مرحبا بكم

               

 
الرئيسية
تسجيل الدراسات
الترجمة
وسائط متعددة
أبحاث علمية
بحر الكتب
دبلومة إدارة مستشفيات
الدراسات السابقه
خدمات بالمجان
من نحن
مقالات ودراسات نفسيه
فوبيا "التفنيش" وقهر الاستعباد
كتب مجانيه
درسات ومقالات علم رالاجتماع
أبحاث طبيه
دبلومة إدارة الجودة الشاملة
الأدارة
علم الأدارة
الجودة الشاملة
ملخصات رسائل ماجستير إعلام

دورات تدريبة للتربية الخاصة والتخاطب

ملخصات رسائل دكتوراه

ملخصات رسائل ماجستير

Ãæá ãÍÑß ÈÍË ÅáßÊÑæäí ãÊÎÕÕ ÈÇáÊÓæíÞ æÇáÊÑæíÌ ÇáÓíÇÍí
ááÇÔÊÑÇß Ýí ÎÏãÉ ÇáÊÈÇÏá ÇáÅÚáÇäí ãä ÇáÓæÞ

جامعة القاهرة

 

1.-2. العلاج النفسي في النظام الصحي

1.- 2.-1. ما الذي يستطيع العلاج النفسي الإسهام
  به في الرعاية الصحية؟

 

يختلف العلاج النفسي عن طرق العلاج الأخرى من خلال استخدامه للوسائل النفسية من أجل تحقيق أهدافه. ويعرَّف العلاج النفسي من خلال أسلوبه وليس من خلال مجال استخداماته. فالاضطرابات و الأمراض النفسية الجسدية تشكل بلا شك المجال الرئيسي لاستخداماته. غير أنه يزداد استخدام الطرق النفسية بصورة مطردة في الاضطرابات العضوية الخالصة – بشكل مترافق مع الإجراءات الطبية.     وعليه فهي تسهم بشكل جوهري في نجاح العلاج في عمليات القلب ونقل الأعضاء والديلزة والمعاناة من الحوادث والروماتيزم ومعالجة حالات الألم وما يشبه ذلك على سبيل المثال ( راجع مثلاً Höfling, 1988; Speidel, & Strauss, 1992a ). كما وأن حدود مجال الاستخدام في مجال المعبر بين الصحة والمرض أكثر مطاطية. فعدد الناس الذين يذهبون للعلاج النفسي دون أن يشعروا بأنهم مرضى أو مضطربون بالمعنى الفعلي يزداد باستمرار. حتى أنه يطلب من المعالجين النفسين أنفسهم أن يجروا " علاجاً ذاتياً " كجزء من تأهيلهم. وبالمقدار نفسه الذي لا نستطيع فيه كثيراً تعريف العلاج النفسي من خلال مجال استخداماته فإننا لا نستطيع تعريفه كذلك من خلال أهدافه. إذ يظهر استخدامه الغالب منذ زمن فيما يسمى بالمجال السوي أن الأمر لا يتعلق دائماً "بالشفاء" بالمعنى الحقيقي للكلمة. فهل مازال من المفيد هنا عموماً الحديث عن العلاج النفسي؟ ومن ناحية أخرى فإن ما يتم إجراؤه في هذا أو ذاك المجال من الاستخدام هو في النهاية نفسه. فالمستخدمون والطرق المستخدمة متطابقون لمدى بعيد، سواء تعلق الأمر بالاستخدام في المجال السوي أم بمجال المرض.

ويحاول المشرعون ومؤسسات التأمين الصحي تحديد العلاج النفسي عن الإرشاد النفسي.ويعتبرون الأول خاص بالاضطرابات ذات القيمة المرضية والثاني بالمشكلات في المجال السوي. ولكن أين هي الحدود؟ فعندما يفقد أحدهم الرغبة بكل شيء في أزمة حياتية ويفقد الشهية ولا ينام جيداً ولا يشعر بالراحة ويذهب بهذه الشكاوى إلى الطبيب فإنه لا يوجد منذ البداية أي شك بأن صندوق التأمين الصحي سيدفع التكاليف العلاجية. وفي نظامنا الصحي الراهن  من المحتمل جداً أن يحصل هذا "المريض" على أدوية كالمهدئات ومضادات الاكتئاب والمنومات وما يشبه ذلك. ومما لاشك فيه منذ البدء بأن اضطراباته ذات "قيمة مرضية". فإذا ما راجع الشخص نفسه في الموقف نفسه بالمقابل المتخصص النفسي من أجل العلاج النفسي فسوف تتحول الاضطرابات نفسها إلى تضررات في صحته نتيجة مشكلات حياتية "طبيعية" و على المريض الذي يتحول من خلال ذلك إلى "متعالج Client " أن يتحمل وحده تكاليف العلاج. وليست المشكلة بحد ذاتها وإنما الإتيكيت أو اللقب الذي يلصَق به والشخصان اللذان يلصقان هذا اللقب هما اللذان يقرران جداً في نظامنا الصحي كيفية التعامل مع مشكلة ما. وفي مثالنا فإنه يخمن أنه من الأفضل بالنسبة للمعني إذا ما قدم له شخص متخصص المساعدة النفسية من أجل التغلب على أزمته الحياتية عوضاً عن تجرعه المهدئات و المنومات إلى أن يتغلب على مشكلته الحياتية بطريقة أو بأخرى - أو حتى لا يتغلب - دون مثل هذه المساعدة المتخصصة. وسوف لن يكون الأول الذي لن يستطيع التخلص من هذه الأدوية ويبقى متعلقاً بها بشكل دائم. ولا يقود نظامنا الصحي ذو التوجه العلاجي الخالص إلى تكاليف لا يمكن تعويضها بالنسبة لملايين الناس فيما يتعلق بنوعية الحياة الضائعة منهم لسنوات بصورة لم تكن ضرورية فحسب وإنما يقود أيضاً بالنسبة للمجتمع إلى تكاليف اقتصادية هائلة (Meyer et al., 1991). وسوف لن يكون من المجدي البحث عن الذنب الرئيسي لدى الطبيب الفرد، الذي يلصق في مثل هذه الحال اللقب المناسب ويصف الأدوية. فالنظام مبرمج كقانون بشكل خاطئ. إن غرف الانتظار عند الأطباء العامين وأطباء الداخلية .…الخ ممتلئة بالمراجعين الذين قاموا بتلقيب أنفسهم وفق قواعد مجتمعنا. و 25% حتى 30% من المرضى ككل الذين يراجعون العيادات العامة يعانون طبقاً لنتائج الدراسات الجائحية epidemiological من اضطرابات نفسية ويحتاجون إلى العلاج النفسي Zintl-Wiegand et al.,1980; Meyer et al. 1991) على سبيل المثال ( غير أنهم يلجؤون بأعراض ما إلى الطبيب لأنه بطاقة الدخول المعترف بها اجتماعياً إلى دور المريض و لأنهم يعالجون عندئذ وفقاً لهذه الأعراض.

لقد أظهرت دراسات جائحية مختلفة بأن المرضى الذين يعانون  اضطرابات نفسية تحتاج للمعالجة يراجعون دائماً تقريباً في البداية الطبيب العام وهناك غالباً ما يتم تشخيصهم وعلاجهم طبياً لسنوات عدة

(MEYER, et al. , 1991). و وفق دراسة لشابيرو وآخرون    (Shapiro, 1948 )فإن 18 % فقط من المرضى باضطرابات نفسية يلجؤون إلى الطبيب النفسي أو المتخصص النفسي مباشرة وأن 70% بالمقابل يلجئون إلى الطبيب العام. وفي دراسة لبوتولو وهوفلنغ (Botollo & Höfling , 1984) على مرضى يعانون من حالات قلق مزمنة بلغت النسب المئوية المطابقة 9 مقابل 51%. وفي دراسة مجراة بعناية على عينة ممثلة بلغ عددها 600 مواطن من مدينة مانهايم وجد شيبانك ( Schepank, 1987 ) نسبة بلغت 26% يعانون من تضررات نفسية شديدة بحيث تم تقويمها من الفاحص بأنها بحاجة للمعالجة. و يمكن اعتبار هذا التقدير بالنسبة للأوضاع في المحيط الناطق بالألمانية موثوق بحق للتكرار الأساسي للاضطرابات النفسية التي تحتاج إلى المعالجة. إلا أن 5% فقط من المفحوصين قد لجؤوا من أنفسهم خلال 3 سنوات بعد الاستبيان الأول إلى طبيب نفسي أو عصبي أو متخصص نفسي. ووفق دراسات أخرى ( مثال Reimer et al., 1979 ) يستمر الوضع في المتوسط حوالي 6 حتى 7 سنوات إلى أن يصل مريض ما يعاني من اضطرابات نفسية المنشأ محتاجة للمعالجة أخيراً إلى متخصص في هذا المجال (أنظر كذلك Meyer et al., 1991 ). مع العلم أن النسب المئوية المذكورة لا تشتمل على أولئك المرضى الذين يصبحون مرضى نتيجة الظروف الحياتية المرهقة، أي الذين يفترض في الحقيقة أن يتعلق الأمر لديهم بالدرجة الأولى بمساعدتهم بالتعامل مع الإرهاقات بشكل أفضل أو على التخلص منها، فالإقدام على إجراء مثل هذه التعديلات في أسلوب الحياة والمرافقة في ذلك بشكل داعم، يعد مجال استخدام جوهري للطرق التأثيرية أو التدخلية intervention التي نلخصها في مجموعها هنا للتبسيط تحت مصطلح "العلاج النفسي". فهذا النوع من المرضى لا يعالج على الإطلاق أو لن يعالج نفسياً في أقرب فرصة كما يفترض في الواقع أن يكون.

