مركز الباحث العلمي

               

 
 
 

الفصل الثاني

الصحة النفسية

1- تحديد المفاهيم

قبل البدء بتعريف الصحة النفسية لابد في البداية من مناقشة مفهوم الصحة عموماً، والانتقال بعد ذلك لمناقشة مفهوم الصحة من منظور عضوي (جسدي) ومن منظور نفسي، على الرغم من أن الحدود قد لا تكون واضحة في بعض الأحيان، ويصعب الفصل من الناحية المفاهيمية بين المصطلحات ووضع الحدود بينها، وبالتالي سنلاحظ أن ما سيقال عن الصحة عموماً أم عن الصحة الجسدية أم عن الصحة النفسية سيكون متداخلاً بحيث يمكن تعميم أي تعريف من التعريفات على التعاريف الأخرى، وخصوصاً فيما يتعلق بالصحة كحالة.

 

الصحة

 في عام (1948) عرَّفت منظمة الصحة العالمية الصحة بأنها "حالة من تكامل الإحساس الجسدي والنفسي ولاجتماعي ، وليست فقط حالة الخلو من المرض والعاهة"

وقد تعرض هذا التعريف لكثير من الانتقادات بسبب الطبيعة المثالية والمعيارية التي يتضمنها. غير أنه يمكن اعتباره إطار توجه عام لتعريف وتحديد معنى الصحة.

وهناك تعاريف كثيرة تستند بشكل عام إلى هذا التعريف في للصحة كالتعريف التالي لهوريلمان(Hurrelmann, 1995)، حيث يرى أن الصحة عبارة عن حالة من الإحساس الذاتي والموضوعي عند شخص ما. وتكون هذه الحالة موجودة عندما تكون مجالات النمو الجسدية والنفسية والاجتماعية للشخص متناسبة مع إمكاناته وقدراته وأهدافه التي يضعها لنفسه ومع الظروف الموضوعية للحياة.

إنها حالة من التوازن الواجب تحقيقها في كل لحظة من لحظات الحياة. إنها النتيجة الراهنة لبناء كفايات التصرف والحفاظ عليها التي يمارسها الإنسان نفسه (Hurrelmann, 1988)

واستناداً إلى هذا التعريف تكون الصحة متضررة عندما تواجه الفرد في مجال أو أكثر من هذه المجالات متطلبات لا يتمكن الفرد من تذليلها وإنجازها ضمن الإطار الاجتماعي الذي يعيش فيه وضمن المرحلة الحياتية التي يمر بها. ويمكن لهذا التضرر أن يتجلى على شكل أعراض من الشذوذ النفسي و الاجتماعي والجسدي.

وتكون الصحة موجودة عندما يتمكن الإنسان من بناء علاقاته الاجتماعية بشكل فعال، ويتمكن من التوافق والاندماج مع أفراد مجتمعه، وعندما يستطيع تكييف حياته الخاصة مع الظروف المعقدة والمتنوعة للمحيط، وعندما يتمكن بالإضافة إلى ذلك من تقرير مصيره الفردي وتحقيق التوازن بين إمكاناته البيولوجية الوراثية و النفسية والجسدية. ومن هذه الناحية يمكن اعتبار الصحة بأنها النتيجة الملموسة والواقعية لعملية التنشئة الاجتماعية الناجحة. فعملية التنشئة الاجتماعية الناجحة لابد وأن تقود إلى تحقيق الصحة، والفشل فيها سيقود للمرض. ويمكن اعتبار المرض نتيجة لفشل عملية التنشئة الاجتماعية[1]

والصحة حالة من الإحساس الإيجابي. أي أن الصحة لا تتحقق بصورة آلية دون سعي الفرد نحو تحقيق الصحة، وإنما تكون موجودة كمحصلة فعلية وملموسة لما يقوم به الفرد خلال مجرى حياته كلها من محافظة على القدرات الاجتماعية والنفسية والجسدية وترميمها.

وتشكل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والثقافية إطاراً لإمكانات تنمية الصحة عند الأفراد. ومن هنا فإن الحالة الصحية تعكس قدرة الإنسان على تمثل هذه الظروف و تذليله للظروف والعوامل الاجتماعية، أي أن حالة الصحة تعبر عن الكيفية التي يواجه من خلالها الظروف الاجتماعية التي يعيشها ويتغلب فيها على متطلبات تلك الظروف.

وهناك تعريف لأودرس وآخرين (Udris et. al, 1992) مفاده أن الصحة ليست حالة ثابتة وإنما عبارة عن حالة توازن بين الموارد الفيزيولوجية والنفسية والاجتماعية وآليات الحماية والدفاع للعضوية من جهة وبين التأثيرات الكامنة المسببة للمرض للمحيط الفيزيائي والبيولوجي والاجتماعي من جهة أخرى. وبالتالي يفترض أن يقوم الفرد دائماً ببناء وتحقيق صحته، سواء كان الأمر بمعنى الدفاع المناعي أم بمعنى التكيف مع التغيرات الهادفة لظروف المحيط.

والصحة وفق هذا التعريف عبارة عن مفهوم منظومي و سيروري Processed وعلائقي. وتركز هذه الرؤية على مظهر الموارد، أي على دور عوامل الحماية في الشخصية التي ينبغي تنميتها وتدعيمها، وعلى مهارات وقدرات النمو وعلى الطبيعة الممكنة الكامنة للصحة.

ويختلف هذا التعريف عن تعريف منظمة الصحة العالمية المذكور بأن هذا التعريف يستند إلى الكفاءة الفردية في تنمية الصحة والحفاظ عليها بدلاً من الاستناد إلى الحالة المثالية، حيث يتم قياس الصحة من خلال المدى الذي يقترب الفرد منه، كما هو الأمر في تعريف منظمة الصحة العالمية.

ويشير كل من إيربين فرانسكوفايك و فينتسل (Erben, Franzkowiak & Wenzel, 1986) في النقاش العلمي لمفهوم الصحة إلى ثلاثة مبادئ تفسير:

-         تعتبر الصحة حالة موضوعية قابلة للاختبار الطبي البيولوجي.

-         يمكن اعتبار الصحة بأنها التكيف الأمثل الممكن مع متطلبات المحيط.

-         كما ويمكن اعتبارها حدثاً سيرورياً (تفاعلياً)  لتحقيق الذات على شكل التعديل الهادف والفعال للبيئة.

وينظر للصحة في المبادئ النظرية الحديثة إلى أنها حالة فردية من الإحساس بالعافية يكون فيها الفرد قادراً على تحقيق التوازن بطريقة مناسبة بين المتطلبات الجسدية الداخلية و المتطلبات الخارجية للبيئة. ويرى كل من شرودر وشويش (Schroeder & Schech, 1990) الصحة من منظور التوازن المُثبِّت للمنظومة المُحقق دائماً للتناقضات في علاقة الإنسان والمحيط. وتعبر الصحة عن نوعية تنظيم العلاقة المتناقضة بين الفرد والمحيط.

ويصف أندرسون (Anderson,1995) الصحة في خمسة نقاط:

1-              كنتاج ونتيجة.

2-              كطاقة كامنة (Capacity) من أجل تحقيق الأهداف المرجوة أو للقيام بوظائف معينة.

3-              كسيرورة (حدث تفاعلي)، حيث تمثل الصحة ظاهرة ديناميكية متغيرة باستمرار.

4-              كشيء , كحالة يعيشها الفرد.

5-              كصفة تميز الفرد ككل ، بمعنى اللياقة التي يتمتع بها الفرد وتميزه عن غيره.

والمظهر الحاسم للصحة هو الشعور الشخصي للإحساس بالعافية والسعادة والسرور أو بتعبير آخر هي ليست مجرد الحالة الموضوعية وإنما الحالة الشخصية التي تتجلى فيها القيم الشخصية والثقافية للفرد.

ويعكس مفهوم الصحة التأثير المتبادل لعدد كبير من العوامل الاجتماعية والنفسية والمحيطية.

 

نخلص من ذلك إلى القول أن الصحة عبارة عن حالة إيجابية يؤثر الشخص من خلال تفاعله مع الظروف الاجتماعية والثقافية السائدة دوراً فعالاً في تحقيقها أو غيابها، ويصعب فهمها دون أخذ الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية السائدة في مجتمع من المجتمعات بعين الاعتبار. كما وأن الصحة لا تعني مجرد الخلو من الاضطراب أو المرض أو التضرر، وإنما يمكن اعتبارها حالة من التوازن الديناميكي بين وجوه مختلفة، و  يمكن وصفها من خلال مجموعة من سمات الخبرة والسلوك، كالرضى عن الحياة، , واكتشاف المعنى منها والقدرة على مواجهة الإرهاقات والتغلب عليها، ومشاعر الذات والكفاءة الذاتية. إنها عبارة عن حالة فاعلة، يتم تحقيقها وبنائها بصورة شبه دائمة ويومية. وتلعب في هذه نوعية الخبرة اليومية دوراً جوهرياً. والمهم بالنسبة لنوعية الخبرة ليس ما يفعله الإنسان ولكن الكيفية التي يعيش فيها هذه الخبرة. فالصحة ليست عبارة عما يفعله الإنسان في سبيلها، وإنما كيف يفعل ذلك، ما هي ماهية موقفه أو اتجاهه مما يفعله ويقوم به. 

ويشمل مفهوم الصحة الذي المظاهر الفيزيولوجية الجسدية و النفسية الاجتماعية للحالة الفردية للشخص  ووجود ذخيرة معرفية (استعرافية)  وسلوكية كافية للتصميم الفردي الصحي للحياة  من أجل التغلب على أزمات الحياة الراهنة .  ومن هنا نرى أن  مفهوما الصحة  يعكس  التكيف الناجح  للفرد على المستويات البيولوجية و الفيزيولوجية والمناعية  والاجتماعية والنفسية والثقافية ( Beutel, 1989; Haisch & Zeitler, 1991).

1-2- موارد الحفاظ الصحة

يمكن التفريق بين نوعين من الموارد: الموارد التنظيمية و الموارد الشخصية.

1)  الموارد التنظيمية:

يقصد بالموارد التنظيمية الظروف الموقفية التي يعدل وينمي ضمنها الفرد قدراته الفردية (موارده) من خلال المواجهة الفاعلة له مع الإمكانات القائمة.

ويقصد بالموارد التنظيمية شيئين:

1)    ضبط الموقف ،

2)    والدعم الاجتماعي.

ويعبر ضبط الموقف عن كل أنماط السلوك التي يمكن تصنيفها تحت الحاجة الإنسانية الأساسية لأن تكون الأحداث في  محيط الفرد شفافة ومفهومة ومسيطراً عليها.

أما الدعم الاجتماعي فيمكن تعريفه عموماً بأنه التعامل أو التفاعل الحاصل للموارد بين أعضاء شبكة اجتماعية ما بهدف الحفاظ المتبادل على الإحساس بالعافية وتحسينه.

ويمكن للدعم الاجتماعي أن يمتلك وظيفة إيجابية بالنسبة لمواجهة الإرهاق وللوقاية من الأمراض واضطرابات الإحساس بالعافية وبالنسبة للحفاظ على الصحة. (Schroeder & Reschke, 1992)

2) الموارد الشخصية

الموارد الشخصية المُنمية للصحة هي أنماط السلوك الثابتة موقفياً والمرنة في الوقت نفسه، على نحو منظومات القناعة المعرفية لشخص ما، والتي يمكن اعتبارها بناءات شخصية.

وتعد الموارد الشخصية التالية من أهم الموارد: كفاءات المواجهة Coping -competence  ، قناعات الضبط الداخلية، مفهوم القدرة على الاحتمال Hardiness-Concept  ، التفاؤلية، الوعي أو الإحساس بالتماسك.

·        كفاءات التغلب

نتحدث عن كفاءات التغلب (المواجهة) عندما يكون هناك توقعاً بأن الإنسان قادر بنفسه على  القيام بتصرف تغلب (مواجهة) نوعي. مثال: يستطيع مرضى الذبحة القلبية أن يتغلبوا على المواقف الحياتية بشكل أفضل إذا ما كانوا يمتلكون توقعات كفاءة عالية.

·        مفهوم القدرة على الاحتمال

يعبر هذا المفهوم عن قدرة التحمل التي تعكس نمطاً معرفياً وانفعالياً وسلوكياً من المقاومة للإرهاقات. ويقصد بالمقاومة مجموعة من القناعات حول الذات والمحيط. أما القدرة على التحمل  بصفتها بنية شخصية أو سمة من سمات الشخصية فيمكن عزها إلى ثلاثة مركبات:

1-     الضبط Control:والمقصود هنا قناعات الضبط الداخلية للإنسان، أي خبرة الإنسان بأنه يمتلك تأثيراً محدداً أو واضحاً على أحداث حياته (ضبط الواقع  control of reality).

2-     الارتباط أو الالتزام: والمقصود بذلك الالتزام الشديد لفرد ما بمواقف حياتية مختلفة والمشاركة الفاعلة والاندماج في العلاقات الاجتماعية.

3-      التحديChallenge  : أي أن ينظر لمتطلبات الحياة وإرهاقاتها على أنها تحديات وليست تهديدات، وتقود إلى دوافع للتصرف ودوافع للتعديل.

·        التفاؤلية:

تعتبر التفاؤلية إحدى متغيرات الشخصية المهمة. والتفاؤلية بناء نفسي حديث صاغه كارفر وشايرCarver &Scheier . والمقصود بالتفاؤلية التوقعات المعممة للنتيجة، أي التوقعات للعلاقات المدركة بين التصرف ونتيجته.

