مرحبا بكم

               

 
الرئيسية
تسجيل الدراسات
الترجمة
وسائط متعددة
أبحاث علمية
بحر الكتب
دبلومة إدارة مستشفيات
الدراسات السابقه
خدمات بالمجان
من نحن
مقالات ودراسات نفسيه
فوبيا "التفنيش" وقهر الاستعباد
كتب مجانيه
درسات ومقالات علم رالاجتماع
أبحاث طبيه
دبلومة إدارة الجودة الشاملة
الأدارة
علم الأدارة
الجودة الشاملة
ملخصات رسائل ماجستير إعلام

دورات تدريبة للتربية الخاصة والتخاطب

ملخصات رسائل دكتوراه

ملخصات رسائل ماجستير

Ãæá ãÍÑß ÈÍË ÅáßÊÑæäí ãÊÎÕÕ ÈÇáÊÓæíÞ æÇáÊÑæíÌ ÇáÓíÇÍí
ááÇÔÊÑÇß Ýí ÎÏãÉ ÇáÊÈÇÏá ÇáÅÚáÇäí ãä ÇáÓæÞ

جامعة القاهرة

 

الفصل الثالث

المعايير في الصحة النفسية

 

لقد واجهتنا جميعاً ولو لمرة واحدة في حياتنا المفاهيم المتزاوجة السواء- الشذوذ، الصحة – المرض، التطابق …التكيف، سوء التكيف… الانحراف….الخ.

ونحن نستخدم هذه المفاهيم  في أطر مختلفة للإشارة إلى مجموعة كبيرة من الظواهر السلوكية الفردية والجماعية والاجتماعية التي تبدو غير مألوفة وغير معتادة أو للإشارة إلى وجود نوع من الخلل والاضطراب.

وعندما نحاول وصف سلوك ما ونستنتج هنا وجود اضطراب ما ، فإن هذه العملية هي نتاج لعملية تقويم Evaluation  ، تقوم على فرضيات  محددة  تستند بالأساس إلى إطار مرجعي محدد، إلى معيار،  حتى لو كان هذا الإطار المرجعي أو المعيار غير واضح دائما، ً إلاّ أنه موجود في أي تقييم مهما كان نوعه.  ويغلب أن يختلف هذا التحديد لطبيعة السلوك  باختلاف الإطار المرجعي للمقيمين ، أي خلفيتهم النظرية،  وباختلاف الغرض من التقييم: هل هو تربوي ، نفسي –تشخيصي، اجتماعي، إكلينيكي- مرضي ..الخ.  ويقوم تقييم  مظاهر الصحة النفسية أو الاضطرابات النفسية أو الانحرافات استناداً إلى مقدار انحرافها عن القيم المتوقعة وعن المعيار الشائع أو المستخدم  وعن القيم الواجبة. ولا بد من الإشارة هنا إلى الصعوبات الكبيرة التي تواجهنا  في تقييم مقدار الانحراف أو الشذوذ في الظاهرة النفسية الإكلينيكية  لتشابك وتداخل العوامل بين ما هو صحي أو مرضي، بين ما هو سوي أو منحرف  ولنسبية  مفهومي " السواء والشذوذ " بحد ذاتهما،الأمر الذي يصعِّب  التقييم حتى عند وجود المعيار.

وللمعيار عدة معان، فهو:

1)       خط مُوَجِّه ،

2)    مؤشر،

3)        مقياس،  

4)       تعليمات يتم العمل وفقها،  

5)       قيمة واجبة تقاس الأشياء على أساسها.

 وتشترك هذه المعاني جميعها  بمظهر المقارنة.

فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن القياس ي علم النفس عموماً هو عبارة عن مقارنة بين الأفراد في سمة ما أكثر منها عملية قياس كمية لما يملكه الأفراد من هذه السمة، فإن الأساس الذي يتم وفقه بناء المعيار هو المقارنة بين سمات متعددة عند الفرد أو بين الأفراد. أما الأداة التي يمكن بناء التقويم على أساسها فيمكن أن تكون التوقعات، أي ما يتوقع من سلوك الفرد في موقف معين وفي سن معينة أو على أساس المقاييس الموضوعية أو المقاييس أو الشخصية.

 

 مفاهيم مختلفة للمعيار في علم النفس والصحة النفسية

ميز آيزينك في عام 1977 في ‘طار تقويم السلوك السوي و السلوك الشاذ، أو بين الصحة النفسية والاضطراب  بين " المعيار الإحصائي " و " المعيار المثالي" "والمعيار الطبيعي ". ويؤكد انه لابد من الانتباه بصورة خاصة إلى عدم الخلط الذي يحدث أحياناً بين معنى السواء الذي يتم وفق المعيار الإحصائي والمعيار المثالي عندما يتم استخدام الكلمة " سواء " لوصف حالة نفسية سليمة.  فنحن إذا ما قرأنا  في مرجع من مراجع التحليل النفسي بأنه ليس هناك من إنسان " سوي"، أو ليس هناك من إنسان "سليم" نفسياً،  فالمقصود هنا مفهوم "السواء" بمعناه المثالي وليس بالمعنى الإحصائي. إذ أن الخلط هنا سيقودنا إلى تفسيرات غير معقولة على الإطلاق. يستند مفهوم المعيار الإحصائي إلى أكثرية  الناس، أما المعيار المثالي بالمقابل فهو يصف الحالة التي ينبغي للإنسان الوصول إليها، أي يصف ما يجب أن يكون وليس منا هو قائم بالفعل.

 أما السواء بالمعنى "الطبيعي" فيصف ما هو السلوك الذي يعتبر"طبيعياً"،  كالعلاقة الجنسية الغيرية بين الرجل والمرأة على سبيل المثال. ويرى آيزينك أن " المعيار الطبيعي" يستند إلى المعيار الإحصائي أصلاً. فنحن نطلق تسمية "طبيعي" على أشكال السلوك التي تكثر ممارستها في مجتمع معين، على ما اعتادت غالبية الناس ممارسته والقيام به.  

ويرى آيزينك أنه من الأهمية بمكان النظر إلى معاني " السواء " و "الشذوذ"  بشكل نسبي. إذ أنه يرى أنه لا توجد معايير عامة  أو مطلقة للسلوك أو لما يجب أن يكون عليه السلوك.  وحاول إثبات وجهة نظره هذه من خلال أمثلة من المجال الأنثروبولوجي ومن دراسات كنزي حول السلوك الجنسي للأمريكان. غير أن المشكلة في حجج آيزينك أنها تحمل في طياتها نسبانية ثقافية، تركز على اختلاف الشعوب والسلوك الجنسي في الطبقات المختلفة للمجتمع الأمريكي، ولكنها تغفل  إي نوع من الأمور المشتركة المستنتجة بين جميع شعوب الأرض، مثل  تحريم غشا المحارم التي يمكن ملاحظتها في المجتمعات كافة.

ومن أجل التوضيح الأفضل لهذه الإشكالية المتمثلة في وجود اختلافات وربما تناقضات كذلك في قناعات الناس  ، يذكر راينئكر (1994) الأمثلة التالية المقتبسة عن   فرنكينا Frankena,1986).

ففي بعض المجتمعات البدائية غالباً ما يعتقد الناس أن على الإنسان قتل والديه قبل أن يشيخا. وهنا يمكننا أن نسأل  فيما إذا هذه الاختلافات عن ثقافتنا قائمة بالفعل أم أنه تكمن خلف هذه الفروق الظاهرية أشياء مشتركة أساسية. والإجابة عن هذا السؤال تكمن في معرفة الدافع الكامن خلف هذا السلوك الظاهر. فمن وجهة نظر هذه القبائل البدائية إنه من الأفضل بالنسبة للوالدين الرحيل إلى الآخرة والإنسان ما يزال في حالة جسدية جيدة بعد، فالحياة الآخرة تحتاج لأناس أقوياء أصحاء وليس إلى أشخاص ضعفاء ومرضى. ويشير هذا المثال إلى أن الدافع الكامن خلف هذا السلوك هو واجب عمل الأفضل مع الوالدين . كما وأشرنا في المدخل التاريخي إلى الكيفية التي كانت تتم وفقها معاملة المرضى نفسياً والمعوقين في العصور الوسطى. فمن وجهة النظر الخارجية يعد هذا السلوك سلوكاً لا إنسانياً، أما الدافع الذي كان يكمن خلف هذه الممارسات فهو الاعتقاد بأن التعذيب والسجن والتقييد يساعد المريض من التحرر من مرضه، وأن التعذيب والضرب، أخف شدة من مقدار المعاناة التي يعانيها هؤلاء المساكين. ويظهر هذين المثالين أن المعايير الأساسية العامة تمتلك صلاحية مطلقة في كل المجتمعات، غير أن تطبيقها  يتعلق بالظروف الخاصة بالمجتمع.

ويورد هوفشتتر ( Hofstaetter تفريقاً مشابهاً لآيزينك حول المعايير المهمة في علم النفس. وهو يفرق بين  المعايير الإحصائية و المثالية والوظيفية. وسوف نتبع في العرض التالي عرضه للمفاهيم  المختلفة للمعايير لاستخدامها الواسع في علم النفس.