و المعالجة النفسية المبكرة سوف لن توفر على المريض المعني سنوات من المعاناة غير اللازمة فحسب وإنما ستوفر كذلك على المجتمع ككل مصاريف غير عادية. فقد أظهرت تحليلات التكاليف والفوائد فيما يتعلق باستخدام المعالجة النفسية بأن تكرار مراجعة العيادات الطبية بعد المعالجة النفسية على المدى البعيد أقل بصورة جوهرية مما هو الأمر عليه دون معالجة نفسية وبالتالي فإن المصاريف التي يتم توفيرها من خلال ذلك تفوق مصاريف إجراء معالجة نفسية لأبعد حد ( مثال Bühringer & Hahlweg, 1988; Zielke, 1989). وليس هذا مجرد أمل غامض وإنما توجد أرقام مبرهنة جيداً. فقد تمت على سبيل المثال في دراسة لفوليت وآخرين (Follette et al., 1967) مقارنة اللجوء إلى المرافق الطبية لدى 152 مريض باضطرابات نفسية قبل وبعد المعالجة النفسية. فجلسة علاجية نفسية واحدة كانت كافية لتخفيض استهلاك الأدوية و مراجعات الطبيب في السنوات الخمس بعد المعالجة بنسبة 60%، و المعالجة النفسية المختصرة نسبياً ( بين الجلسة و33 جلسة) قادت إلى تخفيض بلغت نسبته 75%. ومقارنة بعينة ضابطة من المرضى غير المعالجين ارتفعت بالمقابل نسبة مراجعة المرافق الطبية في الفترة نفسها. و وتبرز هذه الدراسة ضمن عدد أكبر من الدراسات، التي تصل كلها من حيث المبدأ إلى نتيجة قابلة للمقارنة بسبب طول فترة الدراسة. فقد درس مثلاً كل من روزين وفينس (Rosen & Wiens, 1979) فترة بلغت 12 شهراً قبل وبعد المعالجة النفسية. ففي حين أنه لدى مرضى المجموعة الضابطة التي عولجت طبياً فقط،لم يتم  إيجاد أي تغير في الحالة الصحية تحسنت الحالة الصحية للمرضى المعالجين نفسياً بصورة كبيرة جداً. وطبقاً لذلك انخفضت مراجعاتهم للمرافق الطبية مقارنة بالعينة الضابطة بنسبة 69%. وخلال فترة ملاحظة استمرت ستة أشهر قبل وبعد المعالجة النفسية لاحظ لونغوباردي (Longobardi, 1981)  وجود انخفاض في مراجعة المرافق الطبية بنسبة 64% لدى مرضى كانوا قد عولجوا نفسياً. كما واستنتج غونيك وآخرون (Gonik et al., 1981) أنه قد بلغت فترة دخول المرضى العصابيون و النفسجسديون إلى المستشفى بعد مرور سنتين من انتهاء المعالجة النفسية ستة أيام في المتوسط فقط، في حين أن القيمة المقابلة لدى عينة ضابطة قد فاقت أحد عشر يوماً.

وفي هذه الأثناء قمنا في معهد علم النفس في بيرن بإجراء تحليل بعدي منهجي لنتائج الدراسات المتخصصة بتأثير الخدمات النفسية على ازدياد مصاريف الخدمات الطبية ( Baltensberger, 1993 ). ووفقاً لذلك فقد قادت التأثيرات النفسية المدروسة إلى تخفيض لاستخدام الخدمات الطبية بنسبة 35% في المتوسط. ومن الفرق بين المصاريف المطلقة للخدمات الطبية والنفسية ظهر توفير جوهري للمصاريف الصافية في كل حالة معالجة. وسوف نقوم في الفصل الثاني بتقديم معطيات ملموسة أكثر حول ذلك. ومن هنا فإن الأمر ليس عبارة عن أحلام تمنيات من المتخصصين النفسانيين وإنما واقع حقيقي، يتمثل في أن الاستغلال المتزايد للإمكانات العلاجية النفسية  في المكان الذي أثبتت فيه هذه الإمكانات  نفسها حسب نتائج الدراسات العلمية، سوف يوفر  النقود أولاً بدلاً من أن تكون مكلفة.

وتسند الأرقام المذكورة حتى الآن على المعالجات النفسية فقط بالمقارنة مع المعالجات الطبية الخالصة وكبديل لها. غير أن المعالجات النفسية والطبية لا تقفان دائماً مقابل بعضهما كبديلين ينفي أحدهما الآخر. وإنما ‎‎ظهر أنه في الاضطرابات النفسية الجسدية بشكل خاص يكون التوليف بين المعالجات النفسية وبين المعالجة الطبية المناسبة في الوقت نفسه مفيد. وهنا كذلك في هذا الشكل من الاستخدام يمكن للعلاج النفسي أن يسهم في تخفيض شديد للمصاريف. فقد وجد كل من كوخ (Koch, 1979 ) و كاتالان وآخرون (Catalan et al., 1984)  وروبسون وفرانس وبلاند (Robson, France & Bland, 1984) على سبيل المثال انخفاض كبير في وصف الأدوية إذا ما عمل الطبيب العام مع متخصص نفساني عيادي.

وعلى الرغم من الأرقام المثيرة للانطباع إلى حد ما والتي وجدت في الدراسات المذكورة فإنها تعني أيضاً التقليل الشديد من قيمة التوفير الحقيقي للمصاريف. ذلك أن الأرقام تستند إلى المصاريف العلاجية الطبية فقط بالمعنى الضيق. وفي الواقع لابد أن تؤخذ عوامل أخرى بالحسبان من أجل التقدير الحقيقي للمصاريف التي تسببها حالات المرض بالنسبة للاقتصاد على نحو التعطل عن العمل والتقاعد المبكر… الخ. وقد قام ديتير (Deter, 1986)  بإجراء تحليل شامل للمصاريف والفوائد يشتمل على مثل تلك التكاليف الاجتماعية بالمعنى الواسع بالنسبة لمجموعة خاصة من مرضى الربو. فحسب معطيات صندوق الضمان الصحي العام في جمهورية ألمانيا الاتحادية بلغت التكاليف الناجمة عن التعطل المؤقت عن العمل من خلال التقارير الطبية بالنسبة ل 23591 مريض بالربو وحدها 12,7 ملايين مارك.  وخلال سنة قدمت طلبات من 2387 مريض من أجل التقاعد المبكر. وعادة ما لا يأخذ التأمين الصحي هذه التكاليف الباهظة جداً بالنسبة للاقتصاد ككل بعين الاعتبار، عندما يقوم بحساب تكلفة إصدار تراخيص جديدة للمعالجين النفسيين، ذلك أن صندوق التأمين الصحي لا يدفع هذه التكاليف وإنما تُدفع من قبل  مصادر أخرى ( كأرباب العمل وصندوق التقاعد). وبشكل عام يتوصل ديتير في حساباته إلى توفير مقداره 9075 مارك لكل مريض إذا ما تمت معالجة مريض الربو طبياً و نفسياً في الوقت نفسه. وهذا هو المبلغ الحقيقي الذي يجب أن تحسب مقابله تكاليف المعالجة النفسية. وعندما تتجاوز تكاليف العلاج النفسي مبلغ 9075 ماركاً يمكن للقيام بمعالجة نفسية إضافية أن يكلف بالفعل شيئاً بدلاً من التوفير. وفي دراسة أخرى مضبوطة حول الفاعلية (Deter, 1989) أمكن إجراء مقارنة مباشرة للتكاليف بالنسبة للمعالجة الطبية فقط أو للمعالجة الطبية و النفسية لمرضى الربو. فقد بلفت تكاليف المعالجة النفسية بالمجموعات ككل 1951 ماركاً (تكاليف علاج وسفر المرضى والغياب عن العمل بسبب العلاج ). وبلغ التوفير الذي تم حسابه بصورة محافظة جداً 7858 ماركاً. أي أن العلاج قد قاد إلى توفير صاف مقداره 5907 ماركاً لكل مريض بالربو. وهذا ليس توهماً وإنما صورة من العلاج الواقعي لمرضى الربو في النصف الثاني من الثمانينات في هايديلبيرغ.