 

·        قناعات الضبط الداخلية:

تتوفر قناعات الضبط الخارجية عندما يدرك الإنسان المعززات والأحداث، التي تعقب تصرفاته، بأنها غير ناجمة عن سلوكه أو ليست من صفاته هو، وإنما هي نتيجة للحظ أو الصدفة أو القدر، أو بأنها ناجمة عن تسبيب أشخاص أقوياء أو يدركها كنتيجة غير متوقعة، بناء على التعقيد الشديد لقوى المحيط.

أما قناعات الضبط الداخلية فتكون موجودة عندما ينظر الإنسان للمعززات والأحداث في محيطه الشخصي والتي تعقب سلوكه على أنها نتيجة متوقعة لسلوكه الشخصي أو عندما يدركها على أنها جزء من سماته الشخصية.(Krampen,1982,S.44).

وتصف قناعات الضبط الداخلية توقعات الفرد في تحقيق أو تسبيب تعزيزات إيجابية من خلال أنماط معينة يمتلكها من السلوك، أو منع عواقب سلبية من الحدوث  (Piantowski,1989).

-         الوعي أو الإحساس بالتماسك

يعبر التماسك أو الترابط عن التوجه العام الذي يعبر عن مدى امتلاك شخص ما للشعور الديناميكي بالثقة، بحيث ينظم أو يصمم  الأحداث في محيطه الداخلي والخارجي في مجرى حياته وتكون هذه الأحداث قابلة للتنبؤ والتفسير، وبحيث تكون الموارد متوفرة لديه من أجل مواكبة المتطلبات الناجمة عن هذه الأحداث، و بحيث تكون المتطلبات مثيرة للتحدي وتستحق البذل والالتزام (Antonowsky, 1987,P.17).

وهناك ثلاث مركبات  للوعي بالتماسك مدروسة:

-   القابلية للفهم أو الإدراكcomprehensibility : وهي العمليات الحياتية المبنية بشكل موضوعي بحيث يمكن أن تكون قابلة للفهم العقلي أو المنطقي، وشفافة.

-         القابلية للتأثير Manageability: أي أن الفرد قادر مبدئياً على ضبط أحداث الحياة والسيطرة عليها.

-         الامتلاء بالمعني Meaningfulness : أي أن المتطلبات الواجب مواجهتها تستحق ذلك وتقدم للفرد معنى شخصياً.

السلوك الصحي

1)   تعريف السلوك الصحي

يعرف فيربر  (Ferber, 1979, P. 10) السلوك الصحي على أنه مفهوم جامع لأنماط السلوك والمواقف كلها القائمة على الصحة والمرض وعلى استخدام الخدمات الطبية.

ويشير نولدنر (Noeldner,1989)، إلى أن المقصود بالسلوك الصحي هو كل أنماط السلوك التي تهدف إلى تنمية وتطوير  الطاقات الصحية عند الفرد.

فأنماط السلوك الصحي تقوم على الإجراءات التي يتخذها الفرد من أجل التعرف المبكر على حدوث الأمراض ومنع حدوثها. وهذا يشتمل على أنماط السلوك التي تبدو ملائمة من أجل الحفاظ على الصحة وتنميتها وإعادة الصحة الجسدية. ويشير تروشكه وآخرين (Troschke et al.,1985) إلى خمسة مستويات من عوامل أنماط السلوك الصحي:

1-              العوامل المتعلقة بالفرد والبيئة (السن، تاريخ الحالة، المعارف، المهارات، الاتجاهات ..الخ).

2-     العوامل المتعلقة بالجماعة والمجتمع (المهنة، التأهيل أو التعليم، توقعات السلوك ومتطلباته المتعلقة بمركز الشخص، الدعم الاجتماعي…الخ).

3-     العوامل الاجتماعية الثقافية على مستوى البلديات ( العروض المتوفرة، سهولة استخدام والوصول إلى مراكز الخدمات الصحية بمعنى التربية والتوعية الصحية منظومات التواصل العامة..الخ).

4-              العوامل الثقافية الاجتماعية عموماً (منظومات القيم الدينية والعقائدية، الأنظمة القانونية..الخ)

5-               عوامل المحيط المادي (الطقس، الطبيعة، البنى التحتية…الخ).

2)    نماذج تفسير للسلوك الصحي

توجد مبادئ متنوعة في المراجع المتخصصة تهدف إلى تفسير السلوك الصحي. ومن أكثر النتائج مناقشة والتي سنعرض لها باختصار:

-         نموذج القناعات الصحية Health Belief Model لروزينستوك (Rosenstock,1966) و بيكر (Becker,1974) .

-         نظرية الفعل المعقول Theory of reasoned action لفيشباين وأجزين (Fishbein, Ajzen,1975)

-         نظرية دوافع الحماية  Protection Motiviation Theory لروجرز (Rogers, 1975).

1-             نموذج القناعات الصحية

بنظر هذا النموذج للتصرفات الإنسانية بأنها محددة منطقياً. ويعتبر السلوك الصحي في هذا النموذج وظيفة لعمليات الاختيار الفردية القائمة على أساس الحسابات الذاتية للفوائد والتكاليف. ويتم هنا افتراض وجود قابلية مترابطة للتنبؤ بالاتجاهات المتعلقة بالصحة (Bengel and Belz-Merk,1990, P. 111).

وتسهم القناعات الصحية التي ترتبط مع المتغيرات الاجتماعية الديموغرافية والظروف الموقفية في بناء أو تشكيل قرار منطقي وإحصائي و فردي من أجل القيام  بسلوك صحي أو اتخاذ إجراءات تأمين صحي. فإذا ما اعتبر المدخن مثلاً أن صحته غير مهددة أو اعتقد أنه لن يؤثر على احتمال إصابته  بالسرطان إذا توقف عن التدخين فإنه لن يقلع عن التدخين.

2-             نظرية الفعل المعقول

لا تركز هذه النظرية على السلوك نفسه وإنما تركز على تشكل النوايا (تشكيلة المحددات الممكنة للنوايا السلوكية).

وتتحدد مقاصد أو نوايا التصرف من خلال عاملين:

-         الاتجاهات نحو السلوك المشكوك فيه.

-         المعيار الذاتي، أي من خلال ضغط التوقعات الناجم عن "الآخرين الأعم".

وتشكل القناعات المعيارية والشخصية الطلائع المعرفية لمركبات هذا النموذج. وتتجه القناعات الشخصية نحو  النتائج الممكنة للسلوك المشكوك فيه ونحو التقييمات. أما القناعات المعيارية فتقوم على التوقعات من جانب أشخاص أو مجموعات الإطار المرجعي للشخص.

ومن أجل تعديل الاتجاهات أو المعيار الشخصي وبالتالي تعديل النوايا وأخيراً السلوك لا بد في البداية من تعديل القناعات.

وفي تطوير آخر لأجزين (Ajzen,1985, 1988) أضيفت "القابلية الذاتية لضبط التصرف" إلى النموذج، والتي يقصد بها القناعة بقدرة الشخص على أن يقوم بالفعل بتصرف ما.

وطبقاً لنظرية توقعات الكفاءة الذاتية لباندورا (Bandora, 1977, 1986 ) فإن نية الفرد من أجل القيام بالسلوك الصحي لا تتولد إلا عندما  يمتلك بالإضافة إلى توقعات النتيجة الممكنة (outcome expectance ) توقعات الكفاءة المطابقة أو المناسبة في الوقت نفسه. إي أنه على الشخص ألاّ يعتقد فقط  أن التدخين مضر بالصحة مثلاً من أجل أن يتوقف عن التدخين وإنما عليه أن يكون مقتنعاً على أنه قادر على تحمل عملية الإقلاع الصعبة عن التدخين.

3-             نموذج دافع الحفاظ على الصحة

وهناك نموذج آخر هو نموذج دافع الحفاظ على الصحة أو نظرية دافع الحماية  Protection Motivation Theory لروجرز (Rogers, 1975, 1983, 1985). ويقوم هذا النموذج على التمثل المعرفي للمعلومات المهددة للصحة واتخاذ القرارات بالقيام بإجراءات ملائمة، بمعنى القيام بأنماط السلوك الصحي.

ويمكننا في هذا النموذج التفريق بين مركبات أربعة:

1-              الدرجة المدركة من الخطورة severity  المتعلقة بتهديد الصحة.

2-              القابلية المدركة للإصابة vulnerability بهذه التهديدات الصحية.

3-              الفاعلية المدركة response effectiveness لإجراء ما من أجل الوقاية أو إزالة التهديد الصحي.

4-              توقعات الكفاءة الذاتية self efficacy ، أي الكفاءة الذاتية لصد الخطر.

وتسهم هده المركبات في تشكيل طلائع ممارسة سلوك صحي ما. واستناداً إلى نظرية الفعل المعقول Theory of reasoned action يفترض أن مثل هذه النوايا تمكن من التنبؤ الأفضل الممكن للسلوك الفعلي.

بعد أن عرضنا لمفهوم الصحة وبعض المفاهيم الأخرى المهمة المرتبطة بذلك ننتقل إلى عرض للمفهوم العضوي للصحة والمفهوم النفسي للصحة.

 

  المفهوم العضوي للصحة

1-2-1- مفهوم المنشأ الصحي  Salutogenesis

يمكن لمفاهيم مثل المرض أن تكون واضحة إلى حد ما، وهناك فرع من فروع العلم، ألا وهو الطب بالتحديد يهتم بمسألة المرض، ومنشأه وأعراضه..الخ. غير أنه قلما يطرح هذا الفرع على نفسه السؤال كيف نحافظ على الصحة. ولا يمكن لأحد أن يتهم الطب بأن اهتمامه يتركز على المرض. ذلك أن المريض يريد الشفاء بالدرجة الأولى، ولا يحتاج إلى مناقشة القضايا الفلسفية أو النفسية للمرض والصحة.

لقد اعتدنا في تفكيرنا أن نفكر "بمغزى المرض"، وهذا التفكير بالمغزى يتجلى لنا بشكل خاص عندما نمرض أو نشعر بالتوعك. وقلما نتساءل عن جوهر الصحة ومعناها.

فما هي الصحة وكيف يمكننا الحفاظ عليها؟

تلك هي المسألة الرئيسية التي يهتم بها علم الصحة. ومن الإجابة عن هذا السؤال لابد من عرض بعض وجهات النظر النفسية لمفهوم الصحة.

 

وهناك اتجاهان في فهم الصحة، الأول هو الاتجاه القائم على المنشأ المرضى  Pathogenesis والثاني هو الاتجاه القائم على المنشأ الصحي  Salutogenesis. وينطلق الاتجاه الأول السائد في الطب بالدرجة الأولى من ثنائية الصحة والمرض. ويرى أن الإنسان إما أن يكون صحيحاً، أو مريضاً. إما أن يعاني من أعراض معينة أو لا يعاني من أعراض معينة. وفي هذا الاتجاه يمكن تعريف الصحة من خلال غياب المرض، كما ويمكن فهم الصحة من خلال فهم منشأ الأمراض وتطورها وكيفية علاجها. وقد قاد هذا الاتجاه إلى معرفتنا للكثير حول المرض وكيفية حدوث المرض ولكن ليس إلى معرفة كيف يظل الإنسان سليماً، إذ أن معرفة الكيفية التي ينشأ من خلالها المرض ويتطور لا تقتضي بالضرورة معرفة الكيفية التي يمكن للإنسان من خلالها أن يظل سليماً. أما الاتجاه الثاني والذي تطلق عليه تسمية نموذج المنشأ الصحي فهو ينطلق من متصل الصحة والمرض، أي أن الإنسان يكون في كل لحظة من لحظات حياته صحيحاً بدرجة ما ومريضاً بدرجة ما. وبمقدار ما يتجه باتجاه الجانب الصحي على المتصل يكون أكثر صحة وبمقدار ما يتجه نحو الجانب المرضي على المتصل يكون مريضاً. ومن هنا فإن السؤال المطروح في هذا الإطار هو  كيف يصبح الناس أكثر صحة وأقل مرضاً؟

 فالصحة من هذا المنظور  ليست عبارة عن حالة توازن طبيعية هامدةPassive   تتحقق من تلقاء نفسها وإنما عبارة عن حدث مرن وفعال ومنظم لنفسه بصورة ديناميكية.

 وهذا يعني فيما يتعلق بالحالة الصحية بأنه لابد من بناء الصحة باستمرار وفي الوقت نفسه اعتبار فقدانها عملية طبيعية وموجودة في كل مكان. والسعي نحو تحقيق الصحة عملية مستمرة ودائمة طوال الحياة، وفقدانها يعد أمراً طبيعياً. والمسألة الرئيسية ليست في فقدان الصحة هنا وإنما في سعي الإنسان نحو تحقيق التوازن وبناء الصحة، أي جعل حالته أكثر اقتراباً من قطب الصحة على المتصل وأكثر ابتعاداً عن المرض.

وتتلخص وجهة نظر هذا الاتجاه في أنه يصعب على الطب القائم على أساس المنشأ المرضي الإجابة عن معنى الصحة عموماً والصحة النفسية بشكل خاص. فالطب القائم على أساس المنشأ المرضي يحاول الإجابة عن السؤال القائل: لماذا يمرض الناس؟ من خلال طرحه لمجموعة من الأسباب على نحو الاستعداد الوراثي للمرض، ناقلات العدوى كالجراثيم والفيروسات وما شابه، نمط الحياة غير الصحي كالتدخين وتناول الكحول أو نقص الحركة، أو المشكلات والإرهاقات المهنية، والصراعات النفسية والمشكلات الأسرية …الخ.