 

  المعيار الإحصائي

يقوم هذا النوع من المعايير على مدى  تكرار أو توزع سلوك ما في مجتمع من المجتمعات أو في عينة منه ويتم تمثيل هذا التوزع أو التكرار في توزع جرس غاوس (أنظر الشكل). وتطلق على المجال المتوسط في هذا التوزع تسمية المدى الطبيعي أو المدى المتوسط أو السوي، حيث يساوي المجال المتوسط هنا المتوسط الحسابي  الانحراف المعياري).  في حين تعتبر المجالات المتطرفة الموجودة في كلا الجانبين " شاذة أو غير سوية ". ومن خلال المدخل حساب المعايير الإحصائية يتم تحديد القيمة التي يعتبر عندها السلوك قد تجاوز المعيار. فالشخص الذي يمتلك في سمة من السمات أو يتصرف في موقف من المواقف بشكل أقل أو أكثر من المجال المتوسط في جمهور مماثل، يعد سلوكه منحرفاً عن المعيار أو ملفتاً للنظر، أو غريباً…الخ.

ويعد المعيار الإحصائي سهل التمثيل والفهم، غير أن دقته الإحصائية تعتمد على مدى جودة ودقة اختيار العينة الممثلة للسلوك المراد تحديده وقياسه.

 

  ملاحظات حول المعيار الإحصائي

·   هناك العديد من الاعتراضات على استخدام المعيار الإحصائي.  ويشكل قياس الذكاء والشخصية أحد الأمثلة على ذلك. فالذكاء لا يعتبر غير سوي (أو شاذاً) إلا عندما  تقع درجة  ذكاء الفرد في المجال المنخفض فقط من مقياس التكرار الطبيعي ممثلاً بمنحنى غاوس (أي م-2ع فما فوق). أما الدرجة المرتفعة من الذكاء أو حتى العبقرية (أي م +2ع فما فوق) فلا تعتبر أمراً شاذاَ أو غير سوي،  على الرغم من الانحراف الإحصائي الواضح عن المعيار في الذكاء بالاتجاه المرتفع.بل على العكس من ذلك  يتم تقييمهما بشكل إيجابي،  ذلك أن الذكاء المرتفع والإبداع أمران مرغوبان ومطلوبان اجتماعياً واقتصادياً. بالإضافة إلى أنه لا تتم معاملة الشخص الذي يمتلك ذكاء مرتفعاً على أنه إنسان منبوذ أو يحتاج إلى تدخل لإعادة ذكاؤه إلى الدرجة المتوسطة.

 

من ناحية أخرى و في  غالبية سمات الشخصية يتم اعتبار الانحراف في كلا المجالين انحرافاً غير سوي (أي م2ع فما فوق).   فالسلوك  المتوافق  بشدة مع المعيار  كالسلوك مفرط التكيف أو السلوك المنحرف بشدة عن المعيار كالسلوك مفرط النشاط  مضطربان في كثير من الحالات، أي غير سويين. فالتطرف في كلا الاتجاهين هنا أمر غير مرغوب.

·   وهناك مشكلة أخرى يواجهها المعيار الإحصائي. إذا وجدت في عينة  أو جمهور ما تكرارات كبيرة لعاهة ما  كقصر البصر، أو سوء التغذية؛ أو تعاطي الكحول أو التدخين، فإن نتيجة ذلك ستكون اعتبار هذه العادات " سوية " بالنسبة إلى التوزع الإحصائي الطبيعي.

وتشكل أمراض الحضارة التي يعاني منها عدد كبير من السكان مثالاً موضحاً لذلك بصورة أكبر. لنأخذ ظاهرة تسوس الأسنان على سبيل المثال. فوفقاً لإحصاءات عالمية يعاني بين 60-80% من السكان من تسوس الأسنان.  وعلى الرغم من هذا العدد الكبير من الأفراد الذين يعانون من تسوس الأسنان فلن يستطع أحدهم الدعاء أن تسوس الأسنان أمر طبيعي أو صحي.

 

·   وهناك اعتراض ثالث على المعيار الإحصائي ينبع من حقيقة  أن سمات الإنسان لا تتوزع كلها توزعاً طبيعياً، وإنما تخضع لتوزع آخر مثل توزع بويسون Poisson [4] أو توزع الأحداث النادرة   . وتوزع بويسون هو توزع  عشوائي غير متناسق ناجم عن التوزع ذي الحدين . ويسمى توزع الأحداث النادرة لأن احتمال أن تنطبق فيه سمة ما على شخص ما يمكن أن يكون صغيراً جداً.

وبناء على ذلك يكون استخدام المعيار الإحصائي وحده لتفسير الظواهر والحكم فيها على مقدار "السواء"  و "الشذوذ" غير كاف. ولحل مشكلة المعيار الإحصائي هذه اقترح شميدت (1984) المبدأ الذي اتبعه بيج ( Page, 1971) ، والذي ينادي بربط التوزع الإحصائي أو الطبيعي بمنظومة  من القيم، وقد استخدم لذلك خمسة معايير أساسية متلازمة مع بعضها  من أجل تقييم  مقدار " السواء والشذوذ":

1)  الوظائف النفسية: فحص مستوى قيام الوظائف النفسية (الجانب الانفعالي والدافعي والمعرفي) بعملها بشكل متناسق مع بعضها، وعدم وجود خلل في عملية الإدراك وتقييم العالم الموضوعي بصورة متطابقة مع الواقع. ويختلف قيام الوظائف النفسية بعملها في حالات السواء والمرض كما ويختلف مستوى قيام هذه الوظائف بعملها في الحالات المرضية المختلفة، بحيث يمكننا تحديد نوع الاضطراب من خلال نوعية الخلل في قيام الوظائف النفسية المختلفة بعملها.

2)  نوعية السلوك الاجتماعي (المعيار الاجتماعي): ويتم هنا تقييم مدى انسجام السلوك مع القيم والمعايير الاجتماعية السائدة وعدم انحراف السلوك عما هو مألوف ومعتاد في المجتمع المعني الذي ينتمي إليه. ولا يعني هذا مسألة تقبل الفرد الكامل والخضوع لجميع معايير المجتمع وقيمه، وإنما يعني انسجام هذا السلوك مع ما يتوقعه المجتمع من الفرد وعدم وجود سلوك مضاد أو مؤذ للمجتمع يسعى إلى تحطيم قواعد العيش المشترك.

3)   مقدار ضبط الإرادة والسيطرة عليها: وتعني قدرة الإنسان على التحكم بدوافعه وانفعالاته في إطار موقف ما وتأجيل إشباع ما لايمكن إشباعه في الوقت الراهن.

4)   التقويم من خلال المجتمع (المنظور الخارجي للتقييم أو ما يسمى بمنظور الآخر): وتعني الكيفية التي يقيم من خلالها المجتمع سلوك أفراده. وهنا نشير إلى وجود اختلافات أيضاً بين المجتمعات وضمن المجتمع الواحد في أسلوب تقييم السلوك الواحد.. فقد ينظر شخص ما لسلوك على سبيل المثال لسلوك طفله العدواني تجاه شخص آخر على أنه شاذ وغريب، في حين ينظر شخص آخر إلى السلوك نفسه على أنه سوي وطبيعي.

5)   التقويم من خلال الفرد نفسه (المعيار الذاتي للتقييم): الكيفية التي ينظر فيها الشخص لذاته وسلوكه من منظوره الخاص.

 

والانحراف في الاتجاه الأول يسمى " المعيار المثالي " كالذكاء المرتفع،  ويسمى الانحراف في الاتجاه الآخر " المرض النفسيPsychopathology ". كما وأن منظومات التشخيص العالمية  للاضطرابات النفسية التي تأخذ بمبدأ التشخيص المتعدد الأبعاد تحاول من خلال ذلك تجنب السلبيات الخاصة التي يمكن أن تنجم عن هذا المعيار والمعايير الأخرى منفردة.

فالدليل التشخيصي الإحصائي الرابع الصادر عن الجمعية النفسية الأمريكية يحدد على سبيل المثال خمسة محاور، يطلق عليها تسمية التقويم متعدد الأبعاد للحكم على وجود اضطراب أو تضرر في الصحة النفسية.

1)    فعلى المحور الأول يتم تشخيص الاضطراب الإكلينيكي، كاضطراب القلق أو الفصام أو اضطرابات الطعام..الخ.

2)   وعلى المحور الثاني يتم تشخيص اضطرابات الشخصية (تشخيص الشخصية)، على نحو اضطراب شخصية زورية (بارانوئية)، شخصية هيستيرية، مضادة للمجتمع…إلخ.

3)   أما المحور الثالث فيشخص العوامل المرضية الطبية. أي الأمراض الجسدية التي يمكن أن تكون على علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالاضطراب النفسي، كأمراض الغدد، أو امراض الدورة الدموية أو أمراض التنفس أو أمراض ولادية أو تسممات وإصابات…الخ.

4)   وعلى المحور الرابع يتم تشخيص المشكلات النفسية الاجتماعية والمشكلات المرتبطة بالمحيط، أي يتم تشخيص التكيف، على نحو مشكلات مع المحيط الاجتماعي، مشكلات مهنية، أو أسرية أو اقتصادية، أو مشكلات سكن مشكلات مع القانون..الخ.