وكل هذه التحليلات للتكاليف والفوائد محسوبة بالمارك والبفينيج[2]، أما المعاناة غير الضرورية التي تلحق بالكثير من خلال البنى الراهنة لنظامنا الصحي والسنوات المديدة من المعالجة غير المثمرة بطرق غير مناسبة والتضررات الملحقة بنوعية الحياة فهذه لا يمكن حسابها بالمال. ولكن من السخرية بمكان عدم إدخال الربح الذي يمكن تحقيقه في نوعية الحياة من خلال المعالجة النفسية المبكرة في الحسابات الكلية للتكاليف والفوائد، فالنظام الصحي لا يخدم في النهاية إلا قيمة معنوية، ألا وهي صحة الإنسان الفرد. وبهذا المعنى فإنه يصعب تقبل الأمر عندما يمتنع الضمان الصحي عن تمويل العلاج النفسي بحجة أن التوفير المتوقع للتكاليف الذي يمكن تحقيقه من خلال العلاج النفسي المستنتج من الدراسات العلمية لا يمكن تحقيقه في الواقع، لأن الخدمات الطبية -التي كانت ستزول بذلك- سوف تضطر، من جانب الأطباء،  للتعويض من أجل ضمان دخلها من خلال تقديم خدمات إضافية أخرى. وحتى لو كان الأمر كذلك - والذي يعني إقفال أغلب الأبواب في وجه العلاج النفسي - فهل يكون هذا سبباً قاطعاً لترك ملايين الناس تحت معاناة غير لازمة من خلال منعهم من الحصول على مساعدة فاعلة مراعاة للمصالح المالية لمجموعة مهنية معينة؟ فلمن يقدم نظامنا الصحي خدماته؟، وما هي المصالح ذات الأولوية : مصالح المتعالجين أم المعالجين ؟ فعندما يتحول  حساب التكاليف والفوائد في النظام الصحي الذي يمثل هدفه المعنوي الحقيقي تحسين الحالة الصحية للمتعالجين، إلى حساب للموارد التي يحققها للمعالج  والتكاليف التي يتكلفها الضمان الصحي فقط، فإن شذوذ نظامنا الصحي سيكون عندئذ كاملاً. فإذا ما تعقبنا الحجج التي تطرحها بعض روابط الأطباء و ممثلو مؤسسات الضمان الصحي و مسؤولو الصحة لإعاقة توسيع الخدمات النفسية من خلال الاعتراف الرسمي بالنفسانيين كمهنة مُساعَدة – تشكل النقاشات حول نتائج " تقرير بحث حول قضية قانون للعلاج النفسي" بتكليف من الحكومة الألمانية (Meyer et al., 1991) تمثيلية استعراضية لذلك -، عندئذ لا تبدو هذه الحالة الوهمية بعيدة جداً. إلاّ أن النظام الصحي الذي تستخدم فيه راحة المرضى ذريعة من أجل تحقيق مصالحه المادية فقط لن يستطيع لفترة طويلة ستر حاجته الجذرية للإصلاح. وليس في كل مرة تسلم الجرة.

لا بد للمرء في نظامنا الصحي  أن يكون مريضاً بحق كي يتمتع بعلاج نفسي ممول أو مدعوم من الضمان الصحي. وكثير جداً ما لا يتم النظر للعلاج النفسي إلا بعد استنفاذ الإمكانات العلاجية الأخرى وبقائها دون نجاح. وحتى هذه التكاليف يمكن توفير قسم كبير منها إذا ما تم في تلك الأمراض التي يعد فيها العلاج النفسي فاعلاً ( مستطبب Indicate ) التدخل بالعلاج النفسي في الوقت المناسب. إلاّ أن الوقت المناسب يعني في غالبية الحالات وجود مشكلات حياتية وليس "اضطرابات ذات قيمة مرضية". و عندما تفكر صناديق الضمان الصحي ووزارات الصحة في العلاج النفسي ترى نفسها مقبلة على وابل من التكاليف.وبالنسبة لها فإن توسيع المعالجات النفسية يعني توسعاً لدليل الحسابات ومحيط متلقي الخدمات. وهذا خوف تقليدي للنظام داخل نظامنا الصحي، الموجه نحو " إزالة الاضطرابات". غير أنه ضمن نظام صحي يسعى إلى التنمية الشاملة لصحة جسمية ونفسية جيدة قدر الإمكان، تشكل طرق التدخل أو التأثير النفسية المبكرة الوسيلة الوقائية الأهم من أجل تنمية نوعية أعلى للحياة بشكل عام والإبقاء على تكاليف الإجراءات العلاجية منخفضة قدر الإمكان.

وعندما نغض النظر عن الوجوه المادية تظهر  الدراسات المذكورة بأن صحة الإنسان المتضررة جسدياً ونفسياً يمكن تحسينها بشكل كبير من خلال العلاج النفسي. وقد قدمت نتائج دراساتنا حول فاعليات طرائق العلاج منفردة في صور الاضطرابات المختلفة براهين أكثر إقناعاً. غير أنه في نظام رعايتنا الصحي الراهن لا يستخدم العلاج النفسي، هذا إذا ما استخدم، إلا في وقت متأخر وبشكل نادر جداً. فالاستخدام المبكر والأكثر انتشاراً لطرق العلاج النفسي يمكن أن يقدم إذاً فاعلية و فائدة اقتصادية كلية أعلى بكثير مما هو محقق اليوم. وهنا تشكل تحليلات الفوائد والتكاليف المجراة دعماً للإمكانات.  إنها تستند إلى الإمداد العلاجي النفسي في نوعيته الراهنة. و النتائج المذكورة في هذا الكتاب تشير بأن نوعية الإمداد العلاجي النفسي يمكن تحسينها أيضاً بشكل كبير لو تمت  معالجة الاضطرابات المعنية بتلك الطرق التي أثبتت بشكل خاص فاعليتها بالفعل بالنسبة لتلك الاضطرابات بشكل أكبر مما هو عليه الأمر اليوم. إن رفع النوعية الضمن علاجية نفسية intra-psychotherapeutic والتي تشكل موضوع كتابنا يمكنها أن تحسن فاعلية وتكاليف العلاج النفسي فوق النسبة المذكورة على أساس من تحليلات الفوائد والتكاليف بدرجة كبيرة. وينطبق هذا على صحة ونوعية حياة المواطنين وعلى الاقتصاد أيضاً. فازدياد العلاج النفسي لن يكلف أكثر بصورة مباشرة بل على العكس سوف يوفر أموالاً تصرف لإغراض أخرى.

لن يتحول نظامنا الصحي بين ليلة وضحاها من نظام صحي يقتصر تقريباً على العلاج إلى نظام صحي وقائي في توجهه. ومن غير المجدي انتظار هذا اليوم من أجل تغيير سوء الحال المذكور. والتحول من نظام إلى آخر لا يمكن أن يتم إلا خطوة فخطوة والخطوات الممكنة الآن لابد من المضي فيها كي تصبح الخطوات التالية ممكنة.

ويمكن لإعادة تقويم طرق التأثير النفسية أن تشكل خطوة مهمة على هذا الطريق. غير أن إعادة التقويم هذه لا تمس بأي شكل من الأشكال تمويل العلاج النفسي فقط وإنما مجموعة كاملة من ضروب نظامنا الصحي والتأهيلي، حتى ضمن مجال العلاج النفسي ذاته، التي تعيق الاستخدام الأمثل لهذه الطرق.

 

 


1.- 2.-2.- من المسموح له ومن عليه القيام بالعلاج النفسي

يعرَّف العلاج النفسي من خلال استخدام طرق التأثير النفسية. والمنطق الإنساني السليم يفترض أنه لابد من أجل الاستخدام المتخصص لطرق التأثير النفسية من توفر معرفة جيدة قدر الإمكان بالوظيفة النفسية السوية والمضطربة؛ كيف تنمو وتتعدل الاتجاهات والقيم والدوافع والمعارف والمهارات والعادات وأنماط الارتكاس الانفعالية ؟ ما هي أشكال ارتكاس الجهاز النفسي التي تتجلى في مواقف الصراع أو  الإرهاق أو  الخسارة الشديدة، وكيف يمكن التأثير في هذه الأنماط من الارتكاسات؟ كيف يرتبط الإدراك والتفكير والمشاعر بعضه مع بعض؟ هل يمكن التأثير بأحدها من خلال التأثير بالآخر ؟ كيف تتغير المجريات النفسية لدى إنسان يكون في حالة قلق؟ كيف تتعامل العمليات النفسية الشعورية و اللاشعورية مع بعضها، وما هي إمكانات التأثير الموجودة من عملية لأخرى ؟ ما هو الفرق بين المحادثة العلاجية والمحادثة العادية اليومية؟ ما الذي يمكنه فيها أن يقود إلى فاعلية علاجية وما هي الطريقة و ما هي هذه التأثيرات العلاجية؟. كيف يمكن لنوع محدد من إدارة المحادثة أن يمتلك تأثيرات واسعة المدى على الوظيفة النفسية ؟ ما الذي لا يمكن تعديله من خلال المحادثات، وما هي إمكانات التأثير النفسية البديلة الموجودة؟

هذه الأسئلة وأسئلة أخرى كثيرة تشكل موضوع الدراسة في علم النفس. وفي التوجه نحو الدراسة في علم النفس العيادي يتم إكمال معالجة هذه المسائل من خلال مدخل أساسي في علم نفس الاضطرابات النفسية منفردة: كيف تتغير العمليات المذكورة أعلاه في الاكتئابات وحالات القلق والقسر والفصامات والكحولية…الخ. ما هي طرق التأثير النفسية التي أثبتت نفسها في الاضطرابات المعنية، ما الذي لابد من مراعاته في أثناء تطبيقها، و أيتها التي ثبت أنها غير قابلة للاستخدام …الخ.