قام أنتونوفسكي بعكس السؤال المتمثل بكيفية نشوء المرض من خلال طرحه للسؤال على النحو التالي: كيف يحافظ الإنسان على الصحة؟ ما هي الشروط التي تمكن الإنسان من أن يظل سليماً؟

ينطلق أنتونوفسكي من أبحاث ودراسات الإرهاق (الضغط Stress ) في محاولة الإجابة عن هذا السؤال. فمن المعروف أن الأفراد يختلفون عن بعضهم في كيفية تمثل الإرهاقات أو الضغوطات، أو بمعنى آخر كيفية التعامل معها. وهذا يقود إلى الاستنتاج أن سبب هذه الفروق الفردية يرجع إلى وجود احتياطات أو موارد لدى الشخص يتم حشدها ضد الإرهاق أو الضغط. فهناك إذاً طاقة كامنة في الأفراد، وتختلف من فرد لآخر، ترفع من احتمال الحفاظ على الصحة. وبالتالي  فإن المبدأ القائم على أساس يحاول البحث عن العوامل التي تحافظ على الصحة.

ومنذ صياغة تعريف منظمة الصحة العالمية في عام (1948) للصحة على أنها "حالة من تكامل الإحساس الجسدي والنفسي ولاجتماعي ، وليست فقط حالة الخلو من المرض والعاهة" نجد أن هذه الحالة قلما تتحقق، وهي لم تتحقق على الإطلاق حتى في الدول المتقدمة جداً والتي تتوفر فيها مستويات مرتفعة من الرعاية الصحية والاجتماعية. فما زال الناس يمرضون جسدياً ونفسياً واجتماعياً ويعانون من أشكال مختلفة من المعاناة.

أما نموذج المنشأ الصحي فيفهم الصحة على عكس ذلك، إذ يعتبر الصحة على أنها عملية مستمرة من المواجهة بين القوى الصحية والمرضية. ويستدل أنتونفسكي على رأيه هذا أنه حتى عند وجود المرض يظل الإنسان ممتلكاً لمساحات من التصرف تمكنه من التعامل مع المرض وعواقبه بنجاح.

ومن هنا يهتم المنشأ الصحي بالمحيط المُرضي من الناحية الاجتماعية والمستقر من الناحية الاجتماعية من أجل الحفاظ على الصحة. فالدعم المقدم من المحيط الاجتماعي للإنسان وتعاضد الآخرين معه يلعب بالإضافة إلى القوى الذاتية دوراً كبيراً في الحفاظ على الصحة. ودون وجود المحيط الداعم يعجز الإنسان حتى عند تمتعه بطبيعة قوية عن الحفاظ على صحته.

ونصل هنا إلى النقطة الجوهرية في هذا النموذج.  فمن خلال دراسات أجريت على أشخاص أصحاء نفسياً صاغ أنتونوفسكي مقولته حول "مشاعر التماسك (sense of coherence, SOC) ". ويعني التماسك لغوياً الارتباط أو الترابط أو الاتساق أما في علم النفس فيعني "توحيد الاحساسات المتفرقة في هيئة كلية". و تتحدد حالة الصحة أو المرض عند الإنسان حسب نموذج المنشأ الصحي  بشكل أساسي من خلال متغيرة فردية نفسية، أي من خلال اتجاه عام للفرد نحو العالم وحياته الخاصة –من خلال عقيدته أو نظرته للحياة.

ومما لاشك فيه أن الظروف والعوامل الخارجية كالكوارث الطبيعية والحروب والفقر والجوع والمشكلات الاجتماعية وما يشبه ذلك تعرض الصحة للخطر. ولكننا مع ذلك نجد فروقاً بين الأفراد في الحالة الصحية. وعليه فإنه عندما تكون الظروف الخارجية متشابهة فإن مدى جودة استغلال الإنسان لموارده الموجودة من أجل الحفاظ على الصحة ستتعلق بمدى وضوح أو بروز الاتجاه الاستعرافي والانفعالي- الدافعي، الذي يتمثل "بمشاعر التماسك".

وبناء على ذلك يمكن تعريف مشاعر التماسك بأنها:

 

A global orientation that expresses the extent to which one has a pervasive, enduring though dynamic, feeling of confidence that one's internal and external environments are predictable and that there is high probability that things will work out as will as can reasonably be expected

عبارة عن اتجاه عام يصف درجة من الثقة الشاملة والدائمة والدينامية في الوقت نفسه، بقابلية العالم الداخلي والخارجي للتنبؤ والشفافية (الضبط) وبأن الأمور ستتطور بالشكل المتوقع له منطقياً.

 

 

والمقصود بالدينامية هنا أن هذا الاتجاه الحياتي  يكون مواجهاً باستمرار بخبرات حياتية جديدة ويتأثر بها. ومن جهته يؤثر مدى وضوح أو بروز مشاعر التماسك على نوعية خبرات الحياة.  وهذا يؤدي إلى أن خبرات الحياة تؤكد أو تبرهن الاتجاه  وبهذا يصبح هذا الاتجاه ثابتاً ودائماً. أما شدة مشاعر التماسك فهي مستقلة عن الظروف القائمة أو الموقف أو عن الدور الذي يقوم به الفرد أو الذي على الفرد القيام به.

فمشاعر التماسك إذا تمثل بالنسبة لنموذج المنشأ الصحي الإجابة عن كيفية نشوء الصحة والحفاظ عليها.

إن الشعور أو الإحساس بالتماسك يعتبر نوع من الميل التفاؤلي تجاه الأشياء المرهقة وغير القابلة للضبط، ونوع  من الثقة بوجود إمكانات للمواجهة. كما ويتضمن هذا المفهوم الأمور التالية

1-    التوقع التفاؤلي بأن أمور الحياة ستكون منتظمة وشفافة وقابلة للضبط والفهم.

2-  الثقة بأنه سيتم السيطرة على الأحداث الحياتية المستقبلية من خلال الجهود الذاتية أو من خلال الدعم والمساندة الخارجية.

3-  القناعة الفردية المتمثلة بأن الأحداث المستقبلية عبارة عن مطالب أو مهمات ستطرح على الفرد وأن الأمر يستحق أن يبذل الإنسان في سبيلها ويضحي من أجلها.

4-  قدرة عالية من التكيف مع عالم مليء بالعوامل المرهقة (المرهقات)، أو بالعوامل المسببة للإرهاق التي لا يمكن تجنبها.  

فالأشخاص الذين يتمتعون بمشاعر غنية من التماسك يختارون استراتيجيات فاعلة ومناسبة من أجل مواجهة مرهقات معينة والتغلب عليها. ويشعرون أن المهمات الملقاة على عاتقهم أو التي يواجهونها بأنها مهمات حافزة أكثر من كونها مرهقة ومتعبة.

ويرتبط  ارتفاع مشاعر التماسك (بالإحساس الذاتي) بالصحة الجسدية والنفسية  الجيدة، وبارتفاع في نوعية الحياة والرضا عنها وبالدعم الاجتماعي الجيد إلى حد ما بسلوك أقرب لتجنب المخاطر. وعلى العكس من ذلك فانخفاض مشاعر التماسك يعد إشارة خطر أو إنذار للاضطرابات النفسية والجسدية والانتحار.

المرض والصحة وفق هذا المبدأ من التصور عبارة عن وجهين لعملة واحدة، أي أنهما يكملان بعضهما البعض.

مفهوم الصحة عند غاداميرGadamerr

يقول المثل العربي أن درهماً من الوقاية خير من قنطار علاج، وهذا يعني أن الصحة أهم بكثير من المرض. والمبدأ العام في الحياة هو السعي الدؤوب للإنسان نحو تحقيق الصحة وتجنب المرض، أي العمل على ألا يمرض الإنسان.

ويقول المثل العربي أيضا الصحة تاج على رأس الأصحاء لا يراها إلا المرضى.

  ومن ثم لا يمكن اعتبار أن الصحة النفسية والمرض النفسي وجهان لعملة واحدة على النفس الدرجة من الأهمية. فهناك علاقة تعاكسيه تضاددية بينهما. من ناحية أخرى لا يمكننا أن نعطي الإنسان جرعة من الصحة أو مثيراً للصحة كما يمكن أن نعطي مثيراً لالتهاب الرئة مثلاً. عدا  عن أنه يمكننا وصف الأعراض المرضية بدقة أكبر بكثير من أعراض الصحة. ويتحدث الفيلسوف غادامير (1993)  Hans-Georg Gadamer عن "كمونية الصحة" أو تسترها. فلو تصورنا أن الصحة والمرض، بجميع جوانبهما عبارة عن شيئين يوجد كل منهما في كفة ميزان، حيث تتوازنان حيناً، وتكون واحدة أكثر وزناً من الأخرى في أحيان أخرى، فسيكون الإنسان نصف مريض ونصف سليم أو معافى، وهذا يعني أيضاً نصف قادر ونصف غير قادر و نصف منطو ونصف منبسط، نصف خجول ونصف غير خجول، نصف متكيف ونصف غير متكيف. فهل هذا معقول؟ ومن يريد وصف نفسه بأنه نصف مريض ونصف سليم، نصف متزن نفسياً ونصف غير متزن نفسياً؟. فإذا كان لابد من تشبيه الأمر بالميزان، فلن يصح الأمر إلا على الصحة وحدها وليس على الصحة والمرض، أي لا يمكن اعتبارهما وجهان لعملة واحدة.

فالصحة عبارة عن حالة توازنية، حالة تجانسية معرضة باستمرار للخطر، وهي في الوقت نفسه حالة يسعى الإنسان باستمرار لتحقيقها نتيجة لدافع طبيعي فيه.

وعندما يكون الإنسان غير مريض، فليس هناك من داع للقلق حول الصحة، وإلا سيكون الإنسان مريضاً بتوهم المرض (المراق Hypochondria).

وبناء على ذلك يبدو أن الصحة عبارة عن أمر كامن، متخف، غير موجود. وهي لا تظهر وتدخل ضمن مجال إدراكنا أو شعورنا إلا عندما نفقدها.

في العادة نحن لا نعتبر الصحة على أنها حالة خاصة، مميزة وتترافق كما يرى غادامير مع نوع خاص من التجاهل أو عدم الإدراك لها. وتشبه الحالة المتوازنة من الصحة حالة فقدان الوزن، فالإنسان لا يشعر بفقدان الوزن. فالصحة لا وزن لها، ويصعب تعريفها وتحديدها وبالتالي فهي غير قابلة للقياس. ذلك لأنها كما يرى غادامير عبارة عن حالة من التوازن والتوافق الداخليين مع الذات، لا يستطيع المرء قياسها أو ضبطها بمعيار آخر.

وتعد هذه الفكرة ذات أهمية. فالصحة لا يمكن "ضبطها أو قياسها"  من خلال جهة عليا ما، تماماً كما لا يمكن قياس السعادة.

ويناقش كولز (1992) الفكرة نفسها في حديثه عن المشكلات المفاهيمية لمسألة قياس الصحة. ويرى, انه توجد من ناحية العلاج ثلاث وحدات مختلفة للقياس أو ثلاثة مستويات من التحليل هي: الناس والسلوك والأمراض. ومفهوم الصحة عبارة والمرض عبارة عن استدلال مستمد من ملاحظة السلوك أو المرض أو كليهما معاً. وعلى الرغم من إمكانية قياس درجة اللياقة البدنية ودرجة التكيف الاجتماعي ومشاعر الضيق والاكتئاب والقلق وعدد الأعراض والشكاوي الموجودة، فإن قياس درجة الصحة النفسية أمر لا معنى له، بسبب عدم وجود معيار لقياس الصحة نفسية كانت أم جسدية. ومن خلال غياب هذا المعيار فإن السؤال عما إذا كان فرد ما أكثر أو أقل صحة من فرد آخر يشبه السؤال عما إذا كانت البرتقالة أكثر "فاكهية" من التفاحة. إن ما نقيسه من الصحة ليس الصحة وإنما مظهراً من مظاهرها. إن الصحة كمفهوم تشبه حالة الحمل. فالمرأة مثلاُ إما أن تكون حاملاً أو لا تكون ولا يوجد حالة وسط بينهما. والفرد إما أن يكون سليماً أو لا يكون. 

أما المرض فعلى العكس من ذلك، يمكن دائماً ضبطه من خلال الطب، وقياسه من خلال معيار مثالي للصحة.  فالصحة أو غيابها يمثل المعيار الأعلى لتعريف المرض. ولكن بالمقابل لا يوجد معيار، يتربع فوق الصحة ويحدد من جانبه (أي المعيار) بنية الصحة أو كيف يجب أن تكون.

كما وأن الصحة عبارة عن حالة غير مجسمة تقريباً، في حين أن المرض يحتم نفسه كحالة مجسمة. والشيء المجسم يزعج و يقاوم. ونتيجة لهذا بالتحدي يسهل وصف المرض وتحديده. فالمرض أسهل تحديداً من الصحة.

ويتناقص تجاهل الصحة أو عدم إدراكها بالتدريج أو فجأة تحت تأثير العوامل المسببة للمرض، بما في ذلك التقدم في العمر،  ويدخل في ساحة الوعي، مع العلم أنه حتى المرضى بأمراض شديدة يبدون جوانب سليمة تعززهم وتقويهم، وبالتالي يقاومون آلامهم من خلالها.

كما وعلينا التفكير بأن الصحة ليست عبارة عن حالة قابلة يمكن إنتاجها أو تحقيقها بالشكل الذي نرغب في حين أن المرض بالمقابل يمكن أن نجعله يختفي من خلال دواء وحيد في كثير من الأحيان.

عدا عن أن حالة الصحة الدائمة  تمتنع عن كل مدخل مباشر، بمعنى أنه لا يمكن التأثير فيها بصورة مباشرة، ولكن يمكن تنميتها من خلال الأطباء والمتخصصين النفسانيين المتعاطفين و المستعدين للإصغاء.

