![]() |
|||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||
دورات تدريبة للتربية الخاصة والتخاطب
|
الفصل الأول هدف الكتاب خلاصة ينبئ هذا الكتاب بتحول ويريد نفسه أن يسهم فيه. فعبر عقود طويلة سادت في العلاج النفسي علاقات تشبه العلاقات قبل العلمية للعصور الوسطى. غير أنه في العقود الثلاثة الأخيرة بدأ شيء أشبه ما يكون بالتنوير، إنه علاج نفسي علمي بالمعنى الحقيقي للكلمة. إذ شيئاً فشيئاً بدأ العلم يحل محل الاعتقادات، والسلوك المهني بدلاً من الطقوس الخرافية. غير أن التنوير لم يقتحم وعي الجمهور كثيراً بعد، ولا حتى وعي جمهور المتخصصين. والممارسة العلاجية النفسية تعرج وراء المعارف العلمية كارهة. في حين تمتنع الطوائف المذهبية المصلحية المستفيدة من الحفاظ على الأوضاع القائمة عن الانضمام إلى المنطق التنويري و إلى التمهينية من خلال تحصنها بعناية خلف تعتيم سري مصان و عجز مُحَجَّب. وهذا الكتاب يريد التنوير. يريد التنوير حول ما هو كائن و حول يما يمكن أن يكون. فالعلاج النفسي قد غدا في هذه الأثناء جزءاً مهماً من الإمداد الصحي، وسيكون في المستقبل أكثر أهمية. ومن خلال سوء الحال الذي يمكن تجنبه فإن الإسهام الممكن للعلاج النفسي في الإمداد الصحي لا يستثمر إلى مدىً بعيد في الوقت الراهن، بل إن هناك شرخاً كبيراً بين ما هو ممكن بالفعل من خلال الاستثمار الفاعل لطرق العلاج النفسي المتوفرة وما يحدث بالفعل، إلى درجة لا يبدو فيها الأمر مقبولاً، لا أخلاقياً ولا اقتصادياً.أما أسباب ذلك فهي متنوعة ولن يكون من السهل تذليلها وتتجسد في عدم المعرفة بالفائدة الحقيقة لطرق العلاج النفسي منفردة. ويمكن لازدياد الوضوح لما يمكن لطرق العلاج النفسي المختلفة أن تقدمه أن يسهم في أن تحظى الطرق منفردة بالاستخدام في العيادات بما ويتناسب مع فاعليتها الحقيقة أكثر مما هو الحال في الوقت الراهن. يكمن جوهر هذا الكتاب في التحليل الدقيق للدراسات العلاجية المتوفرة حول فاعلية الطرق العلاجية النفسية منفردة. وقد تم عرض نتائج هذه الدراسات بالتفصيل[1].بالإضافة إلى عرض كل الدراسات العلمية الإحصائية المتوفرة بالنسبة لكل طريقة وما أظهرته النتائج بالنسبة للفاعلية وطريقة التأثير ودواعي (استطباب Indication) هذه الطرق العلاجية. وهذه المعلومات موجهة إلى الذين يمكن أن يستفيدوا منها، أي المعالجين والمدربين في مجال العلاج النفسي والمرضى وصناديق الضمان الصحي و سياسيي الصحة. غير أن أهمية العرض الكامل للنتائج المتعلقة بتأثير الطرق العلاجية النفسية كلها و بالشكل الذي نقدمه هنا لا ينعكس بالفائدة على الأغراض التطبيقية مباشرة فحسب، وإنما يملك أيضاً قيمة معرفية فيما يتعلق بالمسألة المركزية لأبحاث العلاج النفسي: هل يمكن تحقيق تأثيرات علاجية معينة بطرق مختلفة؟ وهل هذه التأثيرات متشابهة بالفعل أم ترتبط بخصوصية الإجراء ضروب معينة من التأثير؟ هل هناك أية علاقة مؤكدة بشكل جيد بين خصوصيات المرضى وخصوصيات الإجراء وتأثيرات معينة؟ كل هذه الأسئلة لا تتحرك ضمن حدود مدارس علاجية معينة ولا تشترط وجود تفهم علاجي محدد. فالإحاطة الشاملة بتأثيرات العلاجات النفسية من أي نوع كان تتيح منظوراً لحدود الاتجاهات العلاجية المختلفة. فهل ستظهر من هذا المنظور أشياء، كانت مجهولة ضمن حدود الأشكال العلاجية منفردة أو ضمن حدود الدراسات الإمبيريقية؟ وعندما يتأمل الإنسان طبيعة العلاج النفسي من علو يتيح النظرة الشاملة، ألا تتضح التشكيلات غير الواضحة من منظور التقارير المنفردة لأنها تتجاوز مجالها بالأصل؟ كلها أسئلة تطرح نفسها. وفي مدخل كتابنا قمنا بعرض الوضع الراهن في مجال العلاج النفسي. و ما دفعنا لجرد هذا المستوى من نتائج أبحاث العلاج النفسي إنما هو سوء الحال المسيطر هنا. وفي حين أننا حاولنا جهدنا توخي الموضوعية قدر الإمكان في عرض دراساتنا الإمبيريقية ونتائجها، فإن تقويمنا للوضع يتضمن الكثير من التقييمات الشخصية ونحن لا نتوقع أن يشاركنا القراء جميعهم هذه الآراء. والدراسات التي نشير إليها هنا كلفتنا 13 سنة من العمل المضني. ولا بد للمرء أن يمتلك أسباباً وجيهة من أجل أن يأخذ على عاتقه بإرادته مثل هذا الأمر. ونأمل أن يحمينا عرض الأسباب التي دفعتنا لهذا العمل من أن نتهم بالمازوخية. وعلى أية حال فنتائج أبحاثنا التي تشكل لب هذا الكتاب تمتلك قيمة موضوعية حتى دون الأسباب الذاتية التي دفعتنا لإجراء هذه الدراسات.متمنين أن تحظى باهتمام حتى أولئك الذين لا يشاركوننا الرأي.
1.هدف الكتاب1.1.العلاج النفسي - ابن مجتمعناإنه لمن قصر النظر اعتبار العلاج النفسي ثمرة من ثمار النفسانيين والمعالجين النفسيين. وعلى الرغم من أنه مما لا شك فيه أن فرويد يعتبر أبا التحليل النفسي وأن بيرلز قد أوجد العلاج الغشطالطي وأن روجرز كان المعالج الأول بالمحادثة، غير أن إرجاع وجود العلاج النفسي إلى مؤسسي المبادئ العلاجية سيكون كما لو أننا نحمِّل المحامين مسؤولية وجود القوانين. فصحيح أن المحامين هم الذين يصوغون القوانين، ولكن وجود القوانين بحد ذاته يكمن في أننا - أي المجتمع - نحتاج إلى قواعد ناظمة لتعايشنا. فالدرجة المتزايدة من التعقيد لأشكال حياتنا الاجتماعية - و نمو " مستوى الاعتماد المتبادل Interdependencelevel " في التعايش الاجتماعي (Elias, 1953) - كلها تقود بصورة متزايدة إلى ضرورة القواعد الناظمة. وهذا يمكن أن يصل بنا إلى درجة نشعر فيها بأننا مقيدون بشكل لا يطاق من خلال العدد الكبير من القواعد. ولكن الشكوى من المحاميين لن تجدي نفعاً. فنحن نحتاج إلى هذه القواعد لأننا نحن كما نحن عليه، ونحن لا نستطيع أن نفصلها عن ذاتنا. ووجود تشريعات أخرى غير تشريعاتنا تتطلب وجود بشر غيرنا. وبالمقدار نفسه كذلك لا نستطيع أن نعزو إلى المعالجين النفسيين مسؤولية كون العلاج النفسي قد أصبح ظاهرة واسعة الانتشار. فالسبب الحقيقي لذلك هو نحن أنفسنا. وهذا يعني بالتحديد : أن حالتنا النفسية نفسها هي التي جعلت العلاج النفسي هكذا. فسبب تزايد وجود المعالجين النفسيين يرجع إلى وجود طلب متزايد الشدة باستمرار لما يقدمونه. ويقوم هذا الطلب على حالة متنامية باطراد من الحاجة والوعي بين أفراد مجتمعنا. إننا نميل إلى اعتبار الحاضر على أنه أمر بديهي؛ وكذلك الكيفية التي ندرك و نفكر ونشعر ونتصرف فيها. غير أن الوعي الذي نعيش ونتصرف فيه اليوم يختلف في الواقع بشكل كبير عن وعي الناس الذين عاشوا في مراحل من التطور الحضاري المختلف عن حضارتنا، وحتى عن وعي أسلافنا في الحضارة الغربية. فقد أظهر يوليان يينيس Julian Jaynes في عام 1983 من خلال تحليله للإلياذة بوضوح كيف أن أبطال هوميروس قد تصرفوا نفسيا بشكل مختلف كلية عنا نحن بشر