو هنا إما لن يدرك هذا الشكل من التقدير على أنه كذلك على الإطلاق، أو أنه إذا أدركه فإن هذا الإدراك سوف يجعله واقعاً تحت حالة من التوتر.

وصف فان كيسيل (1976) كل مشروع علاج استناداً إلى باير (1968) بأنه ((لاإجتماعي asocial)): فالمعالج يقدم مشاريع علاقة، متعارضة مع توقعات المتعالج، إنه يتجاهل توقعات المتعالج من هذه العلاقة.

ومن المرجح أنه إذا  تم إبداء سلوك المعالجين هذا، المرغوب بحد ذاته، ولكنه       

 ((لا اجتماعي))، بدون مراعاة المتعالج، أي إذا  تم إبداؤه إما بشكل مبكر أو بأي ثمن، فإنه المسؤول عن مجموعة من التصدع الباكر للمعالجة. ويمكن تجنب هذا التصدع إذا  نظر وفهم المعالج مشروع علاقته من منظور تفاعلي، أي من خلال تأثيره المحتمل على المتعالج.

أما بالنسبة للتقدير الذي يجب أن يكنه المعالج لمتعالجه فلابد من القول أولاً أن هذا التقدير هو مسألة تخص الضبط الذاتي للمعالج ولا يحتاج إبلاغه للمتعالج إلى حين. بالإضافة إلى ذلك على المعالج أن يدرك بصورة مُقَدِرَة و مُتَقَبِلة المدى الذي يكون المتعالج فيه قادراً على عيش التقدير المقدم له بشكل منسجم مع مفهوم ذاته وبشكل خاص المدى الذي يفصح فيه المتعالج عن ذلك بنفسه.

أما القاعدة المنتشرة بين كثير من المعالجين النفسيين والتي تقول بأنه من المفيد علاجياً بشكل خاص أن يتمكن المرء من تقديم نفسه مُـقَدِراً بدون شروط، فهي في هذا السياق خطأً تقنياً.

فإذا  لم يكن المتعالج قادراً على تقبل نفسه فعلى المعالج الحديث معه حول ذلك وليس حول ما يدور في المعالج. فعلى المعالج التعبير فقط عما يفهمه عن طريق التعاطف حول المرجعية الداخلية  للمتعالج وليس عما يشعر هو به، إذ أن ذلك سوف يكون صرف المتعالج عن سيرورة تعاطفه الذاتي التي تشكل السيرورة العلاجية الفعلية.

كما ويتضح من هذا الإسهاب أن الآراء ومسائل البحث الناتجة عن ذلك والتي تقول إن المقدار العالي من التقدير يمكن أن يكون له تأثير على التعديل البنّاء لدى المتعالج، تمتلك قوة تنبئية محدودة في الممارسة.

إذاً لا يستطيع المرء القول أنه كلما كان مقدار التقدير أعلى كان تأثير المعالجة على المتعالج أيسر. إنَ تمكُّن المعالج من أن يوضح لنفسه كم من التقدير المُعَبَر عنه يستطيع المتعالج تحمله لَهوَ أهم من السعي باستمرار للتعبير عن التقدير غير المشروط، بغض النظر عن المتعالج. ونكرر هنا الاعتقاد أن التقدير غير المشروط هو شرط للتعاطف ولا يظهر تأثيره إلاّ في إطار التعابير التعاطفية. وهذا يفسر برأينا الارتباطات الإيجابية والمنخفضة في الوقت نفسه بين تقدير المعالج ونجاح المعالجة في أغلب الدراسات التجريبية.(راجع على سبيل المثال تاوش 1973).

وربما يوضح تعبير متعالج ما حول معالجه والمتمثل في ((لقد استطعت التحدث بما أريد وظل لطيفاً باستمرار، وهذا ما لم أستطع تحمله)) هذه الارتباطات بصورة واضحة ومباشرة.

فلنلخص هنا أهمية سمة المعالج ((التقدير غير المشروط)) في إطار مشروع العلاقة  العلاجية: التقدير غير المشروط ليس  عبارة عن موقف دائم للمعالج. إنه موقف لابد من السعي إليه تجاه تعابير سبر ذاتية معينة للمتعالج في موقف علاجي محدد ضمن العلاقة العلاجية. فإذا  كانت العلاقة العلاجية من نوع أن المعالج يعيش مقداراً عالياً من التقدير خلال فترة زمنية طويلة تجاه متعالجه، فإن هذا يعني أن المتعالج يستطيع تقبل مشروع العلاقة من المعالج. و ويعني ذلك من ناحية أخرى أن المتعالج قد أدرك العلاقة التي حملها إليه المعالج بدقة، أي أنه يهتم بما يدور في ذاته كشخص له قيمة. التقبل لا يعني شيئاً بدون الفهم. ويتغير تقدير المعالج للمتعالج مع المحتويات ومع الطريقة التي يتحدث بها المتعالج حول هذه المحتويات.