ومن يعيش بصورة صحيحة وسليمة، يمرض أيضاً، على الرغم من ذلك. ومن يمرض اليوم بمرض خفيف يمكن شفاؤه  بسرعة. وكثير من الأمراض تأتي فجأة  (باستثناء العاهات والأمراض المزمنة)، أما الإحساس بالصحة والعافية فلا بد من اكتسابه وتنميته باستمرار وبصورة فاعلة طوال الحياة.

الصحة الجسدية عبارة عن حالة لا وزن لها، تضمن للإنسان مقداراً واسعاً من حرية الحركة والتصرف والتفكير، ضمن حدوده البدنية والفيزيائية. الصحة تعني الحرية التي يفقدها المريض بدرجة قليلة أو كبيرة. وحتى عندما لا نستطيع قياس الصحة من خلال معيار أعلى نقيسه عليه فإننا نستطيع تعريفها استناداً إلى المرض.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق فيما إذا كان هذا النوع من التفكير الذي يستند إلى الصحة الجسدية أو الحالة الجسدية قابل للنقل إلى الحالة النفسية؟ ونسأل بالتالي ما هي الصحة النفسية؟

سنعالج فيما يلي من الحديث  ما قاله طلائعيو التحليل النفسي حول هذه المسألة. وسيتم التركيز على طلائعيي التحليل النفسي لأنهم عالجوا مسألة الصحة النفسية و"النفس" عموماً بصورة عميقة وقدموا لنا وجهات نظر ذات قيمة.

 

 

 الصحة النفسية Mental Health

 مفهوم الصحة النفسية في التحليل النفسي

أجاب فرويد عن السؤال حول معيار الصحة النفسية بقوله أنها "القدرة على الحب والحياة". ((فالإنسان السليم نفسياً هو الإنسان الذي تمتلك "الأنا" لديه قدرتها الكاملة على التنظيم والإنجاز، ويمتلك مدخلاً لجميع أجزاء "الهو" ويستطيع ممارسة تأثيره عليه. ولا يوجد هناك عداء طبيعي بين الأنا و الهو، إنهما ينتميان لبعضهما بعضاً ولا يمكن فصلهما عملياً عن بعضهما في حالة الصحة)) (فرويد، 1926). ويشكل الأنا بهذا التحديد كثيراً أو قليلاً الأجزاء الواعية والعقلانية من الشخص، في حين تتجمع الدوافع والغرائز اللاشعورية في الهو، حيث تتمرد وتنشق في حالة العصاب (الاضطراب النفسي)، في حين تكون في حالة الصحة النفسية مندمجة بصورة مناسبة.

كما ويضم هذا النموذج "الأنا العليا"، والذي يمكن تشبيهه بالضمير من حيث الجوهر. وهنا يفترض فرويد أنه في حالة الصحة النفسية تكون القيم الأخلاقية العليا للفرد إنسانية و مبهجة، في حين تكون في حالة العصاب (الاضطراب النفسي) مثارة ومتهيجة من خلال تصورات أخلاقية جامدة ومرهقة.

وبناء على ذلك يظهر أن التحليل النفسي ليس اتجاهاً لا يأخذ القيم بعين الاعتبار. فهو يحدد قيماً معينة، تعد من وجهة نظر التحليل النفسي من ضمن الكفاءات النفسية والتي يفترض أن يسعى الإنسان لتحقيقها. فمن المعروف أن فرويد (وكذلك أدلر) قد لاحظ وجود نقص في الإنجاز (أو الكفاءة) عند المضطربين، بحيث يكون هؤلاء منهمكين أو مستنزفين في الكبت والإسقاط والأحكام المسبقة إلى درجة قلمت يبقى لديهم مجال للعيش حياة منتجة. وبهذا المعنى يكون العصاب عبارة عن وسيط بين الصحة والمرض، عبارة عن تقييد جزئي لمجالات متفرقة من الحياة. وبالتالي لا يشكل نمط الحياة العصابي أمراً مرضياً Pathological، غير أنه من خلال تشويهه أو تقييده الكمي لواحد من أجزاء الحياة وممارستها لا يمكن اعتباره أمراً سليماً أو صحياً.

وقد أمل التحليل النفسي من خلال دراساته الموسعة على العصاب من اكتشاف أو تحديد "السوية Normality"، إلا أنه ظل أسيراً للباثولوجيا. ولم يبدي فرويد رأيه حول كيفية بناء أو تكوين العمل والحب، غير أنه هناك الكثير من الإشارات والدلائل في أعماله.

ففيما يتعلق بالجنسانية [2]Sexuality "، فقد أكد فرويد على أن الإنسان السليم نفسياً هو الذي يستطيع الاستمتاع بها دون مشاعر خجل وذنب. ويعتبر فرويد أن عملية التنشئة الاجتماعية للطفل تعتبر أنه عندما يصبح الطفل قادراً على الإنجاز بالمعنى الاجتماعي ويستطيع الاستمتاع بجنسانيته و متمثلاً لمبادئ العقلانية والعلم، فإننا نستطيع عندئذ أن نعتبر أن عملية التنشئة الاجتماعية قد نجحت.

وينبغي للإنسان المدني أن يكون مدركاً بوضوح لدوافعه العدوانية والجنسية من أجل أن تفقد هذه الدوافع طبيعتها الدافعية أو القسرية.

ولا يقاس مقدار الصحة النفسية من خلال غياب الصراعات أو عدم وجودها، الأمر الذي يجعل من جعل الأطفال يتمردون على السلطة الوالدية، على أمل أن ينموا هؤلاء نمواً خالياً من المرض أو التطور العصابي، أمراً لا قيمة له. بل أن الصحة النفسية تتجلى من خلال القدرة الفردية على حل الصراعات والتغلب عليها، وهذا ما يراه اتجاه أنتونوفسكي أيضاً في نموذجه حول المنشأ الصحي. إن هدف النمو في طريقة التحليل النفسي هو سيطرة الطموحات التناسلية genital   وليس كبت الدوافع القبل تناسلية pregenital (المتمثلة في الغرائز الجنسية والعدوانية ودوافع الموت). وقد عبر فرويد عن هذا أيضاً من خلال إشارته إلى ضرورة الاعتراف "بمبدأ الواقع"، وعلى ما يبدو فقد فهم من "مبدأ الواقع" "واقعية الغرائز Reality of instincts".

فلو نظرنا للتحليل النفسي بوصفه طريقة من طرق العلاج النفسي، فسنجد أنه يمكن تحديد هدف العلاج  على الشكل التالي:

1-   ينبغي إرجاء إشباع الدوافع الجنسية، وتوجيه طاقتها المحدودة نحو أهداف ثقافية ذات قيمة

2-     ينبغي عدم تنفيس الدافع العدواني (دافع التهديم Destruction) على البشر.

3-  من ضمن معايير الصحة النفسية القدرة على التصعيد (التسامي) بصورة كافية  و التنشئة الاجتماعية (التجمعن) والاعتراف بالواقع الداخلي والخارجي. وهذا يشمل على الاندماج الاجتماعي وضبط الدافع والسمو بالإنجازات والإسهامات الثقافية والاعتراف بقوانين العالم الخارجي.

 

وفي   المرحلة التناسلية genitality تجتمع أو تلتقي كل هذه الخصائص مع بعضها  . وتتضمن "الطبيعة الجنسية genital Character" ليس القدرة على الحب والعمل الحب والعمل، فحسب وإنما تشتمل أيضاً على التغلب على مركب أوديب Oedipus-Complex، الذي يمثل الانفصال الناجح عن الوالدين والقدرة على إقامة الارتباط بشريك من الجنس الآخر وأولوية اللوغوس والحب Logos and Eros[3]. فالإنسان الذي يحقق إلى درجة كبيرة مستوى الإنسان المتحضر ومستوى المواطن العالمي، يكون قد نجح في تخطى المرحلة القبل تناسلية Pre genital .

وقد قام التحليل النفسي الحديث بتوسيع أهداف العلاج  النفسي لأوسع من ذلك. فقد قام مارتين (Martin,1991) على سبيل المثال بوضع قائمة طويلة تضم أنماط السلوك والتفكير والمشاعر التي يمكن اعتبارها من صفات الشخص المتمتع بالصحة النفسية، واعتبرها من ضمن أهداف العلاج. ومن ضمن هذه الأهداف: استرداد الثقة الأولى، التغلب على اللاعقلانية، علاقات متناسبة مع الواقع، تحطيم العناصر الهدامة، جنسانية مرضية، تقوية الثقة بالنفس ومشاعر القيمة الذاتية، وضوح أو شفافية العلاقة بالوالدين، علاقات مطردة التحسن مع الآخرين تنمية التعاطف، تقبل الواقع الذي لا يمكن تجنبه، التخلص من الأوهام الكبيرة، ضبط الدافع، غنى الخبرات، توسيع المشاعر، آليات دفاع مرنة، التكيف الاجتماعي، القدرة على تحليل الذات…الخ.

1-3-2-مفهوم الصحة النفسية في علم النفس الفردي

يطرح علم النفس الفردي الذي يمثله آدلر السؤال عن الصحة النفسية بشكل مختلف عن التحليل نفسي التقليدي. فقد اعتبر آدلر العصاب على أنه  "شكلاً خاطئاً من أسلوب الحياة" و "الشذوذ الاجتماعي". ويرى بونغراتس Pongratz أن لهذه النظرة ميزة، أن العصابيين لا يستطيعون التحصن وراء المرض، انطلاقاً من الملاحظة أن جملة "أنا مريض" تلاقي تفهماً واسع المدى من المحيط.

وانطلاقاً من الاستنتاج الذي توصل إليه آدلر أن المجتمع أو المحيط يشكل بنية أساسية للمخلوق الإنساني لا يمكن إلغاؤها أو إبطالها، فقد حدد علم النفس الفردي  مصطلح "الشعور الجماعي" معياراً للصحة النفسية، وللتفريق بين العصاب (الاضطراب) و السواء.

واستناداً إلى ذلك يعد السلوك النافع للمجتمع سلوكاً صحياً. وقد نظر آدلر لتصرفات الفرد  من منظور المستقبل البعيد  لجماعة مستقبلية مثالية وقاسها عليه. إلا أنه عندما يهتم الإنسان الآن بالآخرين على أساس التساوي بينهم والتعاون، يمكن اعتباره من وجهة نظر علم النفس الفردي قد شفي.

وتوجد ثلاثة مجالات حياتية تعبر الصحة النفسية عن نفسها من خلالها. وهذه المجالات هي:

-       الحب\الشراكة

-        العمل\المهنة

-        المجتمع\الصداقة

والشرطين الأول والثاني يمثلان معيار فرويد في الصحة النفسية المتمثل في أن الإنسان السليم هو القادر على الحب والعمل، حيث تلعب القدرة على الإنجاز في كلا الاتجاهين. ويذكرنا في الشرط الثالث بالمسلمة القائلة:إن الإنسان عبارة عن مخلوق اجتماعي بالدرجة الأولى".

ومن خلال الإجابة عن المهمات الحياتية الثلاثة أعلاه يتجلى "الشعور الجماعي".

ويتضمن تحقيق مهمات الحياة الثلاثة أكثر من مجرد الحصول على المال من خلال المهنة والزواج والانتساب إلى جمعية أو اتحاد. فحسب أدلر لا يمكن اعتبار الإنسان سليماً نفسياً إلا عندما يتناسب طموحه مع سعادة المجتمع ويلتزم أخلاقياً بتحقيق عالم أكثر إنسانية. وقد حدد آدلر هدفاً للتربية، يعتبر كذلك هدفاً للعلاج القائم على علم النفس الفردي يتمثل في:"نريد أن نكون مساهمين متساويين ومستقلين ومسؤولين في الحضارة". وفي هذا إقرار بالمساعدة المتبادلة والتضامن والمساواة وكل القيم الأخرى، التي تقوم عليها الطبقة الوسطى  والاشتراكية الليبيرالية.

والعلاج النفسي كما يفهمه أدلر هو الأخلاق التطبيقي، التي لا يمكن التعرض لها مباشرة في العلاج وإنما يمكن إيصالها من خلال ربطها بشخص المعالج.

غير أن أدلر، مثل فرويد، لم يقم بتحدي صورة الإنسان السليم نفسياً. فكتبه كلها تقريباً تدور حول "العصابي" في ضروبه المتنوعة، إلى درجة يبدو من خلالها كل الناس "عصابيين" قياساً إلى المثل العالية جداً التي وضعها أدلر.

ولم يحسب أدلر حساباً لإمكانية الصراع بين الأهداف النهائية العليا. وبالتالي كذلك لم يقدم دلائل على الكيفية التي ينبغي التصرف فيها عند وجود صراعات أخلاقية أو اجتماعية. إلا أن أدلر قدم بصورة غير مباشرة باقة من عوامل الصحة النفسية وذلك من خلال تركيزه على الأخطاء التي يمكن أن ترتكب من الناحية النفسية. وتمتد هذه العوامل من الاهتمام حتى التفاؤلية والمرح. وتحدث عن وحدة الشخص، وقصد بذلك وحدة الشخصية التي ينبغي تنميتها وتحسينها في جميع أجزاءها دون استثناء.

ومن أجل التوضيح نورد التفريق بين الشعور الجماعي "الضيق" والشعور الجماعي "الواسع". يتمثل الشعور الجماعي في نطاقه الضيق  من خلال القدرة على التصالح مع الوالدين (رضا الوالدين)، تقبل الشريك وتعزيزه والتعامل الطيب مع الزملاء في العمل و الاهتمام بالصداقة وتنميتها.  أما الشعور الجماعي بالمعنى الواسع فهو القدرة على الانخراط في السياقات الثقافية والتاريخية العظيمة والشعور بالمسؤولية عن تطوير وتنمية المجتمع ومناقشة التطور الحضاري للعصور السابقة –بشكل عام على الأقل- والإسهام على هذا الأساس العارف والمتفهم في بناء مستقبل إنساني. وكلما كانت الشخصية قادرة على تمثل assimilation الماضي والتخطيط للمستقبل، كانت أعظم وأكبر.