هذه الأيام. فهؤلاء تصرفوا مثلاً في مواقف الحسم المهمة وفق الإلهامات التي سمعوها على شكل أصوات دون الحضور الواقعي للأشخاص المطابقين. أما اليوم فكنا سنطلق على ذلك تسمية الأهلاس. فما نقيمه اليوم على أنه دليل لحالة نفسية مرضية كان يعتبر في زمن هوميروس عملاً نفسياً طبيعياً، لم يكن يحتاج لأي تفسير آخر. ويرتبط الفصل الشديد للوظائف النفسية عن بعضها بعضاً الذي يميز وعينا الراهن بظروف حياتنا الراهنة بالمقدار نفسه الذي ارتبطت فيه خبرات أبطال هوميروس بظروف حياتهم. ولم يعالج أحد ذلك الارتباط المتبادل بين ظروف الحياة الاجتماعية والوعي الاجتماعي السائد بالصورة التي عالجها بها كارل تسفيلغماير Karl Zwilgmeier في كتابه " مرحل الأنا " الصادر في عام 1980. فظروف الحياة الاجتماعية الواقعية تشكل وعي وحالة الأفراد النفسية الذين يعيشون في هذا المجتمع، وهذا الوعي هو في الوقت نفسه حامل لأساليب الحياة الواقعية. و ينعكس في المنتجات الثقافية للمجتمع ويمكن قراءته منها. ويجد كارل تسفيلغماير في تحليله الاجتماعي الثقافي للمراحل المختلفة من التطور بالنسبة لكل الحضارات الكبرى التي أوجدتها البشرية من خلال المراحل المختلفة لتطورها علاقة وثيقة بين ظروف الحياة الاقتصادية الاجتماعية المعنية و الوعي السائد للإنسان حول نفسه ارتباطاً بمحيطه وبمن حوله وبالمنتجات الحضارية لهذا المجتمع. ومع كل الاختلاف بين الحضارات المختلفة تظهر دائماً سيرورة مطابقة لنمو الوعي تتميز باتجاه معين و بتعاقب متدرج المراحل. فمراحل الوعي الباكرة تتصف بشعور وثيق بارتباط الإنسان مع محيطه وبمن حوله دون التمييز بين الداخل والخارج كما هو الحال في خبرتنا الراهنة. فالإنسان يعيش ذاته كجزء من محيطه، وبصورة أقل كشخص مقابل محيط من المواضيع. إنه لا يعيش ذاته كفرد وإنما كجزء متكامل مع مجموعة. ولا يوجد تفكير مجرد منعزل عن الخبرات المباشرة و سياقات التصرف الملموسة. التفكير واللغة مجسمان - ملموسان، والتفكير والإحساس يشكلان وحدة. ووالوعي الموضوعي لا يشكل المدخل الوحيد للواقع، والمعبر نحو الغشية Trance والوجد سهل و ما يعاش فيهما يُخبر كذلك كجزء من الواقع. وبشكل عام فإن وعي الإنسان في مرحلة حضارية باكرة يتميز بالتحديد والفصل بشكل أقل مما يميزنا نحن، بشر هذه الأيام، ففي هذه المراحل لم يكن يوجد أفراداً بعد، أبرزوا وعياً لأنفسهم منفصلاً عن محيطهم ومجموعتهم، وطوروا لأنفسهم أناً ذات معنى. وربما يكفي هذا الوصف النفسي المختصر للإنسان من مرحلة حضارية باكرة من أجل إيضاح بأن ما نفهمه اليوم تحت اسم علم النفس والعلاج النفسي لا يمكن تصوره على الإطلاق وفق هذه المرحلة من تطور الوعي. لقد تطلب الأمر تغيرات جسيمة في حالة الإنسان النفسية وفي وعيه عن نفسه قياساً بمحيطه، إلى أن تمكن أخيراً من الوقوف منه - ومن نفسه - موقفاً متباعداً- معبِّراً (عاكساً) reflected، كما حدث في العلوم الطبيعية الحديثة أولاً ولاحقاً عند تأسيس علوم جديدة كلية يعد علم النفس من ضمنها. ويرى تسفيلغماير أن القدرة المتزايدة على التباعد العاكس للخبرات المباشرة هي الوجه الأساسي الميسر لنمو الوعي الإنساني. ففي سياق هذه السيرورة من التباعد العاكس يكوِّن الإنسان وعياً متزايد الوضوح عن ذاته كفرد مستقل،يواجه محيطه بشكل عاكس وفاعل. وقد تقدمت هذه