5)  ويتضمن المحور الخامس مستوى قيام الوظائف النفسية بعملها والإدراك العام، على نحو تضرر السلوك من خلال أفكار هذيانية، قصور في إدراك الواقع، قصور في ضبط الواقع، عدم القدرة على التواصل، وجود خطر إلحاق الأذى بالآخرين، بالإضافة إلى أعراض طفيفة أخرى كصعوبات التركيز و اضطرابات النوم..الخ.

وتظهر الأمثلة أن  تمييز السمات  من خلال التوزع الطبيعي وفق المعيار الإحصائي يتم وفق مستوى كمي وليس نوعياً، أي مقدار ما يوجد من الانحراف عن المتوسط عند فرد ما في سمة ما. ومن ثم فإن كل فرد يمتلك درجة تنحرف بمقدار ما عن متوسط السمة  المقاسة، كالقلق والاستقرار الانفعالي على سبيل المثال. وبالتالي يمكن لأي إنسان أن يتصور معنى مشاعر القلق مثلاً وتقدير مدى شدتها عنه أو عند غيره. وبالتالي هنا نتحدث عن وجود القلق بدرجات عند الأفراد مثلاً.

ولكن في تقييم كثير من السمات الأخرى تحتل الوجوه النوعية أهمية كبيرة كما هو الأمر في الاضطرابات الذهانية (كالفصام) حيث تتضرر نوعية الخبرة بدرجة لا يمكن ملاحظتها في حالة السواء. وهنا لا نستطيع أن نتحدث هنا بلغة المتدرج أو المتوسط، ذلك أن الإنسان هنا إما أن يكون سليماً أو مريضاً ولا يوجد أمر وسط بينهما. وهو ما نقاشناه كذلك في تعريفنا للصحة.

 

   المعيار المثالي

 يقصد بالمعيار المثالي  حالة من الكمال ( الينبغيات )، مجموعة من الشروط الواجبة، المستقلة عن الواقع والزمان،  يعتبر الوصول إليها والسعي نحو تحقيقها أمراً جديراً بالطموح. وتصف المعايير المثالية الإمكانات التي تستحق السعي للإنسان المفيدة كنموذج، كقدوة للطموح، كمثل أعلى  والسلوك الإنساني. ويتم تقييم "السواء" أو " الشذوذ " في هذا المعيار من وجهة نظر أخلاقية أو دينية  أو إيديولوجية أو من خلال قيم أخرى.  وكل إخلال في هذه المعايير يعد انحرافاً وبالتالي شذوذاً.

 n ويقوم مفهوم الصحة الذي صاغته منظمة الصحة العالمية والذي سبق ذكره على أساس المعيار المثالي.  وهنا تعد الصحة بأنها الحالة المثلى من الإحساس الجسدي والنفسي  وليس مجرد غياب المرض. ويشكل " الشخص  السليم  كلية" fully functioning Person  عند كارل  روجرز، الشخص الذي يكون منسجماً مع ذاته  ومتعاطفاً معها وقادراً على التعبير بحرية عن مشاعره وخبراته الانفعالية ويملك مفهوماً واقعياً عن ذاته…الخ،  مثالاً على المعيار المثالي .

 

ويرتبط المعيار المثالي ارتباطاً وثيقاً مع المعيار الاجتماعي والمعيار الشخصي (الذاتي).

ويقصد بالمعيار الاجتماعي توقعات مجموعة ما من سلوك شخص ما، وترتبط هذه التوقعات الاجتماعية بالعادات والقيم والمعايير السائدة في المجتمع وبتوجه المجتمع الديني والسياسي والأخلاقي والاقتصادي.  أما المعيار الشخصي أو الذاتي فيحتل التقييم  الذاتي  للشخص نفسه  موقع الصدارة.  وهما قد يتعاكسان أو يتناقضان مع بعضهما أو قد يتطابقان. ويعتبر الإحساس الذاتي  هو المنطلق المركزي للتقييم في المعيار الشخصي.  ولكنه يتأثر  بشكل خاص بالمعايير الاجتماعية والمثالية  بشدة.  فهو وإن كان قائماً على الرؤية الذاتية إلاّ أن هذه الرؤية لا تتشكل في النهاية من فراغ وإنما تستمد بالأصل أحجار البناء التابعة لها من الإطار الاجتماعي ( التنشئة الاجتماعية  ) ومن الإطار المثالي ( القيمي ) السائد في محيط الفرد المباشر وغير المباشر.

 

 ملاحظات حول المعيار المثالي:

غالباً ما يظل تحقيق المعايير المثالية  مطلباً فحسب ، ذلك أنها تطرح معياراً مطلقاً مصاغاً بشكل مستقل عن المعطيات الواقعية. وإذا حاولنا تعريف المرض أو الاضطراب وفق المعيار المثالي فسنجد أن ذلك غير ممكن على الإطلاق.  عدا عن  أنه في  هذا المعيار  يفهم المرء المرض النفسي على أنه انحراف عن  تركيبة من النمط المثالي للصحة. غير  أن الوصف الدقيق لهذه التركيبة المثالية للصحة يصعب القيام بها. فالسؤال عن ما هي الصحة مثلاً يمكن أن يقود إلى وضع قائمة لا تنتهي من المعايير وكل معيار من هذه المعايير يكون مشكلة بحد ذاته لصعوبة قياسه.

ومن أجل  تقييم أنماط السلوك  يمكن كذلك استخدام معايير مختلفة، اجتماعية وشخصية ودينية وإيديولوجية والتي يمكنها عندئذ أن تقود إلى استنتاجات متناقضة، ذلك أن المعيار المثالي يشتق على أساس  منظومات مختلفة من القيم، ومتناقضة في بعض الأحيان. وتعريف الاضطرابات النفسية وفقاً  للمعايير الاجتماعية  أو الفردية أو الذاتية  وحدها يبدو صعباً جداً ذلك أن هذه المعايير غالباً ما تكون غير واضحة كفاية كما وأن مجال صلاحيتها ومجال التسامح فيها غير واضحين ويبقى أمر كيف ومن خلال من يتم تطبيق هذه التقييمات معلقاً إلى مدى بعيد.

 

  المعيار الوظيفي

يقصد  بالمعيار الوظيفي  عموماً  الحالة المتفقة مع الفرد فيما يتعلق بأهدافه وقدرته.  

يمكن للعمل في أيام العطل أن يكون محرماً أو ممنوعاً وفقاً للمعيار المثالي، ومحاولة وضع تكرار إحصائي سوف تقود إلى نتيجة مشابهة، أي أن عدد قليل من الناس هم الذين يعملون في أيام العطل. ولكن عندما نتأمل هذا من وجهة نظر معيار وظيفي، فإنه يمكن النظر للعمل بالنسبة لشخص ما على أنه أمر اعتيادي من الناحية الوظيفية. بكلمات أخرى عندما تتم معرفة الهدف الكامن خلف هذا السلوك نستطيع تقييمه على أنه "سوي" أو "مضطرب".  

 

 ملاحظات حول المعيار الوظيفي

في المعيار الوظيفي يتم افتراض وجود علاقة وظيفية بين وضع الفرد و نشاطه الهادف.  فالسلوك الذي يقوم به الفرد ويكون متناسباً مع المرحلة العمرية التي يمر بها ومع إمكاناته السلوكية يعد "سوياً". ولا يمكننا التحدث عن ضرر وظيفي (اضطراب أو عدم سواء) إلاّ  إذا أخفق الإنسان في التغلب على وظيفة محددة على الرغم من أن إمكاناته المتوفرة تمكنه من  التغلب عليها. ويمثل الإخفاق في الامتحان على الرغم من التوفر الكافي للمعارف  و المعلومات مثالاً لذلك.

وفي المعيار الوظيفي يحتل التضرر الوظيفي ( أي السلوك المنحرف أو الشاذ) مركز الصدارة وليس الشخص. فالتقييم يتم للسلوك.  وفي المجال العلاجي  تعد العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية  الاقتصادية، التي تقيد من حرية النمو الواقعي  عند المتعالج من العوامل المهمة في التقييم من خلال منظور المعيار الوظيفي.   وتقوم التصورات الوظيفية على المبدأ التوازني القائم على التوازن الديناميكي للعضوية بين الجوانب النفسية والبيولوجيةً، حيث يعتبر هذا التوازن حالة مبتغاة من السواء.

أما الفائدة الأساسية للتصورات الوظيفية في وصف السواء فتتمثل في تصورها للمنظومة الديناميكية للإنسان. حيث ينظر للإنسان هنا على أنه لا يتميز بقدرة عالية على التكيف فحسب وإنما يسهم بشكل فاعل في كل في عملية التكيف وما ينجم عنها.

ولكن الإشكالية الأساسية للرؤيا الوظيفية تتمثل في وجوب الاعتماد في الحكم على السواء إلى إطار منظومة عليا أو منظومة كاملة.وبالتالي فإن الحالة السوية لا يمكن تحديدها إلاّ  عندما نعد  المنظومة التي نفحصها على أنها جزء من  وحدة عليا ، كأن ننظر للفرد بوصفه فرداً ضمن إطار مجموعة، والمجموعة باعتبارها مجموعة ضمن جماعة …وهكذا، أو عندما نحدد السواء من خلال تحديدنا للهدف الكامن خلف السلوك.