إذاً يمكن للمعالج اعتبار تقديره متغيرة ضبط، يستطيع بها قياس مدى قدرته على تتبع المتعالج تعاطفياً.

الانسجام Congruence  

يمكن

 للرأي المذكور سابقاً لمتعالج حول معالجه والمتمثل في أنه لم يستطع تحمُل اهتمامه غير المشروط أن ينتج عن سببين مختلفين جداً مبدئياً. فمن جهة يمكن أن يكون المعالج قد ((تناسى)) أن متعالجه يحمل مفهوماً سلبياً عن ذاته وبأنه محكوم بمشاعر الذنب ورغباته في العقاب مثلاً، أي من المشاعر يتوقع عليها ردة فعل أخرى غير الاهتمام والتقبل، والذي (أي ردة الفعل) ربما يبحث عنها في حالته الراهنة أيضاً.

إن مثل هذه المفاهيم السلبية حول الذات ليست نادرة ويُدافع عنها بعناد شديد مثل المفاهيم الإيجابية عن الذات. ويمكن أن تتضح وظيفة مثل تلك الصور السلبية حول الذات من خلال مثال حول الكثير من الأطفال الذين يتعرضون لسوء المعاملة والذين يستمرون ظاهرياً بحب أهلهم بشكل غير معقول. وعلى ما يبدو فهم يتحملون الإحساس بأنفسهم بأنهم سيئون ويستحقون العقاب أكثر من أن يتحملوا فكرة ألاّ يكونوا  محبوبين. 

وتشير ردود الأفعال الموصوفة للمعالج على متعالج ذي مفهوم سلبي عن ذاته إلى نقص في التعاطف أو سوء فهم يتكون من أنه لابد للمعالج أن يكون مُهتماً و مٌقَدِراً بأي ثمن أن صح التعبير.والسبب الآخر لرأي المتعالج يمكن أن يكون في أنه قد أدرك بشكل صحيح أن تقدير معالجه كان مصطنعاً، غير منسجم، كان تمثيلاً، مشحوناً بالرغبة في أن يكون معالجاً جيداً على سبيل المثال مهما كان. و ويقودنا هذا التفسير لردة فعل  المتعالج إلى مظهر للعلاقة العلاجية أسماه روجرز انسجام المعالج والذي يعتبره من الشروط الضرورية لعلاقة علاجية مساعدة. ويصف روجرز الشرط الضروري أو متغيرة المعالج ((الانسجام)) في العلاقة بين المعالج   و المتعالج كالتالي:

((إني أفترض أن نمو الشخصية يُحَثُ بالدرجة الأولى عندما يكون المعالج ما هو عليه فعلاً، عندما يكون منسجماً في علاقته بالمتعالج بدون وضع حدود أو واجهات، عندما يتمكن من تقبل  المشاعر والمواقف التي تسيطر عليه في اللحظة الراهنة. لقد استخدمنا مصطلح  

  ((الانسجام)) لوصف هذا الشرط. ونقصد به أن يتحكم بالمشاعر التي تسيطر عليه وأن يتمكن من جعلها شعورية وأن يكون قادراً على أن يعيشها حتى في العلاقة وأن يشارك المتعالج بها عندما تظهر. وهذا يعني أنه يستطيع شخصياً مواجهة encounter متعالجه مباشرةً، بحيث ينسجم إنسان كامل مع إنسان آخر. وهذا يعني أنه هو نفسه هو، لا ينكر ذاته.

وليس هناك من يحقق هذه الحالة كاملة إلاّ  أنه كلما تمكن المعالج من تقبل ما يدركه عندما يصغي وكلما تمكن من عيش مشاعره في تركيبتها كاملة بدون قلق، كان مقدار ((الانسجام)) أكبر))

(روجرز 1962 مقتبس عن تاوش صفحة 126 ترجمة المؤلف).