وحول ذلك كله لا يعرف الطبيب ( للأسف ) خلال الدراسة العادية للطب أي شيء تقريباً. وهو بعد حصوله على الترخيص كطبيب غير معد في العادة لإجراء المعالجات النفسية بشكل أفضل بكثير من المحامي أو التربوي أو رجل الدين. ومن المؤكد أن الطبيب الفرد مثله مثل أي مجموعة مهنية أخرى قادر على امتلاك شروط شخصية جيدة بالنسبة لمهنة المعالج النفسي. غير أن ما ينقصه بصورة كاملة تقريباً هو التأهيل المتخصص بعد تخرجه من الدراسة العادية للطب. والنسبة الضئيلة نسبياً من الأطباء الذين يقومون بعد تخرجهم من الطب بإجراء تأهيل علاجي نفسي إضافي، لا يخبرون شيئاً تقريباً حول ما الذي وجد في علم النفس حول الوظيفة النفسية المضطربة للإنسان. فالبنى القائمة تقود غالبية الأطباء ذوي الاهتمامات النفسية إلى التأهيل العلاجي التحليلي وفي هذا النوع من التأهيل لا يلعب مستوى المعرفة حول علم النفس ذي التوجه الإمبيريقي (الميداني empirical ) أي دور على الإطلاق تقريباً. والقيام بتأهيل علاجي نفسي في إحدى المدارس العلاجية التي تعتبر نفسها مستقلة بصرح نظري خاص، والتي لا تستند إلى مستوى المعرفة في علم النفس الإمبيريقي تحمي المعالج الطبي الطالب من إدراك النقص الذي يمتلكه مقابل المتخصص النفسي في المرحلة نفسها من التأهيل. وينتج عن ذلك خلط تعيس بين الانتماء المدرسي العلاجي والمهنة. فالأطباء يقومون في جزء كبير جداً بإجراء تأهيل تحليلي نفسي –هذا إذا ما أجروا تأهيلاً علاجياً- وبالتحديد لأن التحليل النفسي لا يتطلب مراعاة مستوى المعرفة في علم النفس ذي الاتجاه الإمبيريقي في حين أن المتخصصين النفسيين بالمقابل يجرون في غالبيتهم تأهيلاً علاجياً سلوكياً أو متمركزاً حول المتعالج .وكل منهما – أي العلاج السلوكي والمتمركز حول المتعالج-  يستند أكثر بكثير من التحليل النفسي على مستوى المعرفة الراهنة المحققة في علم النفس.

ويقود هذا الخلط بين المهنة و التوجه العلاجي إلى أن المتخصصين النفسيين يجرون في المتوسط العلاج النفسي بشكل أنجع من الأطباء ذلك أن أشكال المعالجات التي يتم تأهيل غالبية المتخصصين النفسيين فيها أكثر فاعلية في المتوسط من المعالجة التحليلية وذلك في مجال واسع من الاضطرابات النفسية والنفسية الجسدية. ولابد من رؤية هذه الحقيقة، التي من مصلحة  الأطباء أن يغطوها بشدة، ضمن إطار سياق شامل لا يوجد وعي له حتى الآن. فأسياد العلاج النفسي العلمي منذ زمن بعيد هم المتخصصون النفسيون بالدرجة الأولى وليس الأطباء. و للمرة الأولى تقدم لنا الدراسات التي أجريناها أرقاماً مؤكدة بشكل جيد يصعب الحصول عليها بطرق أخرى: فمن كل دراسات العلاج النفسي المضبوطة المجراة على عينات عيادية بين عامي 1936 و 1983 نفذت 67% من قبل المتخصصين النفسيين أو بمشاركة رئيسية لهم و 30% من الأطباء و 3% من أفراد مجموعات مهنية أخرى. وتستند هذه النسب المئوية على باحثين من الدراسات العلاجية النفسية العيادية فقط. أما نسبة المتخصصين النفسيين بالنسبة للعدد الأكبر من ذلك بكثير للدراسات العلاجية غير العيادية فتقع أعلى من ذلك بكثير. إذاً فالبحث العلاجي النفسي و البحث العلاجي النفسي العيادي هو منذ القدم في جزء كبير منه من اختصاص المتخصصين النفسيين. والنسبة شبيهة بما يتعلق بالممارسة العلاجية. ففي أل 897 دراسة عيادية علاجية التي قمنا بها كانت نسبة المعالجين الذين يقومون بالمعالجة 54% متخصصين نفسيين و 23% أطباء و 23 % من مجموعات مهنية أخرى.  فنسبة المتخصصين النفسيين الذين يمارسون العلاج النفسي - وهنا أخذنا بعين الاعتبار العلاج النفسي المجرى لأغراض الشفاء فقط- ضعف الأطباء تقريباً، على الأقل فيما يتعلق بالاشتغال العلمي و ممارسة العلاج النفسي.

وبالتالي فإن المتخصصين النفسيين في المتوسط مؤهلون بشكل أفضل بكثير من الأطباء. فهم الذين درسوا بشكل أساسي استخدام العلاج النفسي بشكل علمي للأغراض الشفائية و يمارسونه في غالبيتهم ؛ ويقومون في المتوسط بعلاجات أكثر فاعلية من الأطباء.

ومن الفوضى اللامعقولة لنظامنا الصحي أنه على الرغم من كل ذلك تطالب روابط الأطباء بأن تكون المسؤولة قيادياً عن العلاج النفسي. وبالفعل فوقاحة اتحاد نقابات الأطباء لجمهورية ألمانيا الاتحادية في عام 1993 جعلته يطالب أنه حتى التأهيل في العلاج السلوكي الذي تم تطويره عملياً من قبل علماء النفس يجب ألاّ يتم الاعتراف به إلاّ إذا كانت إدارته للأطباء. بل أن روابط الأطباء تطالب بكل جدية بعدم السماح بإجراء المعالجات النفسية من قبل المتخصصين النفسيين الذين هم أكثر كفاءة في هذا المجال إلا تحت مسؤولية طبيب متخصص وألا يسمح بالعمل العلاجي النفسي إلاّ إذا "فوُّض" العلاج من قبل طبيب.

إن التباعد الهائل بين الكفاءة التخصصية الحقيقية و مطلب النفوذ النقابي لا يمكنه الاستمرار أيضاً من قبل اللوبي المؤثر. فتحت ضغط الظروف الواقعية نشأت في عدة دول أوروبية مؤخراً تنظيمات قانونية لمهنة المعالجين النفسيين المتخصصين بعلم النفسي أو أنها الآن في طور التأسيس. إلا أنه يتعلق الأمر في التنظيمات المدخلة الآن بشكل غالب فقط حول ملاءمة متأخرة للقانون مع الظروف التي كانت قد تغيرت في الواقع مع المحافظة القصوى على المكاسب النقابية والتقليل من التكاليف. ولا يتعلق الأمر في الواقع بتحسين نوعية الإمداد النفسي العلاجي، إذ أنه لو كان الأمر كذلك لطلب المرء من كل من يحق له ممارسة العلاج النفسي نفس المتطلبات التأهيلية العالية قدر الإمكان. ولكن في الوقت الراهن ليس هذا هو الحال. فالطبيب سوف يبقى وفق التنظيم الحالي في نهاية تأهيله العلاجي في المتوسط أسوأ بكثير من المتخصص النفسي من الناحية التأهيلية.

ومما لاشك فيه فإن المسائل المثارة هنا ترتبط بعلاقة أخرى مهدد فيها الوعي بالضياع في المناقشات السياسية المهنية الراهنة. فالصراع النقابي المهني بين الأطباء والمتخصصين النفسيين في مجال العلاج النفسي والذي يفترض أن تخف حدته من خلال التنظيمات القانونية الجديدة لا يشكل في الواقع إلا جزءاً من تحولات كثيرة أشمل لنظامنا الصحي الوشيكة الوقوع. والضغط نحو هذا التحول لا يأتي من نقابة مهنية معينة وإنما يرتبط مع الوعي المتغير للإنسان ذاته، الذي يرى نفسه - بما في ذلك صحته الجسدية والنفسية ومخاطرها - مغروساً في شبكة من الروابط البيئية.