 

 

  المعيار التفاعلي

    إن الاعتماد على معيار واحد من المعايير السابقة المذكورة قد يكون له مبرراته في الحياة العملية اليومية ولكن عندما يتعلق الأمر بإطلاق الأحكام التشخيصية في علم النفس المرضي والممارسة العيادية أو الصحة النفسية لا يكفي الركون إلى معيار واحد من هذه المعايير كما نوهنا سابقاً و  من المؤكد أن المعايير المختلفة ليست منعزلة عن بعضها وإنما  ترتبط مع بعضها بطريقة تفاعلية. وعليه يصف براندشتتر وجود علاقة متبادلة بين  المعايير الوصفية  descriptive

(الإحصائية) و العرفية  Prescriptive  ( المثالية ، الوظيفية ).  فكما يمكن للمعايير  الوصفية أن تحدد تكرار  أو احتمال ظهور سمات محددة، تستطيع المعايير العرفية أيضاً أن تحصل على معلومات بوساطة الوسائل الإحصائية حول وجود تغير ما. فالخرق المتكرر جداً لمعايير القانون غالباً ما يجلب معه ضرورة التعديل لهذه المعايير. فعندما تنتشر في مجتمع من المجتمعات ظاهرة من الظواهر كازدياد نسبة تعاطي المواد المسببة للإدمان مثلاً، أو ازدياد نسبة الجريمة أو ازدياد نسبة العاطلين عن العمل حتى، ولا تعود القوانين السارية فاعلة كثيراً في مواجهة هذه الظاهرة، تنبع ضرورة تعديل القوانين السارية وإيجاد قوانين بديلة أكثر فاعلية تستطيع الحد من هذه الظاهرة.  

ومن أجل تصنيف أنماط السلوك بأنها " سوية " أو غير سوية " يمكننا استخدام المعايير المثالية والوظيفية والإحصائية.  وبما أن هذه المعايير تقوم على أسس مختلفة، فسوف  تظهر لدينا  مقولات واستنتاجات مختلفة ومتناقضة أيضاً.  ولهذا السبب يتحدث فيتسل عن وجوب استخدام  التحديد متعدد الأقطاب " للسواء"  أو " للشذوذ ". وبطريقة مشابهة ينتقد شينك (Schenk,1977)  التعامل مع المعايير الإحصائية. ويظهر بأن كل واحد من هذه المبادئ الطرائقية (المعايير)  لا يستطيع أن يكون مقنعاً  إذا ا أخذ بحد ذاته كمعيار مستقل، ويؤيد الأسلوب التكاملي الذي يتضمن كل العوامل الثلاثة. بالإضافة إلى أن التحديد المتعدد الأقطاب "للسواء"  و "الشذوذ" يتيح لنا إمكانية القيام بعملية تحقيق تصنيفي – تفريقي لأنواع وأشكال ومستويات الأمراض والاضطرابات النفسية والإعاقات المختلفة. فالإعاقة الجسدية يمكن اعتبارها "شذوذاً" من ناحية أن المعيار " السوي" هو عدم وجود الإعاقة ولكن لا يمكن وضعها على درجة متساوية مع الذهان، باعتباره استجابة عقلية ناجمة عن مرض  وهذا الأخير لا يمكن وضعه على المتصل نفسه الذي يقع عليه عدم الاستقرار الانفعالي. وعلى الرغم من أن الأسلوب التوليفي لا يحل المشكلة الصعبة جداً في التفريق بين "السواء" و "الشذوذ" كلية ولكنه يقود إلى مراعاة خاصة للصفات والخصائص والمستويات المختلفة  و إلى أخذ الإطار الثقافي الاجتماعي  بعين الاعتبار. كما ويؤكد فيتسيل كذلك على ضرورة أخذ السياق الذي يتم فيه التصرف بعين الاعتبار لأن المعايير توضع دائماً من قبل المجموعات أو الأشخاص.

 

 

معايير إجرائية للمربين

    ناقشنا في الفقرات السابقة المعايير "السواء والاضطراب" "والصحة النفسية والمرض" من زوايا مختلفة وناقشنا المشكلات المنهجية المتعلقة بهذه المعايير. ولكن هذه المعايير قد لا يستطيع المعلمون والمربون التعامل معها. وبالتالي تنبع ضرورة وضع معايير إجرائية مفيدة في التقييم السريع للسلوك وفي ملاحظته. ومن هذه المعايير نذكر التالي:

 

 

السن:

    المقصود بمعيار السن مدى تناسب السلوك الملاحظ مع المرحلة العمرية التي يمر بها الإنسان.   فما قد يبدو عادياً في سن معينة يصبح عند ظهوره في سن أخرى غير عادي. فحين يخاف الطفل الذي يلتحق بالروضة لأول مرة ويبكي أو يحاول الهرب أو يلتصق بأمه ولا يتركها ..الخ، فإننا نعد ذلك سوياً "طبيعياً"  أما إذا ما صدر هذا السلوك عن طفل في المرحلة الإعدادية مثلاً فإننا نعد هذا السلوك غير سوي ويستحق الاهتمام. وعندما يبلل طفل السنتين أو الثلاثة الفراش، نعد هذا الأمر أمراً سوياً ولكن عندما يظهر هذا السلوك في سن السادسة أو السابعة مثلاً فنعده أمراً غير سوي.

 

الموقف الذي يظهر فيه السلوك

    يعتبر الموقف أو الإطار الذي يظهر فيه السلوك محدداً هاماً من محددات السلوك السوي أو غير السوي. فالسلوك الذي قد يبدو لنا مستهجناً للوهلة الأولى (أنظر إلى المعيارالوظيفي) قد لا يصبح كذلك إذا قمنا بتحليل الموقف أو الإطار الذي ظهر فيه هذا السلوك.

 

التكرار

    المعيار الثالث والمهم الذي يمكننا من خلاله الحكم على سلوك ما بأنه سوي أو مضطرب هو مدى تكرار سلوك ما (أنظر المعيار الإحصائي). فالسلوك الذي يظهر لمرة واحدة فقط أو لمرات قليلة متباعدة لا يمكن اعتباره غير سوي اللهم إلا إذا كان هذا السلوك يلحق الأذى الشديد بالآخرين. فعندما يكذب الطفل مرة لينقذ نفسه من حرج معين مثلاً مرة واحدة لا يجيز لنا إطلاق صفة الطفل الكاذب عليه بعد. ولكن إذا تكرر هذا السلوك في أكثر من موقف وفي مناسبات مختلفة فإنه يمكننا الحكم هنا على هذا السلوك بأنه غير سوي.

 

القيم والمعايير

    المعايير والقيم يضعها المجتمع والأفراد . ومن هنا يوجد تفاوت كبير في أحكام واضعي المعايير نتيجة اختلاف رؤيتهم للسلوك واختلاف أهدافهم ومرجعيتهم الثقافية والدينية والأخلاقية. فقد ينظر شخص ما لسلوك طفله العدواني تجاه شخص آخر على أنه شاذ وغريب، في حين ينظر شخص إلى السلوك نفسه على أنه سوي وطبيعي. ونحن نلاحظ مثلاً أن كثير من الأهل يضحكون ويفرحون لأن ابنتهم تصرخ وتعض وتسيطر على الأطفال الآخرين في حين أن بعضهم الآخر ينزعج من هذا السلوك. ومرد ذلك إلى اختلاف الإطار الاجتماعي والشخصي الذي يتم الحك على أساسه (أنظر المعايير الاجتماعية والشخصية).

الاستغراب

     المقصود بالاستغراب هنا أن يكون السلوك ملفتاً للنظر. وأي سلوك ملفت للنظر يمكن اعتباره مضطرباً. وهنا لا يوجد فرق إذا كان السلوك ((مزعجاً)) أو ((لطيفاً)، إذ يمكن لطفل هادئ ((سهل العناية)) أن يكون مضطرباً سلوكياً تماماً مثل الطفل الصاخب،  فخلف الهدوء الشديد قد يكمن حزن عميق أو حتى اكتئاب.

 

 

 

 

 



[1] التنشئة الاجتماعية: عبارة عن جملة العمليات التي تجعل الفرد يتعلم أنماط السلوك ومعايير الجماعة وقيمها بطريقة تسمح له أن يكون مقبولاً فيها وأن يشارك في نشاطها دون صراع. وتطلق تسمية التنشئة الاجتماعية على عمليات النمو في الشخصية التي تحدث أثناء التكيف مع القيم والمعايير الاجتماعية وأنماط السلوك السائدة ضمن الجماعة وأثناء المواجهة مع هذه القيم والمعايير وأنماط السلوك أيضاً. وفي أثناء عملية التنشئة الاجتماعية يكتسب الفرد المهارات والكفاءات الاجتماعية في السلوك.

[2]  يقصد بها ممارسة الدور الجنسي (الذكري أو الأنثوي) وتقبل هذا الدور وتقبل الإنسان كونه ذكراً أو أنثى، وممارسة هذا الدور سلوكياً و اجتماعياً. 

[3] اللوغوس: العقل، المبدأ العقلاني في الكون في الفلسفة اليونانية القديمة. أما الأيروس فهو لإله الحب عند الإغريق

[4] توزع بويسون ( مفهوم إحصائي) أو توزع الأحداث النادرة ويفهم منها تكرار لأحداث منفردة بشكل مستقل عن بعضها البعض.  وينطلق هذا التوزع من فرضية أن الأحداث النادرة  تحدث بالصدفة فحسب

1

الفصل الثالث

المعايير في الصحة النفسية

 

لقد واجهتنا جميعاً ولو لمرة واحدة في حياتنا المفاهيم المتزاوجة السواء- الشذوذ، الصحة – المرض، التطابق …التكيف، سوء التكيف… الانحراف….الخ.