السيرورة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى درجة تمكن فيها الإنسان من مواجهة ذاته كذلك في هذا الشكل العاكس- المتباعد ومن جعل ذاته في وجوده النفسي موضوعاً لتأمل موضوعي. وكانت تلك لحظة ولادة علم النفس كعلم مستقل. وقد تبعتها بعد وقت قصير ولادة التحليل النفسي، الذي جُعِلت فيه النظرة العاكسة – المتباعدة للوظيفة النفسية الذاتية الناقل الرئيسي لشكل مباشر وشخصي جداً من حركة علم النفس. إذاً فالتطور العام للوعي كان السماد الذي أثمر العلاج النفسي في أشكاله المختلفة وأنبت وما زال ينبت باستمرار أزهاراً جديدة، أنجزه كثير من الناس في مجتمعنا وما زالوا حتى الآن و باطراد متزايد على وشك إنجازه لهم شخصياً. وقد وقف مؤسسو الأشكال المختلفة من العلاج النفسي في قمة هذا التطور، إلاّ أنهم ليسوا أكثر من مجرد جزء من تطور عام، كان سيتم دون أي واحد منهم بطريقة مشابهة أيضاً. ومن المؤكد أن عمل العلاج النفسي اليوم تهذيب هذا الوعي. على أن علم النفس والعلاج النفسي مثمران ومطلوبان لهذه الدرجة لوجود حالة مطابقة من الحاجة والوعي لدى كثير من أفراد مجتمعنا بالأصل. وهذه الحالة هي مرآة وحامل في الوقت نفسه لظروف حياتنا الاجتماعية الواقعية. إذ بدأ عدد متزايد من الناس بإعارة أهمية لوجودهم النفسي الفردي. ورغبتهم في حياة عامرة لا تتجه إلى العمل والأسرة ومستوى الحياة فحسب وإنما تستند بشكل واضح إلى أنفسهم ذاتها أيضاً. فكثير منهم يريدون اكتشاف ذاتهم و معرفة أنفسهم بصورة أفضل، وأن يعيشوا ويجربوا في الإمكانات غير المعروفة، وآخرون يبحثون عن المعنى والتوجه و "الشفاء" الشامل أيضاً. فعارضوا و شاروا العلاج النفسي يتحركون على المرحلة نفسها من الوعي ويلعبون عليها اللعبة نفسها بأدوار موزعة ومتكاملة. ومن الناحية الاقتصادية يتعلق الأمر بسوق للخدمات ما زالت حرة كلية ذات إمكانات نمو غير عادية. فمن ناحية توجد عروض جديدة باستمرار وواعدة ومغلفة بشكل أفضل ومستهلكون متحمسون نهمون للخبرة وللخبرة الذاتية من ناحية أخرى. والمتسابقون على هذه السوق الحرة هي تلك العروض التي تَعِدُ بخبرات شخصية مكثفة أو التي تقدم شيئاً جديداً كلية. وتحدد هذه العروض بشدة صورة ظهور العلاج النفسي في الحياة العامة. وفي الواقع تعطي أقسام الإعلان في الجرائد والمجلات ورفوف البيع في المكتبات صورة مشوهة جداً عن العلاج النفسي. حيث يتسم ما لا يوجد حتى الآن و الرائع و الواعد بالإثارة بمبالغة في التمثيل أو العرض. أما المبادئ العلاجية المهمة فعلاً فإنها لا تحظى بالمقابل إلا بالقليل جداً من الاهتمام. فمستهلكوها وعارضوها يشكلون سوقاً آخر أكثر انتظاماً ألا وهو سوق الرعاية الصحية. وهنا لا يُعَدُ العلاج النفسي رائعاً أو مثيراً وإنما إمكانية علاج إلى جانب إمكانات أخرى لمجال محدد من حالات الأمراض. فالاندماج في نظام الرعاية الراسخ أكسب العلاج النفسي هنا مظهراً أكثر حصافة. غير أن هذا التخفيض أو الانكماش إلى مظهره الشافي قد قصره في الوقت نفسه على شيء ينتمي إلى لب جوهره. فمن ناحية أصله الاجتماعي فإن العلاج النفسي عبارة عن شكل من ممارسة علم النفس للصالح الشخصي جداً للفرد. إنه يشترط وجود وعي محدد، غير أنه يعني في الوقت نفسه تربية وتنمية لهذا الوعي. فما يحدث من هذه الزاوية في العلاج النفسي غير قائم لذاته وإنما عبارة عن جزء