وعليه ربما يعني بالشعور الجمعي الصافي والشامل، التطلع إلى مستقبل إنساني لا يقمع فيه إنسان إنساناً آخر ولا يغبنه ويسيء معاملته. الشعور الجماعي عبارة عن روح تضامنية ومبدأ تحرري.

ولا يوجد تعارض بين فردانية الشخص و التصرفات الاجتماعية في علم النفس الفردي. فتحقيق الذات والتأهيل المستمر والتقدم المهني وتوسيع مجالات الحرية الشخصية تحتل عند أدلر المرتبة نفسها التي التضامن والاستعداد للمساعدة والروح الجماعية؛ إذ أن صيرورة الإنسان ترتبط بالالتزام الاجتماعي بالآخرين. فبدوا "الأنا" لا يوجد "نحن". غير أنه في الحياة العملية قلما يمكن تجنب وجود توترات بين الفرد والمجتمع، على الرغم من أن أدلر لم يتطرق لهذا الموضوع. إلا أنه يمكن الاستنتاج أن أدلر يعطي الأولية لمطالب الجماعة على مطالب الفرد بغض النظر عن مشروعيتها أم لا. مع العلم أنه قد منح بضبابية غير واضحة الجماعة المثالية مستقبلاً سعيداً.

وعندما نتحدث اليوم عن الفردانية التضامنية solitary Individualism  لا يمكننا تجاهل التبعية الثقافية والاقتصادية المتنوعة والمليئة بالتناقضات والمنتشرة عالمياً، المدفوع إليها الإنسان اليوم شاء أم أبى. وعلم النفس الفردي يطمح إلى تقوية شجاعة وثقة الفرد على الصمود ضمن هذا الخضم من الضباب. وتوكيد الحياة الفردية يتم من خلال رعاية الآخرين. ويمكن للسعي من أجل الحياة الشخصية أن يكون أنانياً غير أنه ليس بالضرورة أن يكون كذلك. وقيم مثل حصانة الحياة الإنسانية والحقوق العالمية للإنسان والحفاظ على الطبيعة وتأمين الأحياء والأجيال المقبلة تتضمن كذلك أخلاق المسؤولية الفردية.

 

1-3-3- مفهوم الصحة النفسية من وجهة نظر التحليل الوجودي

رأى فرويد سعادة الإنسان في قدرته على العمل بكفاءة وفي سعادته الجنسية، ووسع أدلر هذا التصور للصحة ليشمل التوجه الاجتماعي نحو مثل جماعية عليا. أما التحليل الوجودي فقد عرف الصحة النفسية بأنها السيطرة على المكامن النفسية الجسدية والنفسية والعقلية.

وبطريقة مشابهة للتحليل النفسي المتمثلة في جعل المكبوتات مدركة ودمج الأجزاء المنقسمة من الشخصية،  اهتم التحليل الوجودي بالأجزاء غير النامية من الشخصية. ويهدف العلاج النفسي في التحليل الوجودي إلى صهر الدوافع لتذوب في رؤية ثابتة ومحددة للعالم والذات. 

وعلى عكس التحليل النفسي وعلم النفس الفردي ينطلق التحليل الوجودي من الإنسان السليم ويعتبر المرض "شكلاً قاصراً من الصحة". ويتجنب التحليل الوجودي الحديث عن عصابات وتضررات الإنسان، ويؤكد على أنه حتى في العصابات يمكن إيجاد مساحات متدرجة من الحرية، ينبغي توسيعها. وتعد الانحرافات الجنسية بالنسبة لميدارد بوس على سبيل المثال أمثلة مهمة للتحليل الوجودي، التي تمثل رغبة منكمشة يصعب إدراكها للحب والقرب. وعندما نقود المريض على أساس الأجزاء السليمة الباقية من نفسيته نحو الاعتراف بنفسه وبالعالم أو توكيد ذاته والعالم، بدلاً من البحث في أعماقه عن دوافع شاذة أو عن الصدمات التي لا يمكن إصلاحها أو عن مشاعر النقص، فإنه يشعر بأنه مفهوم بشكل أفضل. ويهتم التحليل الوجودي بشكل أشد من التحليل النفسي وبدرجة مشابهة لعلم النفس الفردي بالوجود الراهن للمريض. ولكن التحليل الوجودي لم يهتم كثيراً بتحديد السمات الأساسية للصحة النفسية، عدا عن وجود بعض الإشارات  حول ذلك في السمات الجوهرية للوجود الإنساني الثمانية التي سنعرض لها فيما يلي:

1)  يمتلك الإنسان في البداية بوصفه مخلوقاً وحيداً تصوراً عن وجوده في المكان (المجال). و "الإنسان الخالي من الهموم" ويمتلك وجداناً حراً و صافياً و واضحاً. ويعبر بوس عن الصفاء والوضوح من خلال مفهوم "النور" ويشبه ذلك مجازيا من بالنور في الغابة الذي يشق الطريق للضوء. والإنسان موجود بالمعنى الحرفي للكلمة، إنه موجود دائماً في الخارج- في العالم-  الذي يعتبر وحدة كلية. والوجود الداخلي (الوجود داخل العالم) هو وجود مع - مع الآخرين. وغالباً ما يتبدل مدى المكان (المجال) من يوم إلى آخر، ويبدو أنه يكون متعلقاً بمقدار الشجاعة. والإنسان السليم نفسياً (الصحيح نفسياً) يسبح في المكان (المجال) "كالسمكة في الماء" ويكون مستعداً  لامتلاك مجالات أخرى وجديدة.

2)  وبما يشبه المكان يعيش كل إنسان في الزمن. والإنسان السليم يخوض في كل أبعاد الزمن في الوقت نفسه. والحياة الملموسة تعبر عن نفسها من خلال الحاضر بالدرجة الأولى، وليس في الماضي الحالم أو المستقبل المؤجل. إلا أن الماضي كذكرى و خبرة يكونان غاليين ومحببين للإنسان السليم نفسيا. ويرى هايدغر –وهو فيلسوف وجودي- أن المستقبل  هو البعد المسيطر من الزمن. ومن منظور النهاية تتحدد حياة الإنسان؛ إذ أن كل النشاطات الراهنة تحدث في ضوء الماضي الممتد إلى المستقبل المتوهم. ويعد المستقبل مجال البناء الذي ينمو حجمه من خلال سعة الصدر و رحابته المكتسبة. إن ما ينتظرنا هو تلك المرحلة من الزمن الذي يبشرنا بالنمو والتحسن والسعادة والتغيير.

3)  الجسمانية هي أبعد من مجرد التجسد. إذ أنه في الحقيقة لا توجد أية ظاهرة على الإطلاق من الوجود الإنساني ليس للجسد فيها دوراً أو يمكن أن تكون لاجسمانية. فمن خلال كلمات مثل الاسترخاء والهدوء والراحة التوتر…الخ يتم وصف تثبيتات جسدية، إلى جانب الاتجاه النفسي ككل للإنسان نحو عالمه. يقول بوس"حدود جسدي تتطابق مع بعضها، بكلمات أخرى تتطابق مع حدود انفتاحي على العالم". إن حدود الجسد لا تتغير. إن ما يتغير هو سعة أو ضيق نسبة العالم.

4)  تلزمنا حقيقة أننا لسنا الوحيدين في هذا العالم بالآخرين على شكل رعاية واهتمام بهم. فالإنسان بطبعه ميال للآخرين (الوجود مع الآخرين)، الأمر الذي يذكر بالإلزام الاجتماعي عند أدلر. ويشترك عالم البشر انفتاحهم الممكن على العالم والقدرة على تقديم إجابة عن كل "الأشياء المنارة"، أي الأشياء المدركة في الشعور.

5)  يحمل الإنسان في طيات نفسه كل ما يمكن تصوره من أمزجة، غير أن مدى بروزها أو ظهورها يتعلق بطبيعة العلاقة بالعالم. فالحالة المزاجية تعكس نوع الانفتاح على العالم. فالحالة الجيدة تؤثر على المجالات الجسدية لأبعد مدى وينبغي اعتبارها (أي الحالة الجيدة) من العوامل المسببة للصحة من الدرجة الأولى. وبالتالي فإن العلاج النفسي يهتم بالدرجة الأولى بإعادة "تعيير" الحالة المنغلقة كالقلق والملل واللامبالاة باتجاه حالة "منارة" واضحة ومنفتحة وصريحة وحرة. والانفعالات تمنع الإنسان من إمكانية إدراك العالم المحيط. ومن خلال تعابير مثل "الحقد الأعمى" أو "الحب الأعمى" يتم التعبير عن إمكانات الوجود المغلقة و "المظلمة" كلية أو جزئياً في العالم. ويعد "الصفاء الرزين" حالة مرغوبة، حيث يقصد بالصفاء "النورانية" و "الوضوح"، أما المقصود "بالرزانة" التعرف على العالم ، "وتركه" كما هو. وينطبق هذا على حقيقة الموت بصورة خاصة.

6)  تعمل الذاكرة وتاريخ الإنسان على  الاحتفاظ بما كان. ويرى بوس أن ما كان قد تم إدراكه في السابق يبقى موجوداً من خلال أهميته، التي كانت له مرة والتي مازال يمتلكها. ويرى بوس ،أنه ليس من المثبت أن الإنسان ينسى شيئاً. ويرى أن التذكر عبارة عن إعادة إحياء لأطر العالم الباكرة، التي كانت بين الحين والحين "موجودة بصورة بعيدة". النسيان يعني اختفاء شيء ما من الحضور المباشر. الماضي يؤثر بصورة مستمرة.

7)  أكد بوس على الهروب من الموت، الذي يتجلى في المحاولات اللامتناهية بالتضليل عن هذه الحقيقة. ومدح بدلاً من ذلك السلوك الإنساني "غير الهارب"، "غير المموه" الكريم بحق تجاه الموت، الذي يتمثل في التحمل الدائم لمعرفة النهاية المحتومة.

8)  وأخيراً تعد السمات الجوهرية المذكورة أعلاه على نفس الدرجة، ولا توجد فيها واحدة فوق الأخرى. فكل الظواهر الإنسانية الأخرى تتضمن هذه السمات الجوهرية، على الرغم من شدتها المختلفة.

 

وعلى أساس السمات الجوهرية الثمانية للوجود الإنساني صاغ بوس تعريفاً من نوع جديد للمرض والصحة.

وبناء على ذلك يرى بوس أن الصحة هي التمكن غير المحدود من امتلاك السمات الجوهرية الثمانية للوجود الإنساني، في حين أن المرض عبارة عن ذات أو كينونة ضعيفة، عبارة عن تضرر في مدى ونورانية مجال العالم، في حرية حركة الإنسان بالمعنى الواسع للكلمة. أما الإنسان في حالة الصحة فهو الإنسان القادر على الاهتمام بالآخرين والمواضيع بحرية ووضوح، والحفاظ باستقلالية ذاته في الوقت نفسه. الوضوح أو الصراحة السليمة تتضمن القدرة على الحفاظ على مسافة من الآخرين أو صدهم بصورة مبررة وواعية.

إن الإغراق بوقائع الحياة شكلاً مقيتاً من القدرة على المقاومة. على الإنسان أن يحافظ على نفسه من السقوط في وجود جماعي مشكل problematical collective existence، لابد له بدرجة ما أن يكون قادراً على النهوض ثانية.

الصحة والمرض متعلقان بالانفعالات والمشاعر قصيرة الأمد  وبالمعاناة والحالات طويلة الأمد. فالمقدار العالي والمفرط من الانفعالات غير المضبوطة والمعاناة المدمرة كذلك تعد دلالة على مرض ممكن للحياة النفسية. إنها تعد من ناحية مصادر للطاقة غير أنها تتحكم بالجسد على المدى البعيد و تتحول إلى أمراض جسدية. 

ويعالج ميدارد بوس المزاج  تحت مفهوم "الحالة" أو "الكينونة". والكينونة تقدم لنا معلومات حول موقفنا من حيث المبدأ من العالم. فالإنسان ذو المزاج الطيب يسر من رغبة وجوده في العالم وما يرتبط بذلك من مشاعر مبهجة. والمشاعر الطيبة تنبثق من تربة اتجاه أساسي على المدى البعيد من الطيبة والثقة. 

 

علم الصحة النفسية

ما هو تعريف علم الصحة النفسية، أي ذلك العلم الذي يتخذ من موضوعه الصحة النفسية؟ وما هي أهداف هذا العلم، وهل؟ هو علم نظري أم تطبيقي وما هي المجموعات الهدف التي يتناولها هذا العلم؟

تلك بعض الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها.

1- تعريف علم الصحة النفسية

الإجابة عن تعريف علم الصحة النفسية نجدها عند مرسي (1988) الذي يعرف علم الصحة النفسية بأنه "علم تطبيقي للمعارف النفسية، يهدف إلى مساعدة الناس على تنمية أنفسهم وتحسين ظروف حياتهم، وأن يواجهوا الأزمات والصعاب بصبر وثبات وأساليب توافقية مباشرة. ويستخدم في ذلك المنهج العلمي في تفسير علامات الصحة النفسية من حيث قوتها أو ضعفها وفي تنمية الصحة النفسية في البيت والمدرسة والعمل والمجتمع، وفي دراسة الانحرافات النفسية وطرق تشخيصها وتحديد عوامل الخطر وطرق الوقاية منها وأساليب علاجها والتنبؤ بما يمكن عمله لكي يحقق الإنسان صحته النفسية".