ونحن نستخدم هذه المفاهيم  في أطر مختلفة للإشارة إلى مجموعة كبيرة من الظواهر السلوكية الفردية والجماعية والاجتماعية التي تبدو غير مألوفة وغير معتادة أو للإشارة إلى وجود نوع من الخلل والاضطراب.

وعندما نحاول وصف سلوك ما ونستنتج هنا وجود اضطراب ما ، فإن هذه العملية هي نتاج لعملية تقويم Evaluation  ، تقوم على فرضيات  محددة  تستند بالأساس إلى إطار مرجعي محدد، إلى معيار،  حتى لو كان هذا الإطار المرجعي أو المعيار غير واضح دائما، ً إلاّ أنه موجود في أي تقييم مهما كان نوعه.  ويغلب أن يختلف هذا التحديد لطبيعة السلوك  باختلاف الإطار المرجعي للمقيمين ، أي خلفيتهم النظرية،  وباختلاف الغرض من التقييم: هل هو تربوي ، نفسي –تشخيصي، اجتماعي، إكلينيكي- مرضي ..الخ.  ويقوم تقييم  مظاهر الصحة النفسية أو الاضطرابات النفسية أو الانحرافات استناداً إلى مقدار انحرافها عن القيم المتوقعة وعن المعيار الشائع أو المستخدم  وعن القيم الواجبة. ولا بد من الإشارة هنا إلى الصعوبات الكبيرة التي تواجهنا  في تقييم مقدار الانحراف أو الشذوذ في الظاهرة النفسية الإكلينيكية  لتشابك وتداخل العوامل بين ما هو صحي أو مرضي، بين ما هو سوي أو منحرف  ولنسبية  مفهومي " السواء والشذوذ " بحد ذاتهما،الأمر الذي يصعِّب  التقييم حتى عند وجود المعيار.

وللمعيار عدة معان، فهو:

1)       خط مُوَجِّه ،

2)    مؤشر،

3)        مقياس،  

4)       تعليمات يتم العمل وفقها،  

5)       قيمة واجبة تقاس الأشياء على أساسها.

 وتشترك هذه المعاني جميعها  بمظهر المقارنة.

فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن القياس ي علم النفس عموماً هو عبارة عن مقارنة بين الأفراد في سمة ما أكثر منها عملية قياس كمية لما يملكه الأفراد من هذه السمة، فإن الأساس الذي يتم وفقه بناء المعيار هو المقارنة بين سمات متعددة عند الفرد أو بين الأفراد. أما الأداة التي يمكن بناء التقويم على أساسها فيمكن أن تكون التوقعات، أي ما يتوقع من سلوك الفرد في موقف معين وفي سن معينة أو على أساس المقاييس الموضوعية أو المقاييس أو الشخصية.

 

 مفاهيم مختلفة للمعيار في علم النفس والصحة النفسية

ميز آيزينك في عام 1977 في ‘طار تقويم السلوك السوي و السلوك الشاذ، أو بين الصحة النفسية والاضطراب  بين " المعيار الإحصائي " و " المعيار المثالي" "والمعيار الطبيعي ". ويؤكد انه لابد من الانتباه بصورة خاصة إلى عدم الخلط الذي يحدث أحياناً بين معنى السواء الذي يتم وفق المعيار الإحصائي والمعيار المثالي عندما يتم استخدام الكلمة " سواء " لوصف حالة نفسية سليمة.  فنحن إذا ما قرأنا  في مرجع من مراجع التحليل النفسي بأنه ليس هناك من إنسان " سوي"، أو ليس هناك من إنسان "سليم" نفسياً،  فالمقصود هنا مفهوم "السواء" بمعناه المثالي وليس بالمعنى الإحصائي. إذ أن الخلط هنا سيقودنا إلى تفسيرات غير معقولة على الإطلاق. يستند مفهوم المعيار الإحصائي إلى أكثرية  الناس، أما المعيار المثالي بالمقابل فهو يصف الحالة التي ينبغي للإنسان الوصول إليها، أي يصف ما يجب أن يكون وليس منا هو قائم بالفعل.

 أما السواء بالمعنى "الطبيعي" فيصف ما هو السلوك الذي يعتبر"طبيعياً"،  كالعلاقة الجنسية الغيرية بين الرجل والمرأة على سبيل المثال. ويرى آيزينك أن " المعيار الطبيعي" يستند إلى المعيار الإحصائي أصلاً. فنحن نطلق تسمية "طبيعي" على أشكال السلوك التي تكثر ممارستها في مجتمع معين، على ما اعتادت غالبية الناس ممارسته والقيام به.  

ويرى آيزينك أنه من الأهمية بمكان النظر إلى معاني " السواء " و "الشذوذ"  بشكل نسبي. إذ أنه يرى أنه لا توجد معايير عامة  أو مطلقة للسلوك أو لما يجب أن يكون عليه السلوك.  وحاول إثبات وجهة نظره هذه من خلال أمثلة من المجال الأنثروبولوجي ومن دراسات كنزي حول السلوك الجنسي للأمريكان. غير أن المشكلة في حجج آيزينك أنها تحمل في طياتها نسبانية ثقافية، تركز على اختلاف الشعوب والسلوك الجنسي في الطبقات المختلفة للمجتمع الأمريكي، ولكنها تغفل  إي نوع من الأمور المشتركة المستنتجة بين جميع شعوب الأرض، مثل  تحريم غشا المحارم التي يمكن ملاحظتها في المجتمعات كافة.

ومن أجل التوضيح الأفضل لهذه الإشكالية المتمثلة في وجود اختلافات وربما تناقضات كذلك في قناعات الناس  ، يذكر راينئكر (1994) الأمثلة التالية المقتبسة عن   فرنكينا Frankena,1986).

ففي بعض المجتمعات البدائية غالباً ما يعتقد الناس أن على الإنسان قتل والديه قبل أن يشيخا. وهنا يمكننا أن نسأل  فيما إذا هذه الاختلافات عن ثقافتنا قائمة بالفعل أم أنه تكمن خلف هذه الفروق الظاهرية أشياء مشتركة أساسية. والإجابة عن هذا السؤال تكمن في معرفة الدافع الكامن خلف هذا السلوك الظاهر. فمن وجهة نظر هذه القبائل البدائية إنه من الأفضل بالنسبة للوالدين الرحيل إلى الآخرة والإنسان ما يزال في حالة جسدية جيدة بعد، فالحياة الآخرة تحتاج لأناس أقوياء أصحاء وليس إلى أشخاص ضعفاء ومرضى. ويشير هذا المثال إلى أن الدافع الكامن خلف هذا السلوك هو واجب عمل الأفضل مع الوالدين . كما وأشرنا في المدخل التاريخي إلى الكيفية التي كانت تتم وفقها معاملة المرضى نفسياً والمعوقين في العصور الوسطى. فمن وجهة النظر الخارجية يعد هذا السلوك سلوكاً لا إنسانياً، أما الدافع الذي كان يكمن خلف هذه الممارسات فهو الاعتقاد بأن التعذيب والسجن والتقييد يساعد المريض من التحرر من مرضه، وأن التعذيب والضرب، أخف شدة من مقدار المعاناة التي يعانيها هؤلاء المساكين. ويظهر هذين المثالين أن المعايير الأساسية العامة تمتلك صلاحية مطلقة في كل المجتمعات، غير أن تطبيقها  يتعلق بالظروف الخاصة بالمجتمع.

ويورد هوفشتتر ( Hofstaetter تفريقاً مشابهاً لآيزينك حول المعايير المهمة في علم النفس. وهو يفرق بين  المعايير الإحصائية و المثالية والوظيفية. وسوف نتبع في العرض التالي عرضه للمفاهيم  المختلفة للمعايير لاستخدامها الواسع في علم النفس.

 

  المعيار الإحصائي

يقوم هذا النوع من المعايير على مدى  تكرار أو توزع سلوك ما في مجتمع من المجتمعات أو في عينة منه ويتم تمثيل هذا التوزع أو التكرار في توزع جرس غاوس (أنظر الشكل). وتطلق على المجال المتوسط في هذا التوزع تسمية المدى الطبيعي أو المدى المتوسط أو السوي، حيث يساوي المجال المتوسط هنا المتوسط الحسابي  الانحراف المعياري).  في حين تعتبر المجالات المتطرفة الموجودة في كلا الجانبين " شاذة أو غير سوية ". ومن خلال المدخل حساب المعايير الإحصائية يتم تحديد القيمة التي يعتبر عندها السلوك قد تجاوز المعيار. فالشخص الذي يمتلك في سمة من السمات أو يتصرف في موقف من المواقف بشكل أقل أو أكثر من المجال المتوسط في جمهور مماثل، يعد سلوكه منحرفاً عن المعيار أو ملفتاً للنظر، أو غريباً…الخ.

ويعد المعيار الإحصائي سهل التمثيل والفهم، غير أن دقته الإحصائية تعتمد على مدى جودة ودقة اختيار العينة الممثلة للسلوك المراد تحديده وقياسه.