من نمو فوق فردي واسع الانتشار للوعي، يتجلى في كثير من مجالات حياتنا الاجتماعية و يُحَدَّد باعتباره كذلك أيضاً. وقد وجدت العروض العلمية الشعبية حول هذا الموضوع على نحو " عصر التحول " لفريتيوف كابراس 1983 Fritjof Capras الكثير من القراء إلى درجة أنها تخطت قوائم الطلبيات. وغالبية تجار الكتب قد أفردوا في هذه الأثناء رفوفاً خاصة بمواضيع "البيئة" و "الوعي". و يرجع الانجذاب الحاصل من خلال "الأدبيات القانصة للاتجاه" إلى رؤيا جديدة للإنسان حول ذاته. فالإنسان يرى نفسه مغروساً في شبكة من العوامل البيئية المتبادلة التأثير. وهو من هذه الناحية منتج ونتاج في الوقت نفسه لظروف حياته الواقعية ومتأثر ومؤثر معاً، دون إمكانية فصل أحدهما عن الآخر. فحالته النفسية هي مرآة لظروف حياته الاجتماعية والفردية الملموسة من جهة وفي الوقت نفسه أساس ومحافظ على هذه الظروف. وقد حلت هذه الرؤية الموصوفة بالتفاعلية أو الدائرية أو التبادلية أو المنظومية أو حتى البيئية للعلاقة بين الفرد ومحيطه في العقود الأخيرة محل كلتا الرؤيتين السائدتين سابقاً، أي الرؤيا النفسية الدينامية والرؤيا النظرية السلوكية، على نطاق واسع. أما السمة الجوهرية لهاتين الرؤيتين السابقتين فتتمثل في تحديدهما للفرد والمحيط بشكل منفصل و بعد ذلك يتم ربطهما بعلاقة مع بعضهما على شكل علاقة سببية وحيدة الاتجاه. إن التفاعل البين نفسي للقوى بين المركبات النفسية الأنا والهو والأنا الأعلى وبين اللاشعوري والشعور هو سبب السلوك الملحوظ للإنسان في المحيط. إلاّ أنه لا يتم الاستناد إلى هذه القوى في البناءات البين نفسية ذاتها بأي شكل من الأشكال. أو الرؤيا المقابلة التي تنظر للسلوك على أنه متعلق وظيفياً بالمثيرات التي تؤثر على الفرد التي ينبغي تحديدها موضوعياً. فالمحيط هنا قائم بشكل مستقل عن الفرد المدرك والخابر له، وليس باعتباره " مجال حياة " مصمم وفق الأهمية الذاتية، بالشكل الذي تصورها فيه ليفين (1937)، أحد الممثلين الأوائل للرؤيا التفاعلية في علم النفس فيما بعد. وعلى الرغم من أن كل من الرؤيا الدينامية النفسية والنظرية السلوكية تبدوان بأنهما تحتلان مواقع متناقضة، إلا أنهما تتحركان على المرحلة نفسها من الوعي، التي ينفصل فيها الداخل والخارج، الفرد والمحيط بشكل قاطع ويوضعان بعلاقة مع بعضهما على أنهما كينونتان منفصلتان. وقد تم في هذه الأثناء في علم النفس ذي الاتجاه التجريبي إدراك أن التفسيرات الوحيدة الاتجاه للسلوك والفاصلة للفرد عن المحيط، والتي قام عليها البحث النفسي لعقود قد قادت إلى طرق مسدودة وحلت محلها تصورات ومبادئ بحث جديدة على نطاق واسع. والصفة المشتركة لهذه المبادئ الجديدة عدم تحديد الفرد والمحيط بوصفهما كيانين منفصلين عن بعضهما وإنما مرتبطان بعلاقة "تفاعلية- متلازمة البناء Constructimmanent-interactional " مع بعضهما (Heckhausen, 1982 ; Grawe, 1985 ). غير أن الرؤى النفسية الدينامية والنظرية السلوكية مازالت هي الرؤى السائدة في العلاج النفسي. وتشكل إحداهما أساس التنوع الكبير للأشكال العلاجية التحليلية النفسية والإنسانية، والثانية أساس الطيف الكلي للطرائق العلاجية السلوكية. ومن الممكن للمبادئ الجديدة القائمة على أسس تفاعلية ومنظومية أن تكون موجودة إلا أنها حتى الآن لم تؤكد نفسها في الممارسة والتأهيل