 

ومن التعريف أعلاه يمكن الاستنتاج أن علم الصحة النفسية عبارة عن:

1)    فرع تطبيقي من فروع علم النفس.

2)  فرع تكاملي، أي أنه يستفيد من المعارف والأبحاث التي تتم  في إطار الفروع الأخرى، كعلم النفس التربوي وعلم النفس الاجتماعي وعلم الفروق الفردية وعلم النفس المعرفي (الاستعرافي) وعلم نفس الانفعال، وعلم نفس الشخصية وعلم نفس الصحة والصحة العامة..الخ، ويقدم لها من جهته معارف مهمة يمكن توظيفها واستخدامها في المجالات المختلفة.

 

موضوع علم الصحة النفسية:

1)   تنمية الصحة: أي دراسة وتحليل العوامل الفردية والاجتماعية والبيئية التي تنمي الصحة النفسية في جميع الميادين.

2)       تحديد عوامل الخطر: أي السعي لتحديد العوامل والظروف المعيقة لتنمية الصحة واستبعادها.

3)  التنبؤ بالعوامل المضرة للصحة وذلك من خلال دراسة وتحليل الأمراض والاضطرابات النفسية والعوامل الفردية والبيئية والاجتماعية المساهمة في نشوئها.

4)  تحديد الاستراتيجيات التشخيصية والعلاجية والمتعلقة بإعادة التأهيل عند المرضى والمعاقين جسدياً والمتخلفين عقلياً من أجل تمكينهم من التغلب على آثار إعاقتهم.

5)      تحسين نظام الرعاية الصحية النفسية

 

أهداف علم الصحة النفسية.

    تتمثل أهداف علم الصحة النفسية في هدف رئيس واحد، ألا وهو الوقاية Prevention.

معنى الوقاية

    الوقاية تعني تجنب نشوء المرض.  ومن الناحية التاريخية فقد كانت الوقاية تعني الوقاية من انتشار الأوبئة التي كانت تفتك بالبشر، وتمت ممارسة إجراءات الوقاية بهذا الشكل. وقد قاد هذا الوضع إلى قيام المرافق الصحية العامة  التي تحولت في مجرى التاريخ مؤسسات  تقوم بتقديم المعارف الطبية للجمهور من ضمن إجراءاتها الهادفة إلى الوقاية من الأمراض. وقد شكلت كل من الجائحة (انتشار الأمراض النفسية على شكل وباء) Epidemiology    والوقاية Prevention  من المخاطر الصحية الكامنة  ومعالجة الأمراض العناصر الأساسية التي قامت عليها المرافق الصحية.

 

     والوقاية  ليست شكلاً محدداً من الإجراءات، وإنما هي أقرب لأن تكون تسمية جامعة للإجراءات التدخلية  الكفيلة بضمان استمرارية الصحة . وهي لا تركز إجراءاتها على الأمراض الواضحة القابلة للتشخيص فحسب،  وإنما تحاول  بطريقةSpecific and non Specific وغير نوعية  إعاقة  ظهور الاضطرابات  والأمراض  . وتستند هذه المحاولة لإعاقة ظهور الاضطرابات والأمراض (أي الوقاية)  إلى فرضية جوهرية مفادها : إن الأمراض مرتبطة بعمليات نمو أو تطور مرضية، وهذه الأمراض لا تكتمل في صورتها النهائية (أي لا تظهر في شكلها النائي كصورة مرضية متكاملة) وفق قانونية طبيعية  وإنما تتأثر بالعلاقات والعوامل القائمة الشخص والمحيط. وذلك يعني أن الأمراض النفسية منها والجسدية لا تتحكم فيها العوامل الموضوعية فقط، وإنما     تتأثر بطبيعة العلاقة القائمة بين الشخص ومحيطه وبأسلوب التفاعل القائم في هذه العلاقة.

    ومن هنا لابد للوقاية من أن ترتبط بصورة وثيقة مع  فرضية حول الأسباب وعوامل الخطر التي تقود إلى حدوث الاضطراب  في مجرى الحياة. ومن الفرضيات حول الأسباب يتم  بشكل عام اشتقاق الهدف العام للإجراء الوقائي والجهد المبذول فيه  وأسلوب هذا الجهد.   أما اختيار المجموعات الهدف التي ستتوجه لها إجراءات الوقاية وبالتالي تنمية الصحة النفسية  فيتم من خلال الفرضيات القائمة حول عوامل الخطر (ماهية هذه العوامل وأسباب نشوئها) والمجموعات المعرضة لهذا الخطر.  إن استخدام المصطلح "فرضيات" يتم  هنا بصورة مقصودة بسبب عدم إمكانية الاستناد إلى معارف مؤكدة حول أسباب الاضطرابات النفسية و النفسية الجسدية  في كثير من المجالات بعد    ( ( Brandstaedter, 1982.

    وفي هذا السياق كثيرا ما نوقش المدى الذي لابد فيه  للمعرفة النظرية والإمبيريقية حول أسباب ومجريات تطور  الأمراض أن تكون مدعَمة بالمعارف العلمية المؤكدة  كي يكتب لهذه الإجراءات النجاح. وهناك أمثلة تاريخية تظهر أنه من الممكن للتصورات البسيطة  حول أسباب  المرض أن تقود إلى تأثيرات ناجحة . فقد تمكن  ادوارد جينير  Edward Jenner    مثلا في القرن الثامن عشر في بريطانيا من تحقيق مناعة ناجحة ضد الجدري  دون أن يكون على معرفة  بالأسس النظرية  لتقنيات التلقيح الحديثة  التي طورها باستور في وقت لاحق جداً. ويثبت هذا المثال  وأمثلة أخرى أن  الإجراء الفعال لا يحتاج بالضرورة لأن يتم وفق معايير علمية تستند إلى نظرية علمية.  ولكن هذا لا يمكن  أن يعني  في النهاية أن الوقاية Prevention   يمكن أن تتم دون خلفية نظرية . إذ أنه عندما نأخذ بعين الاعتبار أن عاقبة التأثيرات التي نقوم بها وخصوصا التأثيرات النفسية  تمثل في النهاية تدخلات في البنى الاجتماعية والأسرية والشخصية، فإنه لا يمكن من الناحية الأخلاقية تبرير الإجراءات الساذجة التي تتم وفق مبدأ

 (المحاولة والخطأ). وبالتالي فإن معرفة ماهية الإجراءات الوقائية المضبوطة والصحيحة التي يمكن استخدامها للوقاية من الأمراض والاضطرابات النفسية ومدى تأثيرها يمكن أن يتم من خلال القيام بعملية تقويم  Evaluation  مسؤول  للإجراءات الوقائية. ويمكن لهذا التقييم أن يتم على شكل تصميم شبه تجريبي مثلاً  بحيث يتيح تقييم نجاح التأثيرات  المجراة ( Brandstaetter, 1982; Koch & Wittmann, 1990).

 

أشكال الوقاية

   للوقاية أشكال ثلاثة:

1)      الوقاية من الدرجة الأولى (الوقاية الأولية):

وتعني كل الإجراءات التي تهدف للحيلولة دون حدوث المرض أو الاضطراب أصلاً. ويتم ذلك من خلال بالبحث عن العوامل الجسدية والاجتماعية والنفسية المسببة للأمراض والاضطرابات النفسية أو التي تسهم في نشوئها، وتحديد مكامن الخطر وعوامله، بهدف تجنبها والتغلب عليها  ومنعها من التأثير وإثارة المرض أو الاضطراب. كما وتشمل إجراءات الوقاية الأولية معرفة العوامل الإيجابية التي تسهم في تنمية الصحة النفسية وتعزيزها، وتعليم الناس أنماط السلوك الصحي السليم وأشكال التفاعلات والعلاقات الإيجابية في البيت والمدرسة والمهنة، بهدف خلق موارد صحية مفيدة تجعل الإنسان قادراً على مواجهة ضغوط الحياة و إرهاقاتها، والتعامل معها بطرق فاعلة والتغلب عليها أو تحييد آثارها السلبية. وميادين الوقاية الأولية ميادين واسعة تمتد لتشمل جميع مناحي الحياة وجميع أوجه النشاط الإنساني. كما تتوجه إجراءات الوقاية الأولية إلى تحديد مجموعات الخطر، أي تلك المجموعات من المجتمع المعرضة بصورة مباشرة أو غير مباشرة للاضطرابات بسبب ظروفها الجسدية أو الاجتماعية أو النفسية أو بسبب طبيعة المرحلة العمرية التي يمرون بها، بهدف التحصين ورفع كفاءات التصرف لمنع التأثيرات الخطرة من الظهور. ويمكن هنا استخدام مفاهيم مثل الإرشاد النفسي والبرامج النفسية والسلوكية للدلالة على الأطر التي يتم من خلالها تنفيذ برامج الوقاية الأولية. ومن الأمثلة على ذلك برامج الوقاية من التدخين، برامج التوعية للوقاية من تعاطي المواد المسببة للإدمان (كالمخدرات والكحول)، برامج تدريب الوالدين والمعلمين على أساليب التعامل مع الأبناء، برامج تدريب المراهقين على الدخول في مرحلة المراهقة ومواجهة تغيراتها ومشكلاتها، برامج تدريب الأزواج على إدارة الحياة الزوجية، وتحقيق التكيف الزواجي، برامج تدعيم الوالدين الذين يمتلكون طفلاً معاقاً،  برامج الوقاية من زيادة الوزن، برامج ممارسة الرياضة، برامج الوقاية من الإرهاق والضغط، برامج إرشاد المعلمين، والمديرين و والأطفال والمراهقين…الخ. ولعل الوقاية الأولية هي الميدان الذي يحتل القسم الأكبر من ممارسات علم الصحة النفسية.

فمن المفترض  لموضوع العلم الذي يتحدث عن الصحة أن يحدد ويبحث في الآليات الصحية والكيفية التي يمكن من خلالها تنمية الصحة وتطويرها. غير أن هذا يغيب للأسف عن كثير من الكتب التي تتناول الصحة النفسية، إذ تفرد الجزء الأكبر من مواضيعها للحديث عن المرض أكثر من الصحة، في حين أن للأمراض النفسية ميدانها الخاص. ولعل ذلك يرجع كما لاحظنا من مناقشتنا لتعريف الصحة والصحة النفسية والجسدية يرجع إلى أسلوب التفكير الطبي المسيطر في هذا الميدان الذي يعرف الصحة من خلال غياب المرض، فيعلمنا كيف يمكن ألا نمرض ولكنه لا يعلمنا كيف نحافظ على الصحة.

 

 

 

2)      الوقاية من الدرجة الثانية (الوقاية الثانوية):

وتتوجه إجراءات الوقاية من الدرجة الثانية إلى الفئات التي تعاني من شكل من أشكال الأمراض والاضطرابات النفسية أو الاجتماعية، إما بهدف الشفاء أو التخفيف من التأثيرات الضارة للمرض من أجل منع تفاقمه وتأثيراته السلبية، وتحديد نتائج هذه الاضطرابات ضمن حدود معينة. أي بكلمات أخرى تهدف الوقاية من الدرجة الثانية إلى السيطرة على الآثار الضارة الجسدية والنفسية والاجتماعية للمرض، وتحقيق الشفاء إن أمكن ذلك. ومن الواضح أن الإطار الذي تمارس فيه إجراءات الوقاية الثانوية هو إطار العلاج النفسي. وقد تطور العلاج النفسي في السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً، إلى درجة وجود عشرات الأساليب النفسية الفاعلة لمواجهة الأشكال المختلفة من الأمراض والاضطرابات النفسية.

 

3)      الوقاية من الدرجة الثالثة (إعادة التأهيل):

توجد أشكال مختلفة من الأمراض والاضطرابات النفسية التي يصعب شفاؤها لأسباب كثيرة، بحيث تكون هذه الأمراض مزمنة. كما وهناك أشكال كثيرة من الأمراض الجسدية المزمنة، كأمراض الجهاز العصبي، ومرض السكري وأشكال من أمراض السرطان..الخ،  وهناك أشكال مختلفة من الإعاقات العقلية والجسدية التي توجد منذ الولادة أو يمكن أن تحدث في مجرى الحياة، والتي لا يمكن تصحيحها بحد ذاتها، والتي تقود إلى مشكلات واضطرابات نفسية مختلفة، سواء للمعنيين أنفسهم أم لمحيطهم. وهناك أمراض وإعاقات تتطلب من المعنيين تغيير مجرى حياتهم الذي بنوه وساروا فيه حتى الآن، وهناك أمراض وإعاقات تتطلب من المرضى فترات طويلة من الإقامة في المستشفيات أو تتطلب منهم الخضوع لإجراءات طبية مرهقة ومتعبة من التشخيص والعلاج. وكل ذلك قد يقود إلى مشكلات نفسية واجتماعية للمعنيين وأقاربهم  لا حصر لها.     وتهدف إجراءات الوقاية من الدرجة الثالثة إلى الحد من الآثار الاجتماعية والنفسية والجسدية للإعاقة (وليس إلى التغلب على الإعاقة نفسها)، وإلى إعادة تأهيل المرضى والمعوقين من خلال برامج متخصصة لكل فئة ولكل نوع من أنواع الإعاقة، بحيث تساعدهم في التأقلم مع مرضهم أو إعاقتهم ومواجهة التأثيرات السلبية الناجمة عن ذلك، وبناء أهداف وتصورات حياتية جديدة تتناسب مع وضع الشخص وإمكاناته المتاحة، واستغلال الموارد والاحتياطات الكامنة في الشخصية التي ما تزال سليمة ولم تتضرر بعد، وتنمية الجوانب الإيجابية وتعزيزها، وتعليم الأشخاص ممارسة مهنة تتناسب مع وضعهم، والتخفيف من الاعتماد على الآخرين وبناء مفهوم إيجابي عن الذات والعالم والجسد، واكتشاف المغزى من المرض والإعاقة. وتتم ممارسة ذلك في أطر مختلفة منها إرشادي وتربوي وتدريبي وعلاجي حسب الهدف ونوع الإعاقة أو المرض وحسب الجوانب المراد تنميتها وتطويرها.  وكذلك تتوجه إجراءات الوقاية من الدرجة الثالثة إلى المرضى النفسيين الذين حققوا الشفاء ولم يعودوا بحاجة للعلاج بهدف تدعيم نتائج العلاج ومنعهم من الانتكاس ، والمدمنين السابقين، والجانحين الذين طبقت عليهم إجراءات الإصلاح …الخ بهدف تقوية إرادتهم ومنعهم من الانزلاق ثانية تحث ضغط الظروف الاجتماعية أو النفسية والخضوع لإغراءات رفاق السوء وما يشبه ذلك، وتعزيز أساليبهم التكيفية الجديدة في مواجهة مشكلاتهم النفسية والحياتية، وخلق وتعزيز أهداف حياتية ذات معنى بالنسبة لهؤلاء.