ويحمل هذا الوصف لسمة الانسجام في ذاته مثل الوصوفات ومحاولات التعريف الأخرى الخطر الذي تحمله سمة ((التقدير غير المشروط)). ويكمن الخطر في أنه يمكن لمثل هذه التعاريف أن تقود إلى سوء الفهم، إلى اعتبار أن ((الانسجام)) متغيرة مُـدخِلة فقط Input variable، أي كشرط يستخدمه المعالج في المعالجة وبعد ذلك تؤثر هذه المتغيرة على المتعالج بشكل من الأشكال وفق مبادئ التعلم وفق النموذج مثلاً. وكلما كانت أكثر فاعلية كانت أكثر رسوخاً. ويربط كثير من المعالجين النفسيين بالمحادثة سوء الفهم هذا لانسجام المتعالج مع مصطلح ((الأصالة Echtheit = genuineness)) ويفهمون الانسجام على أنه إمكانية المعالج للتعبير عن المشاعر تجاه المتعالج التي يفترض المعالج أنها ملائمة للمتعالج بدون التضرر من المشاعر التي لا تتناسب مع المهمة العلاجية على الإطلاق بمعنى السعي نحو التقدير غير المشروط مثلاً.

وحول هذا نريد الإشارة بشكل خاص أنه على الرغم من أن الانسجام يحدد شرطاً للسيرورة العلاجية، الواجب على المعالج أن يحضره معه بغض النظر عن المتعالج، إلاَ أنه لابد لهذا الشرط أن يكون مصمماً بشكل خاص، تماماً مثل ((التعاطف)) و ((تقدير الذات غير المشروط)) باعتباره جزءاً أساسياً للسيرورة العلاجية.

فلنتطرق أولاً إلى المظهر الأول من مظاهر الانسجام:

يقتضي الأمر على ما يبدو أن يكون المعالج قليل ((العصابية)) قدر الإمكان، لأنه إذا  قلبنا وصف انسجام المعالج إلى عكسه، أي إذا  أوردنا القطب السلبي المقابل لكل السمات المذكورة للمعالج المنسجم، فسوف نحصل على وصف مثل الذي استخدمه روجرز في وصف حالة متعالج ما.       

والمراعاة الشديدة لتضيق عصابي مسبق (أي وجود درجة منخفضة جداً من سمة العصابية

   \ المترجم\) عند المعالج مبررة من كل الوجوه وضرورية. ونحن نعتقد كذلك أنه من الملائم لكل معالج نفسي أن يكون شخصاً منسجماً قدر الإمكان أي أن يكون   ((ضليعاً بسيل المشاعر المتبدلة باستمرار في شخصه، هذا السيل الذي يتصف بالتعقيد والتحول المستمر)) (روجرز مقتبس عن تاوش، 1973 ترجمة المؤلف).

ومن المؤكد أن مقداراً معيناً من إمكانات الخبرة المنسجمة هو شرط أولي يجب أن ينطبق على كل معالج وعلى غالبيتهم مهما كان الاتجاه العلاجي، ويعرف المحللون النفسيون منذ زمن بعيد التحليل التعليمي، أما لدى المعالجين النفسيين بالمحادثة فقد أُدخل الإشراف الذاتي ((المستمر))  Supervision  للعمل العلاجي وكذلك ولأسباب وجيهة أدخل مؤخراً ما يسمى بالخبرات الذاتية الاختيارية في المجموعات. وكل هذه الدلائل تشير إلى مدى عمومية مطلب المعالج المنسجم.

ولكن إذا  طولب ((بالانسجام)) كسمة دائمة للمعالج، بغض النظر عن متعالج معين وبمقدار كبير قدر الإمكان، فإنه سوف يقتصر تصور الفاعلية العلاجية للانسجام على فرضية أثر النموذج  model effect بالنسبة للمتعالج أو على تصور التخفيف عن المتعالج الذي يتألف من أن يعرف

 ((شريك المحادثة موقف المساعِد منه)) (تاوش، 1976 صفحة 96)).

وهذا يعني أنه يفهم من الانسجام ذلك المطلب من المعالج لنفسه المتمثل في ألاّ يكون عصابياً الأمر الذي يتمكن من التعبير عنه من خلال تمكنه من القول للمتعالج (وأن يفعل كذلك !) ما يعتقده عنه أو ما يشعر به تجاه تعبير من تعابير المتعالج. ويبدو لنا بالمقابل أنه لم تتم إلى مدى بعيد مراعاة ذلك المظهر من الانسجام المكون من أن المعالج يفهم مطلب الانسجام باعتباره مطلباً من ذاته في السيرورة العلاجية المحددة. ولا يمكن تصور هذا الانسجام في السيرورة العلاجية بدون التحرر الواسع للمعالج من التضيق العصابي.