بعد. وترجع مسؤولية ذلك بشكل خاص إلى الطبيعة المحافظة على استمرارية ذاتها للمدارس العلاجية. وهذه الطبيعة تقود إلى أن التطورات والمعارف المفاهيمية الجديدة لا تجد مدخلاً إلى العلاج النفسي إلاّ على شكل مدارس علاجية جديدة "أحدث" و لا يتم تقبلها على مستويات واسعة. ومن هنا فإن العلاج النفسي مثل نظامنا الصحي تماماً ليسا على مستوى الذي نعيش إن صح التعبير. ففي كليهما، العلاج النفسي والنظام الصحي، هناك اتجاهات شديدة، ثابتة و قائمة على أساس خارج العلم تعيق التطور وفق مستوى المعرفة العلمية المتبدل و المستوى العام للوعي. مبدئياً يمكن لذلك الذي يشكل عصارة العلاج النفسي، أي الانعكاس الواعي لأسلوب الحياة ووضعها الخاص، أن يتم تعلم رؤيته ذاته كفاعل ومنفعل في الوقت نفسه، بالضبط كتطبيق ملموس بشكل مباشر واستخدام للوعي البيئي على ذاته وحياته الخاصة. ومما لاشك فيه فإن العلاج النفسي كسيرورة Process يعد وسيلة اجتماعية ذات قيمة في خدمة الإنسان على مستوى عصرنا. غير أن التصورات المضمونية القائمة عليها غالبية التأهيلات العلاجية تتحرك على مستوى قبلي من التطور. فالوعي البيئي النامي على مستويات واسعة في الوقت الراهن للإنسان حول ذاته في علاقته بمحيطه، الذي شكل علم النفس والعلاج النفسي أشكاله الأولية من الناحية التاريخية، يتضمن تصورات عن الصحة الجسدية والنفسية، مختلفة كلية عن التصورات الراهنة لنظام صحي يقوم على نموذج بيولوجي للمرض. وهذا الوعي أدركه علم الطب منذ أمد بعيد أيضاً. ومن هنا توجد هوة كبيرة بين مستوى المعرفة القائمة في الطب وطبيعة نظامنا الصحي. وعلى المدى البعيد يتم التشكيك بصورة متزايدة بالنظام الصحي بشكله الحالي من قبل التطور الطبي الداخلي و التطور العام للوعي. غير أن هذا التطور مازال في بداياته. والتوصيف الراهن للعلاج النفسي في النظام الصحي مازال يتحرك ضمن نموذج تفكير تم تجاوزه منذ زمن من حيث المبدأ يتناقض في أساسه مع المضامين المرتبطة بشروط العلاج النفسي. وهذا يقود إلى مشكلات غير قابلة للحل ضمن هذا النموذج من التفكير. ومن ضمن ذلك على سبيل المثال تعريف مشكلات الحياة "العادية normal " وفصلها أو تحديدها عن " الاضطرابات ذات القيمة المرضية "، والتفريق بين الإرشاد والعلاج النفسي وبين العلاج والوقاية. ويكمن سبب صعوبة وضع هذه الحدود في كونها غير موجودة في الواقع. وأسبابها ليست في الموضوع وإنما في مقتضيات نظامنا الصحي الذي يحتاج هذه الحدود من أجل تنظيم الضمان الصحي و الإجازات المرضية والسماح بمزاولة العمل …الخ. وتزداد ضخامة التناقضات المرتبطة بذلك في نظامنا الصحي كلما ازداد اشتمال تطور الوعي المناقش أعلاه على مجالات الحياة ككل. وسوف لن تحل بصورة مقبولة إلاّ إذا اعتمد النظام الصحي مرة مفهوماً شاملاً للصحة بدلاً من مفهوم تم تجاوزه منذ أمد بعيد للمرض. وحتى ذلك الوقت سوف يظل الأمر يدور على الأقل حول التغلب على العبثية الهشة المرتبطة بدمج العلاج النفسي في النظام الصحي الراهن. إلاّ أن سوء الحال في مجال العلاج النفسي لا يتعلق بأن ما يحدث في العلاج النفسي بالفعل لا يتوافق في الواقع مع نموذج المرض "الجامد" السائد في نظامنا الصحي فقط؛ إنه مصنوع داخلياً في جزء لا بأس به ويسجل في حساب المعالجين النفسيين أنفسهم.
|
|
|||||||||||||||
|
|||||||||||||||||