ولا يقتصر هذا التطور على اختصاص منفرد، وإنما يمتد ليشمل أجزاء من مجالات وعلوم اجتماعية كثيرة  منها الطب أيضاً. وكما نلاحظ اليوم فإن علم النفس يقتحم في أشكال تطبيقاته المختلفة أجزاء متزايدة الاطراد من مجالات اجتماعية لأنه يجسد إمكانية الوضع الملموس لهذا الوعي الجديد موضع التنفيذ. وبالمقدار الذي تعتبر فيه الصحة بأنها شيء يمكن بناؤه وتنميته و المحافظة عليه بشكل فاعل من خلال أسلوب الحياة المناسب فإنها لا تعود قضية خاصة بهيئة الأطباء وحدها. فإلى جانب الفئات المهنية الأخرى يحظى بشكل خاص النفسانيون  الذين يهتمون بشكل مباشر بانعكاس وتغيرات أسلوب الحياة الملموس للأفراد، بوظيفة متزايدة الأهمية في النظام الصحي وفقاً للتصورات الصحية المتبدلة. ولابد من أن يقود هذا التطور في الوضع القائم حتى الآن المتعلق بالتفرد التخصصي لهيئة الأطباء بموضوع الصحة إلى صراعات مهنية. فإذا ما لم تعد الصحة تعرَّف من خلال الحالة الجسدية العامة الجيدة بل من خلال الصحة النفسية والاجتماعية أيضاً - وقد أخذت منظمة الصحة العالمية بهذه المظاهر على سبيل الملاحظة - يكون بذلك قد سحب الأساس الذي يقوم عليه ادعاء التفرد التخصصي للطب العضوي ىه المهنية.

والتطور المناقش هنا هو تطور حتمي ذلك أنه مرتبط بشدة مع التطور الاجتماعي العام الذي تحدثنا عنه. إن الاعتراف بالمعالجين النفسيين النفسانيين Psychological Psychotherapists  كفئة مهنية مستقلة يشكل خطوة صغيرة في هذا ولكنها مهمة. وفي الحقيقة فإنه من خلال الاعتراف بالمسؤولية المهنية المستقلة للمعالجين النفسيين النفسانيين العاملين يتم تأطير الأوضاع القائمة في الواقع منذ زمن طويل في صيغة قانونية. و مع ذلك فإننا نتوقع من هذه الملائمة المتأخرة للقوانين مع الواقع تأثيراً على المستقبل، وذلك في مجال التأهيل في مجال العلاج النفسي وبنتيجة ذلك على نوعية عروض الخدمات النفسية العلاجية.

وعلى ما يبدو فإن نظام التأهيل الراهن بحد ذاته أهم عامل يسبب استمرار سوء الحال في مجال العلاج النفسي. إذ يتصف النظام بمسارات تأهيل كثيرة قائمة إلى جانب بعضها متوجهة نحو مدارس علاجية محددة. فأصحاب مسارات التأهيل عبارة عن روابط ومعاهد علاجية مستقلة اقتصاديا في العادة مندمج كل منها مع مدرسة علاجية محددة ومؤسسها. وهكذا يستطيع المرء أن يتأهل في التحليل النفسي الفرويدي و العلاج الفردي وفق آدلر أو التحليل اليونغي و العلاج الغشطاطي و المعالجة النفسية بالمحادثة (المتمركزة حول المتعالج) وفق روجرز و العلاج التصوري [3] أو التخيلي والعلاج المنظومي...الخ وبهذا يتم قبوله في المدرسة العلاجية المعنية. فالتأهيل يعد أهم وسيلة لتفريخ المدار س العلاجية ودون التأهيل المرتبط بالمدارس العلاجية سوف تفقد الروابط والمؤسسات المعنية وما شابه مبرر وجودها وسوف تكون مهددة بأن تحل. وهذا يولد ضرورة تخريج ناشئة متماهية مع المدرسة المعنية بشدة قدر الإمكان. ويترافق مع ذلك الفصل أو التحديد عن المدارس الأخرى. ويتم عرض الحقيقة الخاصة للمدرسة المعنية على أنها الحقيقة الوحيدة.  أما ما يقوم به الآخرون فيقود إلى التضليل أو على الأقل لا يمتلك إلا قيمة ضئيلة. وكل ذلك يحصل طبعاً بقناعات ذاتية مطلقة في فعل ذلك من أجل "الخير الأفضل للمريض". ولكن بما أن كل المدارس العلاجية تفعل ذلك في الوقت نفسه وتنفي بعضها البعض بقدر ما تستطيع فإنه من السهولة بمكان اكتشاف الأمر من الخارج، الأمر الذي يتم إنكاره داخل المدارس العلاجية. وفي الواقع فإن الأمر يتعلق بالمحافظة على استمرارية الحقيقة الذاتية والهوية المرتبطة بها ومبررات الوجود الذاتية وليس بمصلحة المرضى كما يدعى. إذ أنه مما لاشك فيه أنه سيكون من الأفضل من أجل خير المريض لو يُعالَج هذا المريض بالطريقة التي تَعِدُ بالحل الأمثل لمشكلاته والتي تفي بهذا الوعد أيضاً. ولكن عندما لا يهتم ممثلو مدرسة ما على الإطلاق بالتأثير الحقيقي لشكلهم العلاجي على المشكلات المختلفة وعندما لا يأخذون أبداً بعين الاعتبار الإمكانات التي طورت بشكل واسع لمعالجة الاضطرابات المتفرقة، فإن "خير المريض" يبدو عندئذ معطفاً شديد الرقة من أجل تغليف المصالح الذاتية المكشوفة الكامنة خلف هذا التقصير. فمن السهل التعرف على ما هو  مموه أو محمي: فماذا سيفعل الشخص الذي لم يتعلم من العلاج النفسي غير علم نفس كارل غوستاف يونغ  وعلاجه مثلاً، إذا ما ظهر أن هذا العلاج أقل تأثير من طرق العلاج الأخرى؟ وهنا لن يستنتج أن المبالغ الطائلة التي صرفها على تأهيله كانت استثماراً خاطئاً فحسب وإنما ستقف كل منظومة اعتقاداته التي تبناها في سياق تأهيله و بالتالي هويته المهنية على كف عفريت. وما هي الهوية المهنية التي تبقى لشخص كان تأهيله الكامل محصوراً في مدرسة علاجية وحيدة، إذا ما سحب منه هذا الأساس أو تم التشكيك فيه؟

هذه الديناميكية البسيطة هي السبب الرئيسي في رعب الكثير من المعالجين النفسيين من الإرجاعات الموضوعية حول الفائدة الحقيقية لأسلوبهم العلاجي كرعب الشيطان من الماء المقدس. فغالبية المدارس العلاجية تستثني المعلومات حول التأثير الحقيقي للأشكال المختلفة من العلاج من مسارات التأهيل فيها. وتوجد استثناءات لهذا في الاتجاهات العلاجية الأقرب للتوجه الذرائعي الحال للمشكلة منها إلى الاتجاه القائم على إيديولوجية علاجية معينة. فكلما كان المعالج النفسي أقل "زواجاً" من إيديولوجية علاجية محددة كان أكثر انفتاحاً على المعلومات التي تشير إلى وجود أساليب أكثر فاعلية من الأساليب المستخدمة منه حتى الآن. والمعالج الذي تمتع بتأهيل واسع ويستمد هويته المهنية من مهمة مساعدة مرضاه بصورة فاعلة قدر الإمكان لا يحتاج إلى صد المعلومات حول الفاعلية الفعلية للطرق العلاجية المتفرقة بل على العكس فسوف يرحب بها كمعلومات مفيدة من أجل التمكن من ترتيب عمله الخاص وفقاً لذلك و تصميمه بشكل أكثر فاعلية. ويحلو لممارسي العلاج النفسي عزو حقيقة أن نتائج أبحاث العلاج النفسي لم يتم تبنيها وتطبيقها حتى الآن في الممارسة العلاجية على الإطلاق إلى عدم الأهمية المزعومة للبحث في الممارسة العملية. غير أن العارف  في البحث العلاجي النفسي بالفعل يستطيع تقديم مئات من الأمثلة حول النتائج ذات الأهمية المباشرة بشكل قاطع بالنسبة للممارسة العلاجية والتي لا يتم الأخذ بها هناك على الإطلاق. و يقدم هذا الكتاب في فصوله  كماً من هذه الأمثلة. والسبب الفعلي لاحتقار النتائج الموضوعية حول التأثير الحقيقي للأساليب العلاجية المختلفة يكمن في نظام التأهيل العلاجي المرتبط بالمدارس. فالمعالجون دون أساس تأهيلي نفسي وعلاجي نفسي واسعين والذين اقتصر تأهيلهم على مبدأ علاجي وحيد وترتبط هويتهم المهنية بهذا المبدأ الوحيد سوف يميلون دائماً إلى حماية هذا المبدأ وهويتهم الذاتية وأساس وجودهم المرتبط به. وهم مستعدون عند الضرورة للتطوير داخل مبدئهم العلاجي الخاص. غير أنه حتى هذه التطورات لا يجوز لها الذهاب إلى مدى بعيد وإلا سوف يعتبرونها تهديداً أيضاً وسوف يتم طرد أولئك المعدلين من المدرسة العلاجية المعنية واعتبارهم هراطقة. ويقدم لنا تطور التحليل النفسي مجموعة كاملة من الأمثلة (أنظر حول ذلك كل من Cremerius, 1982 ; Wunderlich, 1991). إن المدرسة العلاجية ذات الهوية الشاملة أو المستقلة هي وحدها التي تسمح بتقبل كل المعارف المهمة بالنسبة لمجال العلاج النفسي و باستخدامها بشكل فاعل في الممارسة العملية.