فالانسجام في الموقف العلاجي يعني المقدرة على أن يكون مدركاً كل المشاعر التي يثيرها المعالج في المتعالج بدون أن يصبح مقيداً من خلال هذه المشاعر في تنمية المتعالج في سيرورة التعاطف مع ذاته. وهذا يعني أن المعالج المنسجم يجب ألاّ يشغل متعالجه بما يظنه عنه فعلاً، وإنما يعني أنه يستطيع جعل كل ردود فعله الانفعالية على المتعالج شعورية في كل وقت ويستخدمها من أجل فهم المتعالج بمفعول أن يتمكن المتعالج من مواصلة الشعور بمشاعره الذاتية ومناقشة معناها. وهذا المظهر سنعرضه بالأمثلة في الفصل الرابع.

وحسب التعريف فإنه لا الانسجام أو عدمه حالتان سهلتا الإدراك والتعبير المباشر ومع كل ذلك يجب أن يسعى المعالج باستمرار إلى مقدار عال من الانسجام. ويبدو أن هذا المطلب يمكن أن يقارن مع مطلب الأم من طفلها ((كن حباباً أو لطيفاً)) بدون أن يتمكن الطفل من رؤية أو الشعور بما يعنيه ((أن يكون حباباً)). وكمدخل إلى موضوعنا التالي نخمن أن الطفل يقترب من هذه المهمة التي تبدو غير قابلة للتذليل، أي ((أن يكون حباباً)) من خلال مراقبته الدقيقة متى يشعر بالسعادة، أي متى تلاقيه أمه بشكل جيد. أي أن الطفل يتعلم قراءة رضا الأم عليه من إحساسه الذاتي بالراحة.

وبطريقة مباشرة سوف يتمكن المعالج من التعرف من خلال ردود فعله الانفعالية الخاصة - وهذا بالنسبة للمعالج مقدار تقديره غير المشروط - فيما إذا كان منسجماً أم لا في اتصاله بالمتعالج. يستطيع المعالج الإحساس بدقة فيما إذا كانت قد دبت اللامبالاة أو التعب في مساعيه للتقدير غير المشروط تجاه متعالجه وبهذا يمكن وصف الانسجام على أنه مسعى المعالج في العلاقة العلاجية إلى التحكم غير المشوه بالمشاعر التي تسيطر عليه في الاتصال الراهن فعلاً بغض النظر عن مهمته العلاجية. وعادة ما تنشأ المشاعر التي يجب أن تدفع المعالج إلى اختبار انسجامه في العلاقة نفسها أو بدقة أكثر: في الاتصال المباشر مع المتعالج. فالمعالج يمكن مثلاً أن يشعر بالملل عندما يكرر المتعالج الحديث بإسهاب انفعالي حول خبرة ما، يعرف المعالج محتواها. ويمكن للمعالج أن يصبح غير صبور أو يشعر بالغضب أو التعصيب إذا  دار المتعالج ((في دائرة)) …الخ. إذا هي مشاعر مرتبطة بالموقف، تلك التي تقود المعالج إلى خطر أن يتحول إلى معالج غير منسجم، أي إلى كبت هذه المشاعر لصالح محاولة البقاء في حالة تقدير غير مشروط. إلاّ  أنه يمكن أيضاً أن تنمو في العلاقة مشاعر دائمة تسهم في تقرير الاتصالات اللاحقة كالنفور أو الاهتمام المترافق برغبات جنسية متزايدة الشدة تجاه المتعالج. وكل هذه المشاعر العابرة أو الدائمة تسهل أن يصبح المعالج غير منسجم أي أن يكون مُقَدِراً على الرغم من شعوره بالملل أو أن يكون متعاطفاً على الرغم من أنه مشغول بهواماته fantasy  الجنسية حول المتعالج.

فمساعي المعالج من أجل الانسجام تفيد إذا بصورة مباشرة من التمكن من إبداء التقدير غير المشروط والتجاوب معه عاطفياً.

لقد أصبح من الواضح أن عدم الانسجام كجزء من السيرورة العلاجية ليس حالة ساكنة وإنما هو عبارة عن سيرورة نشيطة في المعالج موجهة من المشاعر. أن ظهور عدم الانسجامIncongruence  يمكن وصفه على أنه حادث يتجه فيه الدفاع ضد مشاعر غير مرغوبة. بالإضافة إلى ذلك يتضح هنا ارتباط وظيفي آخر، ألا وهو الارتباط بين الانسجام والتعاطف. فالمعالج الذي ينشغل كثيراً بعدم إرادته لإدراك المشاعر غير المرغوبة أي الذي ينشغل بصدها، فإنه لن يمتلك إلاّ  إمكانية محدودة جداً في التلقي الرحب والكامل للخبرات التي يقدمها المتعالج له والتي تشكل أحد أهم الشروط للتفهم المتعاطف.