 

  ملاحظات حول المعيار الإحصائي

·   هناك العديد من الاعتراضات على استخدام المعيار الإحصائي.  ويشكل قياس الذكاء والشخصية أحد الأمثلة على ذلك. فالذكاء لا يعتبر غير سوي (أو شاذاً) إلا عندما  تقع درجة  ذكاء الفرد في المجال المنخفض فقط من مقياس التكرار الطبيعي ممثلاً بمنحنى غاوس (أي م-2ع فما فوق). أما الدرجة المرتفعة من الذكاء أو حتى العبقرية (أي م +2ع فما فوق) فلا تعتبر أمراً شاذاَ أو غير سوي،  على الرغم من الانحراف الإحصائي الواضح عن المعيار في الذكاء بالاتجاه المرتفع.بل على العكس من ذلك  يتم تقييمهما بشكل إيجابي،  ذلك أن الذكاء المرتفع والإبداع أمران مرغوبان ومطلوبان اجتماعياً واقتصادياً. بالإضافة إلى أنه لا تتم معاملة الشخص الذي يمتلك ذكاء مرتفعاً على أنه إنسان منبوذ أو يحتاج إلى تدخل لإعادة ذكاؤه إلى الدرجة المتوسطة.

 

من ناحية أخرى و في  غالبية سمات الشخصية يتم اعتبار الانحراف في كلا المجالين انحرافاً غير سوي (أي م2ع فما فوق).   فالسلوك  المتوافق  بشدة مع المعيار  كالسلوك مفرط التكيف أو السلوك المنحرف بشدة عن المعيار كالسلوك مفرط النشاط  مضطربان في كثير من الحالات، أي غير سويين. فالتطرف في كلا الاتجاهين هنا أمر غير مرغوب.

·   وهناك مشكلة أخرى يواجهها المعيار الإحصائي. إذا وجدت في عينة  أو جمهور ما تكرارات كبيرة لعاهة ما  كقصر البصر، أو سوء التغذية؛ أو تعاطي الكحول أو التدخين، فإن نتيجة ذلك ستكون اعتبار هذه العادات " سوية " بالنسبة إلى التوزع الإحصائي الطبيعي.

وتشكل أمراض الحضارة التي يعاني منها عدد كبير من السكان مثالاً موضحاً لذلك بصورة أكبر. لنأخذ ظاهرة تسوس الأسنان على سبيل المثال. فوفقاً لإحصاءات عالمية يعاني بين 60-80% من السكان من تسوس الأسنان.  وعلى الرغم من هذا العدد الكبير من الأفراد الذين يعانون من تسوس الأسنان فلن يستطع أحدهم الدعاء أن تسوس الأسنان أمر طبيعي أو صحي.

 

·   وهناك اعتراض ثالث على المعيار الإحصائي ينبع من حقيقة  أن سمات الإنسان لا تتوزع كلها توزعاً طبيعياً، وإنما تخضع لتوزع آخر مثل توزع بويسون Poisson [4] أو توزع الأحداث النادرة   . وتوزع بويسون هو توزع  عشوائي غير متناسق ناجم عن التوزع ذي الحدين . ويسمى توزع الأحداث النادرة لأن احتمال أن تنطبق فيه سمة ما على شخص ما يمكن أن يكون صغيراً جداً.

وبناء على ذلك يكون استخدام المعيار الإحصائي وحده لتفسير الظواهر والحكم فيها على مقدار "السواء"  و "الشذوذ" غير كاف. ولحل مشكلة المعيار الإحصائي هذه اقترح شميدت (1984) المبدأ الذي اتبعه بيج ( Page, 1971) ، والذي ينادي بربط التوزع الإحصائي أو الطبيعي بمنظومة  من القيم، وقد استخدم لذلك خمسة معايير أساسية متلازمة مع بعضها  من أجل تقييم  مقدار " السواء والشذوذ":

1)  الوظائف النفسية: فحص مستوى قيام الوظائف النفسية (الجانب الانفعالي والدافعي والمعرفي) بعملها بشكل متناسق مع بعضها، وعدم وجود خلل في عملية الإدراك وتقييم العالم الموضوعي بصورة متطابقة مع الواقع. ويختلف قيام الوظائف النفسية بعملها في حالات السواء والمرض كما ويختلف مستوى قيام هذه الوظائف بعملها في الحالات المرضية المختلفة، بحيث يمكننا تحديد نوع الاضطراب من خلال نوعية الخلل في قيام الوظائف النفسية المختلفة بعملها.

2)  نوعية السلوك الاجتماعي (المعيار الاجتماعي): ويتم هنا تقييم مدى انسجام السلوك مع القيم والمعايير الاجتماعية السائدة وعدم انحراف السلوك عما هو مألوف ومعتاد في المجتمع المعني الذي ينتمي إليه. ولا يعني هذا مسألة تقبل الفرد الكامل والخضوع لجميع معايير المجتمع وقيمه، وإنما يعني انسجام هذا السلوك مع ما يتوقعه المجتمع من الفرد وعدم وجود سلوك مضاد أو مؤذ للمجتمع يسعى إلى تحطيم قواعد العيش المشترك.

3)   مقدار ضبط الإرادة والسيطرة عليها: وتعني قدرة الإنسان على التحكم بدوافعه وانفعالاته في إطار موقف ما وتأجيل إشباع ما لايمكن إشباعه في الوقت الراهن.

4)   التقويم من خلال المجتمع (المنظور الخارجي للتقييم أو ما يسمى بمنظور الآخر): وتعني الكيفية التي يقيم من خلالها المجتمع سلوك أفراده. وهنا نشير إلى وجود اختلافات أيضاً بين المجتمعات وضمن المجتمع الواحد في أسلوب تقييم السلوك الواحد.. فقد ينظر شخص ما لسلوك على سبيل المثال لسلوك طفله العدواني تجاه شخص آخر على أنه شاذ وغريب، في حين ينظر شخص آخر إلى السلوك نفسه على أنه سوي وطبيعي.

5)   التقويم من خلال الفرد نفسه (المعيار الذاتي للتقييم): الكيفية التي ينظر فيها الشخص لذاته وسلوكه من منظوره الخاص.

 

والانحراف في الاتجاه الأول يسمى " المعيار المثالي " كالذكاء المرتفع،  ويسمى الانحراف في الاتجاه الآخر " المرض النفسيPsychopathology ". كما وأن منظومات التشخيص العالمية  للاضطرابات النفسية التي تأخذ بمبدأ التشخيص المتعدد الأبعاد تحاول من خلال ذلك تجنب السلبيات الخاصة التي يمكن أن تنجم عن هذا المعيار والمعايير الأخرى منفردة.

فالدليل التشخيصي الإحصائي الرابع الصادر عن الجمعية النفسية الأمريكية يحدد على سبيل المثال خمسة محاور، يطلق عليها تسمية التقويم متعدد الأبعاد للحكم على وجود اضطراب أو تضرر في الصحة النفسية.

1)    فعلى المحور الأول يتم تشخيص الاضطراب الإكلينيكي، كاضطراب القلق أو الفصام أو اضطرابات الطعام..الخ.

2)   وعلى المحور الثاني يتم تشخيص اضطرابات الشخصية (تشخيص الشخصية)، على نحو اضطراب شخصية زورية (بارانوئية)، شخصية هيستيرية، مضادة للمجتمع…إلخ.

3)   أما المحور الثالث فيشخص العوامل المرضية الطبية. أي الأمراض الجسدية التي يمكن أن تكون على علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالاضطراب النفسي، كأمراض الغدد، أو امراض الدورة الدموية أو أمراض التنفس أو أمراض ولادية أو تسممات وإصابات…الخ.

4)   وعلى المحور الرابع يتم تشخيص المشكلات النفسية الاجتماعية والمشكلات المرتبطة بالمحيط، أي يتم تشخيص التكيف، على نحو مشكلات مع المحيط الاجتماعي، مشكلات مهنية، أو أسرية أو اقتصادية، أو مشكلات سكن مشكلات مع القانون..الخ.

5)  ويتضمن المحور الخامس مستوى قيام الوظائف النفسية بعملها والإدراك العام، على نحو تضرر السلوك من خلال أفكار هذيانية، قصور في إدراك الواقع، قصور في ضبط الواقع، عدم القدرة على التواصل، وجود خطر إلحاق الأذى بالآخرين، بالإضافة إلى أعراض طفيفة أخرى كصعوبات التركيز و اضطرابات النوم..الخ.

وتظهر الأمثلة أن  تمييز السمات  من خلال التوزع الطبيعي وفق المعيار الإحصائي يتم وفق مستوى كمي وليس نوعياً، أي مقدار ما يوجد من الانحراف عن المتوسط عند فرد ما في سمة ما. ومن ثم فإن كل فرد يمتلك درجة تنحرف بمقدار ما عن متوسط السمة  المقاسة، كالقلق والاستقرار الانفعالي على سبيل المثال. وبالتالي يمكن لأي إنسان أن يتصور معنى مشاعر القلق مثلاً وتقدير مدى شدتها عنه أو عند غيره. وبالتالي هنا نتحدث عن وجود القلق بدرجات عند الأفراد مثلاً.