ولحسن الحظ تؤثر الخبرات العلاجية المتزايدة للمعالجين منفردين بشكل عكسي على الميل المُضِّيق للتأهيل المرتبط بالمدارس العلاجية. فقد أظهرت دراسات مختلفة (أنظر حول ذلك Garfield, 1982) بأن قسم كبير من المعالجين النفسيين الممارسين يتحرر بالتدريج أكثر فأكثر من خلال الخبرات المهنية المتزايدة من تضييقات مدرسته العلاجية الأصلية ويعتمد بدلاً من ذلك على خبراته الخاصة كخط موجه لتصرفه. وهنا يمكن أيضا أن ينشأ الانفتاح والفضول لمعرفة ما تقدمه المبادئ الأخرى بالنسبة لممارسته الخاصة. غير أن هذه السيرورة مازالت تجري على مستويات المعالجين المتفرقين أكثر من كونها تجري على مستويات المدارس العلاجية ومؤسسات التأهيل. ولا تتشكل الخبرات التي يجمعها المعالجون المتفرقون بصورة مستقلة عن بعضهم البعض في تصور علاجي مشترك مستقل يمكنه أن يصبح من جهته أساس للتأهيل المناسب.

أما المدى الذي يشير إلى مقدار بعدنا عن "العلاج النفسي العام" فلا يظهر وحده فقط من خلال ضآلة أخذ مستوى نتائج أبحاث العلاج النفسي بعين الاعتبار ودمج التأهيل والممارسة. و ما يزال من الصعب بالنسبة للمنطق الإنساني السليم فهم عدم الاستناد إلى مستوى المعرفة الكلي لعلم النفس في مسارات التأهيل العلاجية ذات الاتجاه المدرسي على الإطلاق. وقلما توجد جامعة على وجه الأرض في البلدان المتطورة لا يمارس فيها علماء عدة التعليم والبحث في مجال علم النفس.  فعلم النفس اليوم من المجالات التخصصية الكبيرة المبنية بشكل جيد. و يرتبط الاهتمام القوي المنعكس برغبة  الدارسين الشباب بدراسة هذا التخصص بتطور الوعي الموصوف أعلاه.  وداخل علم النفس يتجه الاهتمام الأشد من الناحية الرقمية نحو فرع علم النفس العيادي ومن هنا فهو يعد من التخصصات المبنية جيداً في غالبية الجامعات. ويهتم علم النفس العيادي بشكل خاص بمنشأ الاضطرابات النفسية وتشخيصها وعلاجها. وعدد المجلات العلمية التي تنشر الدراسات الإمبيريقية في هذا المجال يصل إلى المئات. فهل من الممكن فعلاً تصور أن يكون ما تم بحثه وإنجازه هناك خلال عقود كثيرة غير ذي قيمة بالنسبة للمعالجين المستقبليين؟ هل  فعلاً نتائج الآلاف الكثيرة من الدراسات العلمية التي تبلورت بالتدريج حول ظاهرة القلق بأشكالها وعواقبها المختلفة مجرد بضاعة فائضة لشخص يريد معالجة الاضطرابات التي يلعب فيها القلق دوراً مركزياً؟ كيف ينبغي للمرء وفق المستوى الهائل من المعرفة الذي تم إنجازه في علم النفس العيادي في فروعه المختلفة، النظر إلى مثل هذه التأهيلات العلاجية التي تقتصر على تعليم متدربيها ما الذي قاله مؤسسو المدارس العلاجية المتفرقة و تلامذتهم قبل عقود عديدة على الأغلب حول الموضوعات المعنية والتي غالباً ما تتصرف وكأن مستوى المعرفة الذي تم إنجازه في علم النفس ذو الاتجاه التجريبي غير مهم بالنسبة لها لأنها تمتلك علم نفسها الخاص بها؟. سوف يقر المرء بشهادة يهوه بأنه بما أنها لها عقيدتها الخاصة فليس بالضرورة أن تؤمن باعتقاد الكنيسة الكاثوليكية. ولكن عندما يتعلق الأمر بخدمات اجتماعية مهمة مثل معالجة الاضطرابات النفسية الشديدة هل يفترض من مجتمعنا أن يتسامح مع الطوائف العلاجية النفسية بل وحتى استحسانها وتمويلها؟

ويقود التأهيل العلاجي"ضيق الأفق" المرتبط بالمدارس بشكل مباشر إلى سوء خطير في وضع المرافق العلاجية النفسية.  إذ تتم هنا معالجة المريض بالطرق التي تنتمي إلى مجال المعالج المعني أو المؤسسة المعنية التي يلجأ المريض إليها بغض النظر عن طبيعة اضطرابه. فإذا ما لجأ إلى مؤسسة تعمل بالتحليل النفسي فسوف يعالج بالتحليل النفسي…الخ. غير أن غالبية المرضى الذين يعانون بالفعل لا يريدون  الحصول على معالجة من اتجاه محدد كلية على الإطلاق، وإنما يتوقعون ببساطة مساعدة فاعلة قدر الإمكان لما يضايقهم. وما يهمهم بشكل خاص هو الاستفادة من العلاج. ومن هنا فإنه يفترض من منظومة المرافق التي تهتم بمصلحة المرضى أن تكون منظمة بحيث يعالج المريض - بغض النظر عن كل الإيديولوجيات العلاجية – بالطرق التي أثبتت فاعليتها بالنسبة لاضطرابه. وهذا يمكن أن يبدو على نحو إما أن يمتلك المعالج نفسه طيف المجال كله لإمكانات المعالجة الفاعلة أو أن يعرف كل إمكانات المعالجة الممكنة وتأثيراتها الفعلية ويقوم بتحويل المريض إلى معالج مناسب لهذا الغرض. وكلا هذين الشكلين لا يمارسان اليوم إلاّ بشكل استثنائي جداً. فالمعالجون الذين يريدون والذين قد يكونوا قادرين على التصرف بهذا الشكل لابد وأن يمروا بتأهيل آخر كلية عما هو سائد اليوم.

وينبغي لتأهيلهم أن يستند إلى مستوى المعرفة السريع التطور في علم النفس و إلى مستوى نتائج البحث العلاجي النفسي وليس إلى حقيقة تحافظ على استمراريتها بنفسها. و يتم العمل على مستوى المعرفة هذا وتعليمه في الجامعات والمؤسسات المشابهة. وبشكل مغاير لما هو الحال عليه في الولايات المتحدة الأمريكية التي يتم تأهيل المعالجين النفسيين النفسانيين في درجة الدكتوراه في الفلسفة Ph.D. ضمن مسارات الدراسات العليا الصعبة المتطلبات، مازالت عروض التأهيل الرسمية العلنية في الدراسات العليا في العلاج النفسي في المحيط الناطق بالألمانية وفي كثير من البلدان الأوروبية الأخرى في بداياتها. وليس من المفاجئ أن يكون هذا هو الحال إذ أن مسارات التدريب التي تؤهل مهنياً والتي تقدمها أو تعرضها المؤسسات الحكومية تشترط طبعاً وجود مهنة معترف بها، يتم التأهيل لها. ومن هنا فإن التنظيمات القانونية لممارسة مهنة معالجين نفسيين نفسانيين تعتبر شرطاً لإقامة أو تنصيب مسارات تأهيل مطابقة. وهناك حيث توجد مثل هذه التنظيمات أو تكون منتظرة فإن الوقت قد حان لإجراء إصلاحات شاملة لنظام التأهيل النفسي العلاجي.