فلنتذكر في هذا المقام مبدئياً باختصار:

يؤثر انسجام المعالج على تقديره غير المشروط وعلى تعاطفه. يمكن للمعالج بل ويجب عليه أن يختبر من خلال مراقبة تطور تقديره غير المشروط أو فيما إذا كان يدرك لديه أي شكل من ميول الدفاع أو فيما إذا كان لا يلتقط مثلاً محتويات محددة للمتعالج لا يفهمها  أو لا يستطيع التخلص من مشاعر ذاتية محددة. ويمكن أن يحدث هذا الاختبار في المحادثة مع المتعالج عن طريق التعاطف الذاتي. وهذا لا يعني أنه يجب على المعالج الانشغال بِـضَـبط قَـلِـقٍ للذات. فإذا  كان كذلك أي إذا انشغل بشكل غالب مع مشاعره فإنه سيكون عندئذٍ في الموقف الذي يكف فيه المتعالج. ويتطلب هذا الموقف المتطرف تفسيراً عميقاً لا يمكن تحقيقه حسب الخبرة إلاّ  في الإشراف الذاتي supervision فقط.

عادة هناك دلائل بسيطة، ولكنها غالباً أكيدة إلى أنه على المعالج أن يقوم باختبار انسجامه. وغالباً ما يكتشف عنده ردود أفعال محددة لا تكون منسجمة مع التقدير العلاجي للمتعالج، كأن يشعر بالنعاس في الجلسات العلاجية على الرغم من أنه قد نام في الواقع فترة كافية وطويلة، أو عندما ينشرح صدره بشكل ملفت للنظر عندما يغادر المتعالج الغرفة أو عندما يؤجل جلسة ما. فضلاً عن ذلك يمكن للمعالج الاطمئنان للمتعالج - وذلك بمعنى الفرضيات الأساسية المطابقة للمعالجة النفسية بالمحادثة. وهذا يعطي المعالج في الواقع- بأشكال متنوعة - دلائل ينبغي أن تدفعه للبحث فيما إذا كان منسجماً في هذه العلاقة. على المعالج مثلاً أن يقلق عندما يكرر المتعالج دائماً الموضوع نفسه. ويمكن أن يكون أحد الأسباب الممكنة الكامنة خلف هذا السلوك للمتعالج أن المعالج قد أخمد مظاهر محددة في الإفصاح للمتعالج. أحياناً يخبر المتعالجون معالجيهم مباشرة بأنهم يشعرون أنهم غير مفهومين في نقطة ما. إلاّ  أن ذلك غالباً ما يحدث عندما تقوم علاقة علاجية مثمرة ومتقدمة. وغالباً ما تكون التلميحات التي يطلقها المتعالج غير مباشرة وغير قابلة للملاحظة إلاّ من خلال السلوك، كتعكر المزاج المفاجئ و غلبة تغيير الموضوع (" القفز ") والتناقضات بين للغة وسلوك التعبير. كل هذه الإشارات يمكن أن تكون أسبابها في عدم انسجام المعالج

 

 

لقد عالجنا حتى الآن الوجوه المختلفة لانسجام المعالجين والكيفية التي يمكن أن ينشأ فيها الانسجام الناقص والكيفية التي يمكن التعرف فيها على هذا النقص. إن السعي للانسجام وللتغلب على عدم الانسجام يخدم بالدرجة الأولى هدف تمهيد الطريق أمام التقدير غير المشروط للمتعالج من المعالج، ذلك أن التقدير لا يصبح ذو فاعلية علاجية إلاّ  عندما يكون التعبير اللفظي وغير اللفظي منسجماً مع ما يفكر فيه المعالج ويشعر به ((بالفعل)) بالعلاقة العلاجية مباشرة.

لقد تمركز محور تفكيرنا حول التأثير المتبادل للانسجام مع ((التقدير غير المشروط))، وقد اعتبرنا مقدار التقدير غير المشروط دليل لمقدار الانسجام وفهمنا الانسجام شرط لنمو التقدير غير المشروط. غير أن للانسجام كذلك علاقة واسعة بالتعاطف، أي له وظيفة داخل السيرورة العلاجية التي تطرقنا لها والتي سنوضحها فيما يلي.

وسنبدأ هذا العرض بمناقشة ممارسة علاجية منتشرة بصورة واسعة. إن الكثير من المعالجين النفسيين بالمحادثة يفهمون مطلب الانسجام باعتباره مطلباً للانتقال كمعالج بأكبر سرعة ممكنة إلى حالة الانسجام إذا  اكتشف المعالج علامات اللاانسجام عنده. وهذا يقود إلى أنه بمجرد أن يشعر المعالجون بالتعصيب من متعالجيهم يسارعون إلى مصارحتهم بلطف ولكن بحزم - وبالتالي إلى منع ذلك من الحدوث. مثال ((يقول المعالج: عندما أنصت إلى داخلي أرى أني غاضب بشكل ما. أعتقد أن مصدر ذلك هو أننا لا نتقدم بصورة ما وأننا ما زلنا في الموقع نفسه، همم، وأسأل نفسي فيما إذا كنت لا تشعر بشيء مشابه ؟!))