ولكن في تقييم كثير من السمات الأخرى تحتل الوجوه النوعية أهمية كبيرة كما هو الأمر في الاضطرابات الذهانية (كالفصام) حيث تتضرر نوعية الخبرة بدرجة لا يمكن ملاحظتها في حالة السواء. وهنا لا نستطيع أن نتحدث هنا بلغة المتدرج أو المتوسط، ذلك أن الإنسان هنا إما أن يكون سليماً أو مريضاً ولا يوجد أمر وسط بينهما. وهو ما نقاشناه كذلك في تعريفنا للصحة.

 

   المعيار المثالي

 يقصد بالمعيار المثالي  حالة من الكمال ( الينبغيات )، مجموعة من الشروط الواجبة، المستقلة عن الواقع والزمان،  يعتبر الوصول إليها والسعي نحو تحقيقها أمراً جديراً بالطموح. وتصف المعايير المثالية الإمكانات التي تستحق السعي للإنسان المفيدة كنموذج، كقدوة للطموح، كمثل أعلى  والسلوك الإنساني. ويتم تقييم "السواء" أو " الشذوذ " في هذا المعيار من وجهة نظر أخلاقية أو دينية  أو إيديولوجية أو من خلال قيم أخرى.  وكل إخلال في هذه المعايير يعد انحرافاً وبالتالي شذوذاً.

 n ويقوم مفهوم الصحة الذي صاغته منظمة الصحة العالمية والذي سبق ذكره على أساس المعيار المثالي.  وهنا تعد الصحة بأنها الحالة المثلى من الإحساس الجسدي والنفسي  وليس مجرد غياب المرض. ويشكل " الشخص  السليم  كلية" fully functioning Person  عند كارل  روجرز، الشخص الذي يكون منسجماً مع ذاته  ومتعاطفاً معها وقادراً على التعبير بحرية عن مشاعره وخبراته الانفعالية ويملك مفهوماً واقعياً عن ذاته…الخ،  مثالاً على المعيار المثالي .

 

ويرتبط المعيار المثالي ارتباطاً وثيقاً مع المعيار الاجتماعي والمعيار الشخصي (الذاتي).

ويقصد بالمعيار الاجتماعي توقعات مجموعة ما من سلوك شخص ما، وترتبط هذه التوقعات الاجتماعية بالعادات والقيم والمعايير السائدة في المجتمع وبتوجه المجتمع الديني والسياسي والأخلاقي والاقتصادي.  أما المعيار الشخصي أو الذاتي فيحتل التقييم  الذاتي  للشخص نفسه  موقع الصدارة.  وهما قد يتعاكسان أو يتناقضان مع بعضهما أو قد يتطابقان. ويعتبر الإحساس الذاتي  هو المنطلق المركزي للتقييم في المعيار الشخصي.  ولكنه يتأثر  بشكل خاص بالمعايير الاجتماعية والمثالية  بشدة.  فهو وإن كان قائماً على الرؤية الذاتية إلاّ أن هذه الرؤية لا تتشكل في النهاية من فراغ وإنما تستمد بالأصل أحجار البناء التابعة لها من الإطار الاجتماعي ( التنشئة الاجتماعية  ) ومن الإطار المثالي ( القيمي ) السائد في محيط الفرد المباشر وغير المباشر.

 

 ملاحظات حول المعيار المثالي:

غالباً ما يظل تحقيق المعايير المثالية  مطلباً فحسب ، ذلك أنها تطرح معياراً مطلقاً مصاغاً بشكل مستقل عن المعطيات الواقعية. وإذا حاولنا تعريف المرض أو الاضطراب وفق المعيار المثالي فسنجد أن ذلك غير ممكن على الإطلاق.  عدا عن  أنه في  هذا المعيار  يفهم المرء المرض النفسي على أنه انحراف عن  تركيبة من النمط المثالي للصحة. غير  أن الوصف الدقيق لهذه التركيبة المثالية للصحة يصعب القيام بها. فالسؤال عن ما هي الصحة مثلاً يمكن أن يقود إلى وضع قائمة لا تنتهي من المعايير وكل معيار من هذه المعايير يكون مشكلة بحد ذاته لصعوبة قياسه.

ومن أجل  تقييم أنماط السلوك  يمكن كذلك استخدام معايير مختلفة، اجتماعية وشخصية ودينية وإيديولوجية والتي يمكنها عندئذ أن تقود إلى استنتاجات متناقضة، ذلك أن المعيار المثالي يشتق على أساس  منظومات مختلفة من القيم، ومتناقضة في بعض الأحيان. وتعريف الاضطرابات النفسية وفقاً  للمعايير الاجتماعية  أو الفردية أو الذاتية  وحدها يبدو صعباً جداً ذلك أن هذه المعايير غالباً ما تكون غير واضحة كفاية كما وأن مجال صلاحيتها ومجال التسامح فيها غير واضحين ويبقى أمر كيف ومن خلال من يتم تطبيق هذه التقييمات معلقاً إلى مدى بعيد.

 

  المعيار الوظيفي

يقصد  بالمعيار الوظيفي  عموماً  الحالة المتفقة مع الفرد فيما يتعلق بأهدافه وقدرته.  

يمكن للعمل في أيام العطل أن يكون محرماً أو ممنوعاً وفقاً للمعيار المثالي، ومحاولة وضع تكرار إحصائي سوف تقود إلى نتيجة مشابهة، أي أن عدد قليل من الناس هم الذين يعملون في أيام العطل. ولكن عندما نتأمل هذا من وجهة نظر معيار وظيفي، فإنه يمكن النظر للعمل بالنسبة لشخص ما على أنه أمر اعتيادي من الناحية الوظيفية. بكلمات أخرى عندما تتم معرفة الهدف الكامن خلف هذا السلوك نستطيع تقييمه على أنه "سوي" أو "مضطرب".  

 

 ملاحظات حول المعيار الوظيفي

في المعيار الوظيفي يتم افتراض وجود علاقة وظيفية بين وضع الفرد و نشاطه الهادف.  فالسلوك الذي يقوم به الفرد ويكون متناسباً مع المرحلة العمرية التي يمر بها ومع إمكاناته السلوكية يعد "سوياً". ولا يمكننا التحدث عن ضرر وظيفي (اضطراب أو عدم سواء) إلاّ  إذا أخفق الإنسان في التغلب على وظيفة محددة على الرغم من أن إمكاناته المتوفرة تمكنه من  التغلب عليها. ويمثل الإخفاق في الامتحان على الرغم من التوفر الكافي للمعارف  و المعلومات مثالاً لذلك.

وفي المعيار الوظيفي يحتل التضرر الوظيفي ( أي السلوك المنحرف أو الشاذ) مركز الصدارة وليس الشخص. فالتقييم يتم للسلوك.  وفي المجال العلاجي  تعد العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية  الاقتصادية، التي تقيد من حرية النمو الواقعي  عند المتعالج من العوامل المهمة في التقييم من خلال منظور المعيار الوظيفي.   وتقوم التصورات الوظيفية على المبدأ التوازني القائم على التوازن الديناميكي للعضوية بين الجوانب النفسية والبيولوجيةً، حيث يعتبر هذا التوازن حالة مبتغاة من السواء.

أما الفائدة الأساسية للتصورات الوظيفية في وصف السواء فتتمثل في تصورها للمنظومة الديناميكية للإنسان. حيث ينظر للإنسان هنا على أنه لا يتميز بقدرة عالية على التكيف فحسب وإنما يسهم بشكل فاعل في كل في عملية التكيف وما ينجم عنها.

ولكن الإشكالية الأساسية للرؤيا الوظيفية تتمثل في وجوب الاعتماد في الحكم على السواء إلى إطار منظومة عليا أو منظومة كاملة.وبالتالي فإن الحالة السوية لا يمكن تحديدها إلاّ  عندما نعد  المنظومة التي نفحصها على أنها جزء من  وحدة عليا ، كأن ننظر للفرد بوصفه فرداً ضمن إطار مجموعة، والمجموعة باعتبارها مجموعة ضمن جماعة …وهكذا، أو عندما نحدد السواء من خلال تحديدنا للهدف الكامن خلف السلوك.

 

 

  المعيار التفاعلي

    إن الاعتماد على معيار واحد من المعايير السابقة المذكورة قد يكون له مبرراته في الحياة العملية اليومية ولكن عندما يتعلق الأمر بإطلاق الأحكام التشخيصية في علم النفس المرضي والممارسة العيادية أو الصحة النفسية لا يكفي الركون إلى معيار واحد من هذه المعايير كما نوهنا سابقاً و  من المؤكد أن المعايير المختلفة ليست منعزلة عن بعضها وإنما  ترتبط مع بعضها بطريقة تفاعلية. وعليه يصف براندشتتر وجود علاقة متبادلة بين  المعايير الوصفية  descriptive

(الإحصائية) و العرفية  Prescriptive  ( المثالية ، الوظيفية ).  فكما يمكن للمعايير  الوصفية أن تحدد تكرار  أو احتمال ظهور سمات محددة، تستطيع المعايير العرفية أيضاً أن تحصل على معلومات بوساطة الوسائل الإحصائية حول وجود تغير ما. فالخرق المتكرر جداً لمعايير القانون غالباً ما يجلب معه ضرورة التعديل لهذه المعايير. فعندما تنتشر في مجتمع من المجتمعات ظاهرة من الظواهر كازدياد نسبة تعاطي المواد المسببة للإدمان مثلاً، أو ازدياد نسبة الجريمة أو ازدياد نسبة العاطلين عن العمل حتى، ولا تعود القوانين السارية فاعلة كثيراً في مواجهة هذه الظاهرة، تنبع ضرورة تعديل القوانين السارية وإيجاد قوانين بديلة أكثر فاعلية تستطيع الحد من هذه الظاهرة.  