ولا يمكن للمرء هنا توقع حصول دفع من قبل روابط ومؤسسات مدارس العلاج النفسي المتفرقة. مع العلم أن ما تقدمه هذه المدارس العلاجية من أساليب مبرهنة ينبغي أن يدمج في مسارات التأهيل الجديدة الواجب تطويرها إذ أن هذه الأساليب بمجموعها تشكل في الوقت الراهن المهارات Know-how الراهنة في مجال العلاج النفسي. ولكن التضييق المدرسي الذي يحافظ على استمراريته من خلال العزل الذاتي والذي يعيق الاستغلال الشامل الفاعل المتجاوز لحدود المدرسية لهذه المهارات العلاجية هو الذي لابد من تجاوزه. و ما يعيق تطوير العلاج النفسي ليس ما تقدمه المدارس العلاجية المتفرقة من محتوى بحد ذاته وإنما خلط هذه المحتويات مع أسس مؤسساتية وتنظيمية محددة. فالروابط والمؤسسات تميل إلى الحفاظ على نفسها، وهي تحتاج من أجل ذلك إلى محتويات معينة تبرر وجودها. فإذا ما أدخلت هذه المحتويات في قطب "علاج نفسي عام" فإن كثير من المؤسسات و المنظمات العلاجية القائمة ستفقد مبرر وجودها. ومن هنا فإن تأسيس مسارات تأهيل مستقلة عن المدارس وممولة حكومياً لمهنة العلاج النفسي سوف يثير مخاوف وجودية مؤسساتية وفردية لدى المدارس العلاجية و أنصارها وآليات دفاع مطابقة.

كما وأنها سوف تثير بالإضافة إلى ذلك توترات  مهنية بين الأطباء والمتخصصين النفسيين. فأساس التأهيل في مجال "العلاج النفسي العام" لا يمكن إلا وأن يتكون من مستوى المعرفة الراهن في علم النفس وبشكل خاص في علم النفس العيادي. وبناء عليه فإن المتخصصين النفسيين يمتلكون أساساً أفضل إلى حد كبير من الأطباء بالنسبة لمثل هذا النوع من التأهيل في العلاج النفسي العام. ومن هنا فإنه من الممكن أن يحصل إلا يتم تقديم هذا النوع من التأهيل في العلاج النفسي العام إلا لأولئك المرشحين الذين أنهوا دراستهم في مجال علم النفس. وهذا ما سيقود إلى استبعاد الأطباء من مسارات التأهيل هذه وتوجيههم نحو مسارات تأهيل مرتبطة بالمدارس العلاجية المفتوحة لهم أساساً. ولكن هذا التطور لابد وأن يكون تطوراً غير ملائم على الإطلاق، ذلك أنه سيقود إلى طبقتين من التأهيل: الأولى تقوم على تأهيل عالٍ يهدف إلى الاستخدام الأمثل للمجال الكلي لطرق التأهيل النفسية للمعالجين النفسيين النفسانيين والثانية عبارة عن تأهيل ذي قيمة أدنى في مدرسة علاجية وحيدة للمعالجين النفسيين الأطباء. وسيكون هذا الأمر كارثياً على التعاون بين هاتين المجموعتين المهنيتين في سد الحاجة و التحقيق الفعلي للمعالجات الأفضل الممكنة.

ومن هنا يفترض للتأهيل العلاجي النفسي غير المرتبط بالمدارس العلاجية أن يقوم على بروفيل علاجي نفسي مهني موحد للأطباء والمتخصصين النفسيين. وينبغي أن يتم إيصال المجموعتين المهنيتين من الأساسين التأهيليين المختلفين إلى المستوى نفسه من التأهيل المهني. ومن المؤكد أن مثل هذه المسارات التأهيلية قابلة للتحقيق إلاّ أنها تشترط قواعد موحدة من أجل التأهيل المهني للمعالجين النفسيين بغض النظر عن الانتماء المهني الأساسي. غير أن تحقيق تأهيل مهني موحد سيتطلب في المجال الطبي تعديلات أكثر مما هو الأمر في المجال النفسي. ومن أجل ممارسة العلاج النفسي ينبغي ألاّ يسمح إلاّ لأولئك الذين أنهوا التدريب المهني المناسب وينبغي لهذا التأهيل أن يكون أكثر صرامة مما هو عليه الأمر اليوم. وليس من الصعب إدراك أن التقييدات اللازمة من أجل ذلك لكفاءات ومكاسب الهيئات المهنية سوف تقود إلى وضع عراقيل شديدة.

وعلى طريق الاستغلال الاجتماعي للعلاج النفسي المنمي للصحة، الذي يستند إلى "مصلحة المريض" ستدور رحى معارك عدة.

 

1.- 2.-3.- أي نوع من العلاج النفسي ؟

 لنتصور أن مُشَرِّع يمتلك النية والسلطة لإنجاز تنظيمات قانونية مثلى خارج نطاق أطر الهيئات المهنية والآراء الضيقة حول التكاليف من أجل الاستغلال الاجتماعي المنمي للصحة و الموجه إلى مصلحة المرضى للعلاج النفسي. وأنه لجأ بهدفه هذا إلى المتخصصين وطلب منهم وضع مسودة للتأهيل النفسي العلاجي الأمثل ولسد الحاجة. فسرعان ما سوف يقوم هذا المشرع طيب النية  بنتف شعره بسبب عدم اتفاق المعالجين بين بعضهم.

وبما أن كثير جداً منهم لا يهمه في الواقع إلا المحافظة على استمرارية حقيقته و هويته و أساس وجوده المرتبط بمدرسة علاجية أكثر من إنجاز مهمة اجتماعية معينة – وطبعاً دائماً بحجة أن حقيقته تمثل الوسيلة المثلى لإنجاز هذه المهمة -، فإنهم قاصرون عن تقديم إجابة مشتركة عن مسألة أفضل تأهيل علاجي و سد حاجة ممكنين. و لا حتى مجرد الاتفاق على معايير مشتركة يمكن وفقها قياس قيمة طرق العلاج. وحتى هذه المعايير يحاول كل واحد منهم وضعها وفق حقيقته الخاصة وكأن الأمر لا يتعلق بإنجاز مهمة محددة، ألا وهي فائدة موضوعية، أي يمكن تصورها من الآخرين. وأي جسر هذا الذي يعجب بانيه غير أنه لا يصلح لما بني من أجله؟.

وبسبب الازدحام على "سلة خبز" الضمان الصحي فإن الاستراتيجية المستخدمة الآن المتمثلة في إنكار الآخرين لا يمكن أن تستمر في مسألة الاعتراف. فالمحاولات المتمثلة في إقصاء الآخرين من المجال سوف تؤدي إلى هجمات من النوع نفسه من الآخرين على الذات.

ومن هنا يتبع ممثلو الاتجاهات العلاجية المختلفة تحت ضغط الضرورة وإدراك غير أصيل في مسألة الاعتراف القانوني و تراخيص الضمان الصحي استراتيجية التعايش السلمي المشترك المحدود. إذ يريد المرء تقسيم قالب الحلوى بينه وبين الآخرين بحيث يحصل كل واحد على حصته. ويعني هذا عملياً أنه ينبغي أن يتم الاعتراف بكل الاتجاهات العلاجية كأساس للتأهيل المهني و أن يتم تمويلها من صندوق الضمان الصحي. وفي هذه النقطة فإنهم يعتمدون لتبرير ذلك على إحدى نتائج أبحاث العلاج النفسي، الذي يقللون من قيمته ويزدرونه في الأحوال العادية، ولكن هذه النتيجة تناسب ببساطة بصورة جيدة جداً مع المصالح الذاتية. وتتمثل هذه النتيجة في أنه لم تتمكن أبحاث العلاج النفسي المقارن من إثبات وجود فروق بين تأثيرات الطرق العلاجية المختلفة. إذاً فمن غير المنطقي استبعاد أي شكل من أشكال العلاج من الترخيص والتمويل. ويتم الاعتماد على المراجعة التي قام بها لوبورسكي و زينغر و لوبورسكي في العام 1975 (Luborsky, Singer & Luborsky) كأهم شاهد على هذه النتيجة، التي يلخص الباحثون نتيجتها الرئيسية من خلال ما يسمى "حكم الدودو[4] " من قصة أليس في بلاد العجائب : " كل واحد ربح ولابد للجميع أن يكسب Everyone has won and all must have prizes ". ويتقاسم كثير من الباحثين هذا التقدير للوضع كما ويتم التعامل مع هذه النتيجة في مراجع العلاج النفسي في الوقت الراهن وكأنها حقيقة مؤكدة. وسنتعرض في الفصل الثاني إلى هذه المراجع.

ولا يوجد نتيجة من نتائج أبحاث العلاج النفسي تم قبولها كحقيقة و اقتباسها عن طيب خاطر بهذا الشكل من كثير من المجموعات المختلفة بمقدار هذه النتيجة. وتتناسب هذه المقولة بشكل خاص مع مصالح ممثلي تلك المدارس العلاجية الذين لم يقروا أنفسهم أبداً بضرورة اختبار فاعلية طرقهم العلاجية إمبيريقياً أو الذين تقوم براهين فاعلية طريقتهم على أساس ضعيف.