 

علم الصحة النفسية بين النظرية والتطبيق

يرى بعض الباحثين أن علم الصحة النفسية هو علم نظري وتطبيقي بآن واحد (رفاعي، 1989، زهران،1986).

§         إنه علم نظري من خلال دراسته:

1)    للشخصية وسماتها وخصائصها ومحدداتها

2)       للحاجات والدوافع

3)       لأسباب المرض والأعراض

4)       لوسائل الدفاع (الشعورية منها واللاشعورية)

5)       لتصحيح المفاهيم الخاطئة

6)      لإعداد وتدريب الباحثين

7)    والقيام بالبحوث العلمية حول المسائل المختلفة الواقعة ضمن إطار مواضيعه.

 

 

§         وعلم تطبيقي في الوقت نفسه من خلال:

1)    استخدام المعارف التي تم التوصل إليها في الفروع الأخرى في علم النفس التي يتكامل معها.

2)      من خلال إجراءات وبرامج الوقاية من عوامل الخطر المسببة للأمراض والاضطرابات النفسية

3)  من خلال علاج الأمراض والاضطرابات النفسية مستخدما بذلك الطرق والأساليب والمعارف التي طورها وتوصل إليها هو والمعارف  التي توصلت إليها العلوم النفسية الأخرى.

 

المجموعات الهدف التي يتناولها علم الصحة النفسية

يشكل السلوك الإنساني والخبرة الإنسانية في حالتيهما السوية والمرضية مركز الصدارة في تعريف الصحة النفسية كموضوع وعلم. والصحة النفسية عندما تدرس في جزئها النظري، أو عندما تستخدم ما توصلت إليه العلوم النفسية والاجتماعية وعلوم الحياة من نتائج حول الشخصية والقلق والعدوان والأمراض والاضطرابات النفسية، والسلوك الصحي والمشكلات النفسية، فإنها تسعى من وراء ذلك نحو معرفة وتحليل العوامل التي تسهم في تنمية الصحة النفسية والكشف عن العوامل التي تؤدي لظهور الخلل في الصحة النفسية والتضرر فيها. وكما ناقشنا في موضوع الوقاية أن الميدان الأساسي للصحة النفسية كموضوع وكعلم لا بد وأن يكون الصحة، أي تنفيذ لإجراءات الوقاية الأولية من خلال البرامج النفسية التي تعلم أساليب السلوك الصحي.

والوقاية من الأمراض والاضطرابات النفسية  والشذوذات السلوكية والانحرافات الاجتماعية وتعلم أنماط السلوك الصحي وممارسة الصحة يبدأ في مرحلة ما قبل الولادة، من خلال الاهتمام بالأم الحامل وإظهار آثار السلوك غير الصحي، كالتدخين وتناول الكحول وتعاطي المواد المسببة للإدمان وتناول الأدوية دون استشارة طبيب، والتوعية والإرشاد حول السلوك الجنسي الملائم وتنظيم الولادات بما يتناسب مع الظروف الصحية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية للوالدين، و وحول الظروف الأسرية المستقر والعلاقات الزوجية المتينة القائمة على المودة والحب والاحترام والعدالة في الحقوق والواجبات والدعم النفسي والاجتماعي للحامل  والتغذية السليمة والمتوازنة تعد الخطوة الأولى للوقاية من الأمراض والاضطرابات النفسية و الاجتماعية   والإعاقات الجسدية والعقلية، ومن ثم من أجل ولادة أطفال أصحاء مزودين بجهاز مناعة جسدي ونفسي، أو كما نقول اليوم مزودين بعتاد صلب Hardware  ملائم لتحقيق الصحة ومواجهة مطالب الحياة بصورة أفضل.

وفي مرحلة الطفولة  يتم اكتساب السلوك والعادات المختلفة ويتعلم الأطفال مهارات أكاديمية وعملية يصعب حصرها. و ما يتعلمه الأطفال في هذه السن ويكتسبونه من محيطهم يعد محدداً هاماً لما سيكونون عليه في المستقبل. ففي الطفولة يتعلم الطفل من خلال والديه ومحيطه كيفية مواجهة المشكلات والصعوبات والصراعات التي يمكن أن تواجهه في المستقبل. ويمكن في كثير من الحالات اكتشاف جذور الانحرافات السلوكية والاجتماعية والمشكلات النفسية والاجتماعية وعدم الاستقرار الانفعالي والأمراض والاضطرابات النفسية والنفسية الجسدية في الطفولة، بسبب وجود اضطراب أساسي في علاقة الطفل بوالديه ومحيطه وعلاقات الوالدين مع بعضهما ومع محيطهما.

فالحب والدفء الانفعالي والعلاقات الجيدة بين الوالدين والأولاد والرعاية العاطفية الجيدة وإشباع الحاجات النفسية عند الأطفال نحو الحب والاعتراف والتقبل والانتماء تعد من الشروط،وموقف الوالدين من  الطفل و نفسيهما والحياة والمجتمع والمهنة، وتقبلهما لدور الوالديه وأسلوبهما الإيجابي في مواجهة المشكلات والصراعات تعد من الشروط  الهامة التي تنمي مفهوماً سليماً ومستقراً حول الذات والواقع وبالتالي من أجل الوقاية من الأمراض والاضطرابات النفسية والاجتماعية في المستقبل. ولعلم الصحة النفسية ميدان واسع هنا ومجالات عمل غير متناهية لتسهم في التغلب على عوامل الخطر وتنمي الصحة النفسية وترسخ الأسس التي يمكن أن يتم استثمارها فيما بعد.

وفي مرحلة المراهقة   يحتل البلوغ الجنسي والنضج النفسي المحور الأساسي في تطور اليافع، بالإضافة إلى كونها المرحلة التي يتم فيها اختيار التوجه المهني المستقبلي وتشكل الاتجاه  العقائدي والفلسفي والسياسي للفرد نحو نفسه والعالم المحيط، والتي يتبنى فيها الإنسان القيم الاجتماعية والأخلاقية ويتمثل دوره الجنسي، ويترسخ مفهومه عن ذاته والعالم من حوله. 

وتتحدد أهداف الصحة النفسية والوقاية  في هذه المرحلة في خطوطها العريضة من خلال برامج التوعية والإرشاد.

و ما يتم اكتسابه في هذه السن ، يتم الاحتفاظ بها في أطوار  الحياة اللاحقة . كما وتعتبر هذه المرحلة مرحلة مهمة لنمو الاتجاهات المهمة بالنسبة لقيمة الذات. والشيء المميز بالنسبة للنمو نحو الرشد هنا هو القيام بتجريب أنماط سلوك  مختلفة  بما في ذلك أنماط السلوك  التي تحمل في طياتها الخطر (كتجريب التدخين مثلاً) . وتعتبر هذه الحقيقة  في أبحاث التنشئة الاجتماعية من المهمات النمائية الأساسية في سن المراهقة أو اليفوع.  

كما وجدت الدراسات النفسية بأن غالبية أنماط السلوك المضرة بالصحة النفسية التي تمارس في هذه الفترة  لاتظهر آثارها الضارة بوضوح إلا في أطوار  متأخرة من الحياة. وينطبق هذا على سلوك الإدمان  بشكل خاص حيث تظهر العواقب  في سن الرشد المتوسط والمتأخر و الشيء  نفسه  ينطبق كذلك على المستويات المعرفية (الاستعرافية)  المتمثلة في  اتجاهات الفرد نحو ذاته و أنماط التقييم  المعممة وفي اكتساب مهارات  مواجهة  الأزمات التي تظهر في الأمراض ونائبات الدهر  والأحداث الحياتية  الحرجة الأخرى في أطوار الحياة اللاحقة. وهنا يتجلى  السبب الرئيسي  في إدخال  إجراءات. و  الوقاية وتنمية الصحة  تبدأ في طور سن الطفولة  والمراهقة الذي يعتبر  الطور البنيوي  بالنسبة لمجرى الحياة  . فإذا ما أمكن إزالة  أو إيقاف الأسباب الرئيسية لمشكلات الصحة في الأطوار الباكرة من التشكل ، عندئذ  تكون التأثيرات  إيجابية على  أطوار الحياة اللاحقة .

ومن هنا يمكن تحديد بعض الملامح لعمل الصحة النفسية في هذا الميدان من خلال برامج التوعية والإرشاد والبرامج الوقائية، على نحو برامج الإرشاد والتوعية حول النضج الجنسي في هذه المرحلة وما ينتظر المراهق من تغيرات على المستوى الجسدي والنفسي والاجتماعي، وبرامج تتعلق بإيضاح  طبيعة السلوك الجنسي السليم والخاطئ والتوجيه المهني والمدرسي الصحيح بما يتناسب  مع إمكانات واهتمامات المراهق وإرشاد الوالدين وتدريبهم على  تنمية الهوايات والاعتراف بالمراهق كفرد في المجتمع وتعزيز اتجاهات التفاعل والتواصل الاجتماعي عند المراهق، واحترام رأيه والسماح له بالتعبير بحرية عنه وأخذ أفكاره على محمل الجد وتدريبه على تحمل المسؤولية بما يتناسب مع سنه وبناء جسور من الثقة بين المراهق ومعلميه ووالديه ومحيطه، وإعطاءه مساحات مناسبة من الحرية، دون قهر وتسلط في التعامل معه، وعدم إرهاقه بمتطلبات عالم الكبار وعدم تحميله فوق طاقته، وتدريبه على تنمية كفاءته الذاتية واستقلاليته وبناء مفهوم واقعي حول نفسه والعالم الذي يعيش فيه دون مبالغة وأوهام.

 وفي مرحلة الرشد  يتعرض كثير من الراشدين لأزمات حياتية مختلفة في ميادين الحياة الاجتماعية والاقتصادية أو المهنية والسياسية. وفي هذه المرحلة يكون غالبية الناس قد اختاروا مهنتهم  وتدربوا عليها وبدءوا بممارستها وشكلوا أسرة. وقد يخفق الإنسان في تحقيق كثير من أهدافه، ويصطدم بالواقع، وقد يكتشف أن السعادة التي كان ينشدها موهومة. ومن ثم يمكن للأزمات والمشكلات أن تظهر في كل المجالات المذكورة أو تظهر في مجال واحد وتمتد تأثيراتها إلى المجالات الأخرى فتؤثر على شعور الإنسان بالحياة والسعادة. وتتمثل الوقاية في هذه المجموعة   في محاصرة الأزمات وجعل آثارها ضمن الحدود الدنيا  ومساعدة الإنسان على إعادة اكتشاف نفسه وتوجيه أهدافه واهتماماته بما يتناسب مع الواقع والمرحلة التي يعيشها.

وفي مرحلة الشيخوخة  حيث تفرض هذه المرحلة متطلبات مختلفة على كبار السن، تجعل منها مرحلة حرجة. فمن السمات السلبية لهذه المرحلة فقدان الدور الاجتماعي وفقدان الأحبة والأصدقاء وتراجع الوظائف الجسدية. ومن هنا يحتاج كبار السن إلى الدعم والإرشاد وبرامج الوقاية، وخصوصاً في مواقف الأزمات، بهدف منع اليأس والاستسلام وبالتالي منع ظهور كثير من التأثيرات السلبية للشيخوخة.

فحياة الإنسان عبارة عن خلاصة لمراحل بارزة كثيراً أو قليلاً، وفيها الكثير من الكبوات والانتصارات، وفيها الكثير من المواقف الحدية المتطرفة التي تعصف بالإنسان، وفيها الكثير من التحولات وجسور العبور من مرحلة لأخرى.  وتتعلق الصحة النفسية وسعادة الحياة بمدى جودة السيطرة على  المعابر بين هذه المراحل . وعلى الرغم من أن بعض العلامات الفارقة  كالدخول للمدرسة أو الشهادة الثانوية أو الدخول في الحياة المهنية  أو الزواج  أو التقاعد تشير ظاهرياًً إلى أن مرحلة من مراحل الحياة قد انتهت وبدأت مرحلة جديدة إلا أنه قد لا يستطيع الإنسان أن يواجه نفسياً مراحل الحياة المختلفة أو  نقاط العبور من مرحلة لأخرى ويتغلب عليها. وعمل الصحة النفسية يدخل في صميم هذه المراحل من خلال مواجهة الأزمات والإعداد لها ومساعدة الإنسان في كل مرحلة من مراحله العمرية على كيفية التعامل مع أزمات وصعوبات كل مرحلة  أن يتخطاها بسلام.