ويفسر المعالجون النفسيون بالمحادثة هذا الرأي بأنه ضروري لإبداء انسجامهم، من خلال عدم حجب غضبهم الذاتي عن متعالجيهم.

وما يزيد الطين بلة تفسيرهم لذلك على أنه عمل نموذجي لأنهم يتطرقون لشعور مباشر ينبغي للمتعالج تعلمه.

أو أنه يتم التعبير عن مثل تلك الآراء العلاجية من خلال إشارات مماثلة لسلوك المتعالج المتناقض باعتبارها ((مواجهة ضرورية)). ويحلو تفسير مثل تلك المواجهات من خلال وجود مواقف يجب أن تحتل فيها ((أصالة Echtheit = genuineness)) المعالج الأولوية تجاه التقدير غير المشروط، وكأنه يوجد سلوك منسجم للمعالج لا يتوافق مع التقدير غير المشروط. ومثل هذا النوع من التفكير والتصرف من المعالجين هو عادة تصرف ليس له علاقة بالمعالجة، بل أنه يقلب المعالجة رأساً على عقب، حيث يأمل المعالج من خلال مثل هذا النوع من  ((السبر الذاتي)) التخلص من الشعور المزعج وغير المرغوب و فوق ذلك يأمل من المعالج الدعم هنا بمعنى: أتشاركني غضبي[4] هذا ؟!.

إن التعامل المقبول علاجياً مع مثل هذه المواقف ينبع من اعتبار موقف المعالجة على أنه حدث تفاعلي. على المعالج أن يتصور أن مشاعره التي يدركها في ذاته على أنها غير مرغوبة، لأنه يريد أن يكون مؤثراً علاجياً، نابعة من علاقته بالمتعالج. فمهمته الأولى تتمثل إذا في فهم مشاعره انطلاقاً من علاقته الملموسة مع المتعالج ومن أجل الحصول من خلال ذلك على مدخل إلى النقص في التقدير غير المشروط لديه. إن هذا المدخل لن  يكون متيسراً له إلاّ  عندما يستوضح في الوقت نفسه عن الشيء الموجود في تعابير المتعالج الذي جعله يستجيب بتقدير ناقص، أي عندما يفهم  المتعالج أكثر. وهذا التفهم الموسع للمتعالج هو توسيع لتعاطف المتعالج. وعندئذ لا يمكن أن يكون التعبير اللفظي للمعالج تعبير عن الانفعال المزعج وإنما يصبح التعبير عن الشعور، عن الحالة الانفعالية التي تسيطر على المتعالج في هذه اللحظة والتي يستجيب لها المعالج بمشاعر الغضب والملل ….الخ.

وفي مثالنا يمكن أن يكون المتعالج في موقف انفعالي على نحو:

  n  أشعر أن المعالج لا يفهمني؛ أفتقد إلى شيء ما، ربما لم أعبر عن نفسي بشكل واضح.

  n  أريد أن اكتشف فيما إذا كان المعالج راضياً علي حتى عندما أزعجه

  n  أشعر بأني ممل؛ اعتقد أن المعالج يخدعني عندما يستمع إلى كل شيء بصبر ويبدو منصتاً اهتمام، إن ذلك يجعلني غاضباً

 n أرى أني لجوج وسريع الغضب، كما كانت أمي دائماً تقول، علي أن أدفع المعالج في هذا الاتجاه من أجل أن يتذمر مني كذلك، عندئذ لن أكون بمفردي في شعوري هذا.

 

إن التعابير التعاطفية للمعالج التي يستجيب فيها إلى مثل هذه المشاعر للمتعالج ليست سهلة، لأن مثل تلك المشاعر تنشأ من العلاقة وتمس نوع العلاقة.

كما وأن المعالج معرض لخطر التجاوب بقليل من التقدير، كالتجاوب بعتاب مع تعابير المريض مثلاً لأنها لا تثير لديه الشعور الذي يقف في وجه مشروع العلاقة الذي يطمح إليه فحسب وإنما لأنها يمكن أن تحتوي على نقد كامن له كمعالج نفسي.