فمن جهة يناقش بحث العلاج النفسي بالطبع مثل هذه النتيجة بشكل كلي وهو بالتالي يجعل من التشكيك بمبدئه الذاتي غير مضر. إذ هل يعقل فعلاً أن يكون أحدهم مجنوناً إلى درجة الاعتقاد أن أسلوبين مختلفين جداً كالتحليل النفسي والعلاج السلوكي يمتلكان التأثير نفسه؟ فالمرء يعرف ما الذي سيظنه المرء ببحث في العلاج النفسي يولد مثل هذه النتائج غير المنطقية. و النتائج الأخرى كلية التي تبرز شكلاً علاجياً على أنه سيئ و  / أو آخر على أنه أفضل سوف تنخفض مصداقيتها من خلال ذلك وتصعد من تعريض مبدئها للخطر.

ومن ناحية أخرى يمكن استخدام هذه النتيجة بطريقة أخرى من أجل المصلحة الخاصة: فعندما يمكن اعتبار أن فاعلية العلاج النفسي مثبتة بشكل عام - وهذا يطابق نتيجة مقبولة عموماً للبحث العلاجي النفسي (مثال Smith, Glass & Miller, 1980) – عندئذ يمكن بسهولة تفسير مقولة عدم وجود فروق في فاعلية طرق العلاج المختلفة أنه بهذا يمكن اعتبار أن فاعلية المبدأ العلاجي الخاص مبرهنة حتى عندما لا تتوفر حوله أية دراسات إمبيريقية على الإطلاق. والحقيقة الأخيرة لا يمكن التعرف إليها من خلال نتيجة عامة هكذا إذ من يمتلك مثل هذه الإحاطة الشاملة بأبحاث العلاج النفسي، بحيث أنه يستطيع القول بكل يقين بأنه لا تتوفر حول طريقة علاجية محددة أية براهين حول فاعليتها؟. إذاً فالمدارس العلاجية السيئة أو غير المدروسة هي المستفيدة بالتحديد من هذه المقولة والقائلة بأن كل أشكال المعالجة تمتلك التأثير نفسه. وفي كل الأحوال فإن هذه النتيجة تستند في الواقع طبعاً إلى طرق العلاج المدروسة إمبيريقياً فقط، ولكن من يعرف حول كل الدراسات المنجزة بشكل كاف من أجل كشف هذه العورة؟.

إن الكثرة والمتعة التي يتم فيها دائماً اقتباس "حكم الدودو" لابد وأن تثير التأمل أكثر من كونها من المفترض لها أن تنذر في الواقع المعالجين النفسيين ككل – إذا ما كان المرء آخذاً لذلك مأخذ الجد بالفعل.وقد قام كل من راخمان وويلسون (Rachman & Wilson, 1980, P. 257) بإظهار النتيجة اللامنطقية "لحكم الدودو" للابورسكي وآخرين من خلال جملة "التمس أي شكل من أشكال العلاج النفسي بصرف النظر عن طبيعة مشكلتك، Regardless of the nature of your problem, seek any type of psychotherapy “ ".

 

 فلو كان تأثير نوع العلاج النفسي واحداً بالفعل – إذا كان من المهم إجراء علاج نفسي على العموم ولكن لا يهم أي نوع منه -، عندئذٍ كان سيشير ذلك إلى نتيجة واسعة المدى تتمثل في أنه يمكن التخلي عن الزخرفات التي تلقي عليها المدارس العلاجية المتفرقة قيمة كبيرة والتركيز في التأهيل والممارسة على تعليم و القيام بالشكل الأكثر اقتصادية والأسهل تحقيقاً من العلاج النفسي. ومثل هذا النوع من العلاج الاقتصادي الموحد سوف يسعد صناديق الضمان الصحي ولكن ليس المعالجين. وفي الواقع لا يعتقد أي معالج نفسي بأن الأمر يسير على هذا النحو إذ أن ذلك يناقض خبراته الذاتية. ومن هنا فالاستناد إلى النتيجة القائلة بعدم وجود فروق في التأثير للأشكال العلاجية المختلفة يمكن استخدامها بوصفها حجة من أجل المصالح الذاتية. وإلا فسوف تقيد هذه النتيجة غالبية الممارسين للعلاج النفسي في رؤيتهم على أبعد تقدير بأن نتائج أبحاث العلاج النفسي غير مهمة بالنسبة لممارستهم العملية على أية حال.

إذاً ماذا يكمن في هذه النتيجة بالفعل؟ هل أبحاث العلاج النفسي قاصرة بالفعل وغريبة عن الواقع أم لا توجد بين أشكال العلاج المختلفة أية فروق ذات أهمية في التأثير بالفعل – على عكس انطباع المعالجين النفسيين بالفعل ؟

إن حل هذا اللغز يكمن طبعاً في أن كليهما غير صحيح. فمن يقرأ في الفصل الثالث مجموع نتائجنا حول تأثيرات أشكال العلاج كلها والقائمة على التحليل الدقيق لكل دراسات العلاج المضبوطة التي أجريت في أي وقت كان فسوف يكون صورة متمايزة جداً حول الفائدة العيادية لطرق العلاج المختلفة. فهنا توجد أشكال من العلاج لم تتوفر حولها على الإطلاق أية براهين حول فاعليتها على الإطلاق؛ و أشكال أخرى يمكن اعتبار أن فاعليتها القاصرة مبرهنة، ولكن لها حسنات مقابل أشكال أخرى من العلاج التي تمتلك تأثيرات أفضل؛ و هناك أشكال برهنت فاعليتها بالنسبة لمجال معين ولكنه محدود و طرق علاج ذات برهان واضح، أقرب أن يكون للقاطع بحيث تشكل طريقة الاختيار بالنسبة لاضطراب محدد.

ويكمن سبب كون هذا غير معروف عموماً - حتى بين العلماء – أنه قد أصبح من غير الممكن للعلماء منفردين الإحاطة بالدراسات الإمبيريقية المتعلقة بمجال العلاج النفسي أو متابعتها. فقد وجب علينا أن نختار لمجموع نتائجنا حوالي 3500 دراسة في العلاج تم فيها اختبار فاعلية طريقة علاجية نفسية ضمن مخطط تجريب مضبوط. وكانت هذه الدراسات موزعة على حوالي 300 مجلة علمية. وتتبُّع والحصول على هذه الدراسات وحده كلف عدة أشخاص أربع سنوات من العمل المضني. ومن هذه الدراسات قمنا بعد تصفية أولية وفق النوعية الطرائقية والأهمية العيادية باختيار 897 دراسة تستند مباشرة إلى صميم مجال العلاج النفسي وقومناها بدقة وبتفصيل كبيرين و جمعنا النتائج وفق طرق العلاج المتفرقة. وقد اشترك في تقييم هذه النتائج 16 عالماً وعالمة، استمرت غالبيتهم سنوات عدة. أما نحن المؤلفين الثلاثة الذين قمنا بالتقويم النهائي وكتبنا التقرير النهائي، فقد عملنا 13 سنة في هذا المشروع. فتقرير البحث والنتائج الذي نقدمها هنا هي إذاً نتيجة جهود بحث مشتركة، كانت ستفوق كثيراً طاقات وإمكانات الإنسان الفرد. كما ولم يكن من السهل دائماً المحافظة خلال فترة زمنية طويلة هكذا على استمرار بنية تحتية بشرية وتنظيمية و مادية و الإبقاء على عدد كبير هكذا من المساعدين والمساعدات يما فيهم نحن أنفسنا و الحفز بين الحين والآخر من جديد من أجل هذه المهمة. ولا نريد أن نوهم أحداً أن العمل في هذا المشروع كان دائماً جذاباً أو حتى ممتعاً.

 


مجموعات Google
اشتراك في علشانك
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة

الجامعات الخاصة بمصر

بشرى لجميع حمله

الثانويةالعامه

ومايعادلها

فتح باب التقديم للجامعات الخاصه بمصر عبرنا في جميع الكليات وخاصه كليات القمه

معنا حلمك ان شاء الله يصبح حقيقه

بحر الكتب

كتب تربوية

كتب علم نفس

كتب فلسفه

كتب تاريخ

كتب اسلامية

كتب هندسية

كتب اقتصاد

كتب حاسب الي

كتب لادب الطفل

كتب الادب والشعر

كتب الروايه والقصه

كتب فنون

كتب متنوعه

تسجيل الدراسات

تسجيل الدبلومات

تسجيل الماجستير

تسجيل الدكتوراه

الجامعات الخاصه المصرية

التعليم عن بعد

الابحاث

عمل ابحاث

عمل خطط بحث

عمل وتنفيذ استبيانات

عمل احصاء

ابحاث منشوره

 

         
       
         

This Page is built by MWK3 Site Builder