ومن أجل تصنيف أنماط السلوك بأنها " سوية " أو غير سوية " يمكننا استخدام المعايير المثالية والوظيفية والإحصائية.  وبما أن هذه المعايير تقوم على أسس مختلفة، فسوف  تظهر لدينا  مقولات واستنتاجات مختلفة ومتناقضة أيضاً.  ولهذا السبب يتحدث فيتسل عن وجوب استخدام  التحديد متعدد الأقطاب " للسواء"  أو " للشذوذ ". وبطريقة مشابهة ينتقد شينك (Schenk,1977)  التعامل مع المعايير الإحصائية. ويظهر بأن كل واحد من هذه المبادئ الطرائقية (المعايير)  لا يستطيع أن يكون مقنعاً  إذا ا أخذ بحد ذاته كمعيار مستقل، ويؤيد الأسلوب التكاملي الذي يتضمن كل العوامل الثلاثة. بالإضافة إلى أن التحديد المتعدد الأقطاب "للسواء"  و "الشذوذ" يتيح لنا إمكانية القيام بعملية تحقيق تصنيفي – تفريقي لأنواع وأشكال ومستويات الأمراض والاضطرابات النفسية والإعاقات المختلفة. فالإعاقة الجسدية يمكن اعتبارها "شذوذاً" من ناحية أن المعيار " السوي" هو عدم وجود الإعاقة ولكن لا يمكن وضعها على درجة متساوية مع الذهان، باعتباره استجابة عقلية ناجمة عن مرض  وهذا الأخير لا يمكن وضعه على المتصل نفسه الذي يقع عليه عدم الاستقرار الانفعالي. وعلى الرغم من أن الأسلوب التوليفي لا يحل المشكلة الصعبة جداً في التفريق بين "السواء" و "الشذوذ" كلية ولكنه يقود إلى مراعاة خاصة للصفات والخصائص والمستويات المختلفة  و إلى أخذ الإطار الثقافي الاجتماعي  بعين الاعتبار. كما ويؤكد فيتسيل كذلك على ضرورة أخذ السياق الذي يتم فيه التصرف بعين الاعتبار لأن المعايير توضع دائماً من قبل المجموعات أو الأشخاص.

 

 

معايير إجرائية للمربين

    ناقشنا في الفقرات السابقة المعايير "السواء والاضطراب" "والصحة النفسية والمرض" من زوايا مختلفة وناقشنا المشكلات المنهجية المتعلقة بهذه المعايير. ولكن هذه المعايير قد لا يستطيع المعلمون والمربون التعامل معها. وبالتالي تنبع ضرورة وضع معايير إجرائية مفيدة في التقييم السريع للسلوك وفي ملاحظته. ومن هذه المعايير نذكر التالي:

 

 

السن:

    المقصود بمعيار السن مدى تناسب السلوك الملاحظ مع المرحلة العمرية التي يمر بها الإنسان.   فما قد يبدو عادياً في سن معينة يصبح عند ظهوره في سن أخرى غير عادي. فحين يخاف الطفل الذي يلتحق بالروضة لأول مرة ويبكي أو يحاول الهرب أو يلتصق بأمه ولا يتركها ..الخ، فإننا نعد ذلك سوياً "طبيعياً"  أما إذا ما صدر هذا السلوك عن طفل في المرحلة الإعدادية مثلاً فإننا نعد هذا السلوك غير سوي ويستحق الاهتمام. وعندما يبلل طفل السنتين أو الثلاثة الفراش، نعد هذا الأمر أمراً سوياً ولكن عندما يظهر هذا السلوك في سن السادسة أو السابعة مثلاً فنعده أمراً غير سوي.

 

الموقف الذي يظهر فيه السلوك

    يعتبر الموقف أو الإطار الذي يظهر فيه السلوك محدداً هاماً من محددات السلوك السوي أو غير السوي. فالسلوك الذي قد يبدو لنا مستهجناً للوهلة الأولى (أنظر إلى المعيارالوظيفي) قد لا يصبح كذلك إذا قمنا بتحليل الموقف أو الإطار الذي ظهر فيه هذا السلوك.

 

التكرار

    المعيار الثالث والمهم الذي يمكننا من خلاله الحكم على سلوك ما بأنه سوي أو مضطرب هو مدى تكرار سلوك ما (أنظر المعيار الإحصائي). فالسلوك الذي يظهر لمرة واحدة فقط أو لمرات قليلة متباعدة لا يمكن اعتباره غير سوي اللهم إلا إذا كان هذا السلوك يلحق الأذى الشديد بالآخرين. فعندما يكذب الطفل مرة لينقذ نفسه من حرج معين مثلاً مرة واحدة لا يجيز لنا إطلاق صفة الطفل الكاذب عليه بعد. ولكن إذا تكرر هذا السلوك في أكثر من موقف وفي مناسبات مختلفة فإنه يمكننا الحكم هنا على هذا السلوك بأنه غير سوي.

 

القيم والمعايير

    المعايير والقيم يضعها المجتمع والأفراد . ومن هنا يوجد تفاوت كبير في أحكام واضعي المعايير نتيجة اختلاف رؤيتهم للسلوك واختلاف أهدافهم ومرجعيتهم الثقافية والدينية والأخلاقية. فقد ينظر شخص ما لسلوك طفله العدواني تجاه شخص آخر على أنه شاذ وغريب، في حين ينظر شخص إلى السلوك نفسه على أنه سوي وطبيعي. ونحن نلاحظ مثلاً أن كثير من الأهل يضحكون ويفرحون لأن ابنتهم تصرخ وتعض وتسيطر على الأطفال الآخرين في حين أن بعضهم الآخر ينزعج من هذا السلوك. ومرد ذلك إلى اختلاف الإطار الاجتماعي والشخصي الذي يتم الحك على أساسه (أنظر المعايير الاجتماعية والشخصية).

الاستغراب

     المقصود بالاستغراب هنا أن يكون السلوك ملفتاً للنظر. وأي سلوك ملفت للنظر يمكن اعتباره مضطرباً. وهنا لا يوجد فرق إذا كان السلوك ((مزعجاً)) أو ((لطيفاً)، إذ يمكن لطفل هادئ ((سهل العناية)) أن يكون مضطرباً سلوكياً تماماً مثل الطفل الصاخب،  فخلف الهدوء الشديد قد يكمن حزن عميق أو حتى اكتئاب.

 

 

 

 

 



[1] التنشئة الاجتماعية: عبارة عن جملة العمليات التي تجعل الفرد يتعلم أنماط السلوك ومعايير الجماعة وقيمها بطريقة تسمح له أن يكون مقبولاً فيها وأن يشارك في نشاطها دون صراع. وتطلق تسمية التنشئة الاجتماعية على عمليات النمو في الشخصية التي تحدث أثناء التكيف مع القيم والمعايير الاجتماعية وأنماط السلوك السائدة ضمن الجماعة وأثناء المواجهة مع هذه القيم والمعايير وأنماط السلوك أيضاً. وفي أثناء عملية التنشئة الاجتماعية يكتسب الفرد المهارات والكفاءات الاجتماعية في السلوك.

[2]  يقصد بها ممارسة الدور الجنسي (الذكري أو الأنثوي) وتقبل هذا الدور وتقبل الإنسان كونه ذكراً أو أنثى، وممارسة هذا الدور سلوكياً و اجتماعياً. 

[3] اللوغوس: العقل، المبدأ العقلاني في الكون في الفلسفة اليونانية القديمة. أما الأيروس فهو لإله الحب عند الإغريق

[4] توزع بويسون ( مفهوم إحصائي) أو توزع الأحداث النادرة ويفهم منها تكرار لأحداث منفردة بشكل مستقل عن بعضها البعض.  وينطلق هذا التوزع من فرضية أن الأحداث النادرة  تحدث بالصدفة فحسب

1 ر

مجموعات Google
اشتراك في علشانك
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة

الجامعات الخاصة بمصر

بشرى لجميع حمله

الثانويةالعامه

ومايعادلها

فتح باب التقديم للجامعات الخاصه بمصر عبرنا في جميع الكليات وخاصه كليات القمه

معنا حلمك ان شاء الله يصبح حقيقه

بحر الكتب

كتب تربوية

كتب علم نفس

كتب فلسفه

كتب تاريخ

كتب اسلامية

كتب هندسية

كتب اقتصاد

كتب حاسب الي

كتب لادب الطفل

كتب الادب والشعر

كتب الروايه والقصه

كتب فنون

كتب متنوعه

تسجيل الدراسات

تسجيل الدبلومات

تسجيل الماجستير

تسجيل الدكتوراه

الجامعات الخاصه المصرية

التعليم عن بعد

الابحاث

عمل ابحاث

عمل خطط بحث

عمل وتنفيذ استبيانات

عمل احصاء

ابحاث منشوره

 

             

 
Webwww.alba7es.com

alba7es@yahoo.com  0020109973027

الرئيسية - بحر الكتب - دراسات سابقة - تسجيل دراسات - الترجمة - ابحاث علمية - خدمات مجانية

             

This Page is built by MWK3 Site Builder