وعندما يتمكن المعالج من التعامل بشكل مُقَدِر مع مثل هذه ((المهاجمات)) من قبل المتعالج، أي عندما يتمكن من فهم المتعالج ومن فهم نفسه في ردود فعله عليه ((يختفي)) الانفعال الأساسي وفي الحقيقة يعيش المعالج في مثل هذا الموقف الخبرات نفسها التي يعيشها المتعالج: إن فهم شعور لم يكن مفهوماً قبل ذلك يجعل هذا الشعور أكثر قابلية لأن يكون مقبولاً وبالتالي أكثر قابلية للاستخدام. المشاعر غير المفهومة هي الصعبة فقط. وينطبق هذا على المعالجين و المتعالجين بالمقدار نفسه. فإذا  فهم المعالج غضبه على المتعالج في مثالنا فلن يكون مضطراً إلى تحمل هذا الغضب أو نقله من خلال الإفصاح عنه أو من خلال أية ((عقوبة)) أخرى وإنما يستطيع استخدام هذا الفهم لفهم المتعالج بشكل أفضل.

وبهذا نكون قد وصفنا أهمية الانسجام للسيرورة التعاطفية:فمن خلال تراجع التقدير غير المشروط يستطيع المعالج إدراك وجود نقص في الانسجام لديه ويستطيع من خلال إيضاح مشاعره الذاتية في ردة فعل مباشرة على تعابير محددة للمتعالج أن يجد المدخل لمشاعر المتعالج التي بقيت خافية عليه في الإدراك الغامضunreflectize.

فلنلخص هذا العرض: الانسجام حسب روجرز هو الشرط الضروري الثالث إلى جانب التعاطف والتقدير غير المشروط من جهة المعالج من أجل إقامة علاقة مُساعِدة  علاجياً، إن عدم انسجام المعالج يعني حشد ميول الدفاع ضد المشاعر المرغوبة. إن تحليل عدم الانسجام يمكن أن يقود إلى وظيفة مزدوجة في سيرورة العلاج. ويتضح عدم الانسجام من خلال تبدل التقدير والتعاطف في الاتجاه غير المرغوب، وتقدم معالجة اللاانسجام للمعالج إمكانية فهم المتعالج بشكل أفضل وإزالة عدم الانسجام الذاتي ونقص التقدير.

ويشكل الانسجام هدفاً علاجياً يتمثل في أنه إذا استطاع المعالج لفترة طويلة أن يكون منسجماً بدرجة عالية في اتصاله مع المتعالج فهذا يعني أيضاً أنه يستطيع لفترة طويلة أن يكون مع المتعالج متعاطفاً ومُقَدِراً بدون شروط، وهذا يعني أن هدف المعالجة قد تحقق من خلال ذلك.

إن كل ما عرضناه حول إمكانية المعالج بالسعي ضمن السيرورة العلاجية المحددة للانسجام تستثني الإمكانية التي ذكرناها باختصار وهي أنه ألاّ يكون  بإمكان المعالج من خلال عصابه الخاص بمفرده اكتساب الوضوح في السيرورة العلاجية  من خلال تحليل الموقف الملموس بالمتعالج حول مشاعره الذاتية كشرط لاكتساب الوضوح حول المشاعر التي تسيطر على المتعالج.

 

خلاصــــــة

يبدو لنا أنه من المهم الاستنتاج أن عرضنا يدور في إطار الشروط التي صاغها روجرز في عام 1957 من أجل معالجة نفسية ناجحة ونؤكد على العلاقات الوظيفية لهذه الشروط مع بعضها بعضاً والتي نعتبر فيها المعالجة النفسية بالمحادثة حدثاً تفاعلياً ومشروعاً لعلاقة يعرضها المعالج على متعالجه: المعالج النفسي يبحث عن إنشاء علاقة بالمتعالج يمكن فيها أن يكون متعاطفاً ومقدرً ومنسجماً بدرجة عالية. وتعتبر المعالجة منتهية بمجرد انه يمكن المحافظة على هذه العلاقة لفترة زمنية طويلة، إذ أن هذا يعني في الوقت نفسه أن المتعالج يستطيع مواصلة العلاقة كما يقدمها له المعالج مع نفسه. فالمتعالج يكون عندئذ  قد تخلى عن حال عدم الانسجام: إنه يمتلك المدخل إلى المشاعر المسيطرة عليه ولمغزى هذه المشاعر

(تعاطف ذاتي). إنه يقبل ذاته ويحترم نفسه كشخص له قيمة (تقدير ذاتي) ويستطيع أن يوافق بين خبراته وذاته (انسجام ذاتي)، وبهذا يمكن النظر للسيرورة العلاجية النفسية بالمحادثة على أنها حادث يُعاد فيه المتعالج من العلاقة التي يملكها مع نفسه والتي يعيشها هو نفسه أو الآخرين أو كليهما معاً بصورة عاجزة وغير مرضية وقاسية rigid……الخ. إلى علاقة أخرى مشابهة للعلاقة المعروضة عليه من المعالج النفسي. ومن خلال هذا الوصف للمعالجة النفسية بالمحادثة نكون قد أجبنا عن السؤال حول الأهداف التي يملكها معالج نفسي لمتعالجه.

يحاول المعالج تحقيق تعديل المتعالج في هذا الاتجاه من خلال سعيه إلى ((تحقيق)) المتغيرات الأساسية العلاجية الثلاث المتمثلة في التعاطف والتقدير غير المشروط والانسجام، من خلال الاتصال مع المتعالج. ويُهدف في السيرورة العلاجية إلى إيضاح مسألة ما الذي يعيق المتعالج من إقامة علاقة مع ذاته من النوع التي يعرضها عليه المعالج النفسي، أي أن يكون في وضع التقدير غير المشروط والمنسجم والمتعاطف ذاتياً.

إن تعاطف المعالج يمكن فقط أن يصبح فعالاً أي أن ينمي التعاطف الذاتي للمتعالج عندما يكون مخصَبا بمقدار معين من التقدير غير المشروط والانسجام.

وليس التقدير والانسجام في العلاقة العلاجية عبارة عن نوعية إنسانية وإنما هي متغيرات علاجية ذات وظائف محددة. والتقدير والانسجام هما شرطان من أجل فاعلية التعاطف، والتعاطف والانسجام بدورهما يؤثران على إمكانات المعالج بأن يكون مُـقَدِراً.

إن تحليلنا لوظائف ولطريقة تأثير المتغيرات العلاجية الثلاث الأساس توضح أن متغيرات المعالجة، التعاطف والتقدير غير المشروط والانسجام ليس لها تأثير مباشر آخر غير التعديل الموصوف لعلاقة المتعالج مع ذاته. أمّا الأهداف العلاجية الأخرى الممكنة، كتخفيض الأعراض فهي غالباً ما تشكل محتوى توقعات المتعالج حول تأثير المعالجة ويغلب أن تكون موضوعاً لقياسات نجاح العلاج في الدراسات التجريبية وموضوعاً لنجاح المعالجة النفسية بالمحادثة. وسوف نتعرض لاحقاً لأهمية هذا التناقض والتعامل العلاجي معه. ويمكن تحديد وعد المعالج النفسي بالمحادثة لمتعالجه من خلال مقولة:

 

أساعدك في سعيك لمساعدة نفسك عدا عن ذلك لا أعدك بشيء

 

نهاية الفصل الأول



[1]الفلسفة الوضعية، فلسفة أوغست كونت التي تعنى بالوقائع والظواهر اليقينية فحسب مهملة كل تفكير تجريدي في الأسباب المطلقة.

[2] تكثر ((الروجزة)) و ((التوشنة)) أو حتى ((المنسلة)) في كل المواقف العلاجية الممكنة التي ليس لها أية علاقة بالمواقف العلاجية وينبغي أيضاً ألاّ يكون لها علاقة أصلاً. (الروجزة: نسبة إلى روجرز، والتوشنة: نسبة إلى تاوش والمنسلة: نسبة إلى مينسيل).

[3] وهنا أيضاً نجد في المراجع الألمانية تسميات أخرى مثل ((التقبل غير المحدود)). مينزل 1974.

[4] يمكن أن تقود مثل هذه التعابير في سياق موقف المعالجة ككل إلى تفاعل يشبه الارتباط المزدوج (فاتسلافيك، بيافين وياكسون، 1969)

1 ر

مجموعات Google
اشتراك في علشانك
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة

الجامعات الخاصة بمصر

بشرى لجميع حمله

الثانويةالعامه

ومايعادلها

فتح باب التقديم للجامعات الخاصه بمصر عبرنا في جميع الكليات وخاصه كليات القمه

معنا حلمك ان شاء الله يصبح حقيقه

بحر الكتب

كتب تربوية

كتب علم نفس

كتب فلسفه

كتب تاريخ

كتب اسلامية

كتب هندسية

كتب اقتصاد

كتب حاسب الي

كتب لادب الطفل

كتب الادب والشعر

كتب الروايه والقصه

كتب فنون

كتب متنوعه

تسجيل الدراسات

تسجيل الدبلومات

تسجيل الماجستير

تسجيل الدكتوراه

الجامعات الخاصه المصرية

التعليم عن بعد

الابحاث

عمل ابحاث

عمل خطط بحث

عمل وتنفيذ استبيانات

عمل احصاء

ابحاث منشوره

 

         
       
 

This Page is built by MWK3 Site Builder