بالإضافة إلى ذلك تتوجه الصحة النفسية إلى مجموعات مختلفة من المجتمع.

فهي تتوجه للمجموعات المهنية والإدارية المختلفة. إذ أن تحقيق الرضا عن العمل وقبوله وفاعلية الإدارة، يمثل جزءاً مهماً من أحجار بناء الصحة النفسية. ويتمثل عمل الصحة النفسية هنا بالإضافة إلى معالجة المشكلات الناجمة عن المهنة وعدم الرضا عنها ومساعدة الإنسان على التكيف مع مهنته، بالسعي نحو تحقيق الأمن المهني والاستقرار النفسي والمساعدة على توفير الشروط المادية المناسبة لممارسة العمل وجعل عالم العمل أكثر إنسانية ومشبعاً  بالجو الاجتماعي التضامني الداعم وتوفير فرص الترفيه والراحة. 

وتشكل المرأة إحدى المجموعات المهمة التي تركز عليها جهود الصحة النفسية وبرامج الوقاية وتنمية الصحة. فالمرأة ما زالت تعاني من أشكال كثيرة من القهر والاستلاب الاجتماعي نتيجة كثير من العادات والتقاليد الموروثة، والتي يتم خلطها بصورة خاطئة مع الدين، وتحتاج إلى دعم نفسي واجتمعي في دورها الأمومي وتربية الأولاد، ودعم في عملها المنزلي وغير المنزلي. إذ أن هذه الجوانب تساعد في تضاعف حدة الإرهاقات التي تواجهها المرأة وتجعل منها أكثر عرضة للاضطرابات النفسية كالقلق والاكتئاب والإحساس بالغبن والاستغلال وفقدان الحرية. وتشير كثير من نتائج الدراسات النفسية أن المرأة معرضة أكثر من الرجل للمعاناة من اضطرابات الصحة النفسية، ويرجع سبب ذلك إلى عوامل بيولوجية وراثية وعوامل اجتماعية. وبالتالي فإن توجيه العناية النفسية للمرأة يحتل أولوية كبيرة في جميع برامج الوقاية والإرشاد.

ويشكل المرضى نفسياً أو الذين كانوا قد مرضوا إحدى المجموعات الهدف للصحة النفسية، وكذلك المعاقين بإعاقات عقلية وجسدية. وكما رأينا فإن إجراءات الوقائية من الدرجة الثانية والثالثة تهتم بهذه الفئات.

وقد توسع مجال عمل الصحة النفسية في العقود الأخيرة ليشمل بشكل كبير المجموعات التي تتعرض لأزمات وكوارث اجتماعية ونفسية واقتصادية وكوارث طبيعية  وتعاني من ويلات الحروب والدمار والقهر السياسي، وليشمل كذلك الأقليات العرقية والدينية والمهاجرين ومجموعات المدمنين والذين يمارسون سلوكاً صحياً خطراً، والمجموعات التي قادتها ظروفا للعيش على هامش المجتمع.

بالإضافة إلى توجه اهتمام الصحة النفسية للأشخاص الذين يعانون من أمراض جسدية مزمنة كالسرطانات المختلفة والفشل الكلوي والأيدز والأمراض المستعصية الأخرى. فهؤلاء يحتاجون إلى الدعم النفسي والتشجيع لتجاوز الآثار الآثار الناجمة عن قدرهم الإنساني من أجل ألا يصابوا باليأس والاستسلام وبالتالي من أجل منع تفاقم سيرورة المرض الجسدي.

ومع ازدياد الوعي البيئي يزداد اهتمام علم الصحة النفسية "بصحة البيئة" عن طريق تنمية الوعي البيئي وإعادة التوازن إلى علاقة الإنسان بالبيئة المحيطة. فالبيئة الملوثة والمدمرة والمزدحمة وغير المنظمة والخالية من الحياة النباتية تفقد الإنسان إحساسه بالانسجام والتوازن وتعتبر من العوامل التي تسهم في إلحاق الضرر بالصحة النفسية وتفشي أمراض الإدمان والجنوح والإجرام.

 

ثلاثية الصحة النفسية والبيئة والذات

     يسهم تحليل العوامل المتوفرة في البيئة والفرد إلى اكتشاف بعض العوامل التي تسهم في تنمية الصحة النفسية بوصفها حالة، وفي الوقت نفسه التي تعيق تنمية الصحة النفسية.

ومن تعريف منظمة الصحة العالمية للصحة الذي ذكر سابقاً يمكننا الاستنتاج أن الصحة النفسية عبارة عن عملية نجاح للتوافق والتوازن بين الذات والمحيط بشقيه المادي والاجتماعي.

    وفي كل مجال من هذه المجالات يمكن أن تنبعث علائم إيجابية أو سلبية تؤثر على الصحة وتتفاعل معها. والحفاظ على حالة متوازنة نسبياً من الصحة يتعلق بالتوازن بين هذين الجانبين ومقدار المخاطر المنبعثة عن الخلل في واحد منها.

ومن العوامل الكامنة في الذات أو في البيئة المؤثرة بشكل سلبي على الصحة النفسية يمكن تعداد على سبيل المثال لا الحصر:

1)       البنية الجسمية الضعيفة.

2)         الصورة السلبية جداً عن الذات والجسد.

3)         الأسرة غير المتجانسة وغير المتوافقة.

4)         نقص في الاعتراف بالحاجات النفسية  للإنسان.

5)         النقص في إشباع الحاجات الأساسية والنفسية.

6)         المدرسة ذات المتطلبات المرتفعة والمرهقة.

7)         محيط السكن غير المتطابق مع حاجات النمو الإنساني.

8)         ظروف العمل التي تسودها علاقات تسلطية ولا تتيح فرصاً مناسبة للحرية والإبداع الفردي.

9)         جمود البنى الاجتماعية وعجزها عن المواكبة الثقافية لتطور الحياة.

10)     العلاقات الاجتماعية المهلهلة والمشحونة بالصراعات.

11) العزلة الاجتماعية والنفسية، بسبب البطالة والهجرة والظروف المادية السيئة   

    ولو حاولنا تحليل الشروط والعوامل المادية المتوفرة في المجتمع لوجدنا أن مجتمعنا يمتلك من الشروط المادية التي تشكل أساساً ملائماً للنهوض البيئي والنفسي والاجتماعي.

وعلى الرغم من أننا نمتلك في الوقت الراهن شروطاً مادية أفضل نسبياً من تلك التي كانت متوفرة للأجيال السابقة، إلا أننا نلاحظ أن الإحساس الجسدي والنفسي والاجتماعي لفئات واسعة من المجتمع ليس دائماً في حاله الأفضل.

فإشباع الحاجات المادية والمعنوية وتحقيق متطلبات الحياة ومواجهتها غالباً ما يكون باهظ الثمن، وينعكس تأثيره في أحيان كثيرة على شكل أعراض جسدية ونفسية واجتماعية.  وكما رأينا وسنرى لاحقاً في أماكن متعددة من هذا الكتاب، فإن الخلل في الصحة النفسية الذي يمكن أن يظهر على شكل أعراض من الاضطرابات النفسية والجسدية، والانحرافات والشذوذات الاجتماعية والسلوك المناهض للمجتمع ينجم من ناحية  عن الصعوبات التي يتعرض لها الناس في علاقتهم بالبيئة، وصعوبات التكيف مع متطلباتها وعدم توفر الوسائل والأساليب الفاعلة لمواجهة إرهاقاتها الحتمية وعدم توفر الخبرة في المواجهة، ومن ناحية أخرى تنجم عن علاقة الإنسان بنفسه، كالنقص في خبرة مشاعر التقبل والاعتراف من المحيط و النقص في احترام الذات وتقديرها من قبل الشخص نفسه.  وكل هذه تعد عوامل يحتاجها الإنسان  في جميع مراحله العمرية، وخصوصاً في الطفولة والمراهقة من أجل النمو السليم والمتوازن للصحة النفسية.

    ويتصف وضع  الحياة عند الأطفال والمراهقين والشباب والراشدين في المحيط الاجتماعي بتناقضات وتوترات فريدة من نوعها. فمن جهة يزداد الطموح الفردي نحو الاستقلالية والخصوصية واختيار نمط الحياة الملائم لطموحات الفرد وأهدافه أكثر مما هو في السابق بسبب الانفتاح الكبير على العالم وتطورات العولمة وثورة المعلومات من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن تحقيق طموحات الفرد وأهدافه لا يترافق في مجتمعاتنا مع تطور وبنفس القدر للعلاقات والروابط الاجتماعية والثقافية. لقد طرأت على حياة الناس ونمط حياتهم تبدلات جذرية في العقود الأخيرة. وتحمل تركيبة الأسرة العربية في طياتها الكثير من التناقضات التي تعتبر مصادر كامنة وصريحة للصراع المرهق والمضر بالصحة النفسية والجسمية والاجتماعية على السواء. وما تزال تركيبة الأسرة العربية متقلبة ومتبدلة ومتعلقة بالتطورات الاقتصادية والسياسية. ومن هنا فإنها  تتأرجح بين الاستبداد والتسلط والانفتاح والتحرر.فهي تحاول من جهة الحفاظ على الموروث كما هو وفي الوقت نفسه اتباع نمط حياة متأثر بالانفتاح والعولمة دون توفر الاستعداد لتحمل تبعات ونتائج هذا النمط ونقص المحاولات الجادة لحل الإشكالية الناجمة عن الجمود النسبي للبنى التقليدية.

ومما لاشك فيه أن العلاقة بين ظروف الحياة الاجتماعية والمادية والأضرار في الصحة النفسية علاقة تفاعلية. فمن المؤكد اليوم أن عوامل الإرهاق والضغط القادمة من المحيط الاجتماعي والبيئي يمكن لها أن تلحق الضرر بجهاز المناعة الجسدي والنفسي بشكل مباشر أو غير مباشر.

    ومن هنا فإن ظروف الحياة الراهنة تحمل في طياتها أشكالاً جديدة من الإرهاق والمخاطر والمعاناة وعدم الاستقرار التي تتجاوز إمكانات المواجهة عند الأفراد بدءاً من الطفولة وانتهاء بالشيخوخة المتأخرة.  فإذا فهمنا الصحة النفسية على أنها حالة من الإحساس الذاتي والموضوعي للشخص، وأنها حالة من التوازن  بين البيئة والجسد والذات، أي بين متطلبات البيئة المادية والاجتماعية وتحدياتها  وبين إمكانات الشخص الجسدية والنفسية والاجتماعية، فإننا سرعان ما سنكتشف أن تحقيق الصحة النفسية معرض للخطر باستمرار، وأن دور الإنسان أن يكون فاعلاً في بناء الصحة منمياً لموارده وكفاءاته الذاتية وموازناً بين عوامل الخطر والإرهاق. وعندما يكون هناك نقص في الكفاءات الذاتية وموارد المواجهة وأنماط مرنة من التكيف فإن احتمالات تضرر الصحة النفسية تكون كبيرة.

     وكلما ازدادت العوامل القادمة من المحيط الاجتماعي والبيئة التي تحمل في طياتها بذور الضغط والإرهاق وعدم التوازن، ازدادت قدرات المواجهة والتكيف تشتتاً، بحيث تصبح الجهود التي يبذلها الفرد غير كافية. عندئذ تتسم ردود أفعال الفرد باللاتوازن واستخدام وسائل دفاع غير ناضجة وتتضاعف احتمالات الانحراف والتضرر في الجوانب المختلفة للصحة النفسية.

من الممكن للتأثيرات الضارة بالصحة النفسية أن تمارس تأثيرها بصورة كامنة لسنوات عديدة، بحيث أن النتائج لا تظهر مباشرة وإنما تظهر بعد سنوات طويلة، ومن هنا فإنه يصعب في كثير من الأحيان تقدير مدى خطورة التأثيرات الضارة بالصحة وتقدير شدة الإرهاقات الناجمة عن هذه التضررات في مرحلة ما من المراحل العمرية وخصوصاً عند الأطفال.

إن السؤال الذي يمكن أن يطرح حول مدى تأثير المشكلات والصراعات بين الوالدين والطفل أو بين الوالدين نفسيهما، وتأثير النقص في الاعتراف بالأطفال وتقبلهم سواء من قبل الأسرة أم من قبل المجموعات العمرية التي ينتمون إليها، وتأثير أزمات التوجه الأخلاقية والقيمية وصعوبات الإنجاز المدرسية وإمكانات النمو الحركي غير الكافية والتغذية غير الصحيحة وتأثيرات المواد الضارة القادمة من الأرض والجو والماء…الخ، لا يمكن الإجابة عنه إلا بعد أن يجتاز الطفل والمراهق المرحلة العمرية الراهنة. ففي مرحلة الطفولة والمراهقة تتحدد الكثير من العوامل التي يمكن أن تلحق الأذى بالصحة النفسية وتترسخ تباشير الأضرار الممكنة اللاحقة فيما بعد.

والإرهاقات الجسدية والنفسية والاجتماعية الناتجة عن مثل هذه "المخاطر" لا تتحول طبعاً بشكل آلي إلى أعراض إلى أعراض مرضية وتضررات في الصحة النفسية. فالإنسان يمتلك مصادر من الموارد أو الاحتياطات، منها ما هي موارد ذاتية، ومنها ما هو مستمد من الدعم والمساندة التي يقدمها المحيط الاجتماعي للإنسان، تحدد بدورها مدى "تأثير" عوامل الخطر.

وعملية التوفيق والتوازن بين أشكال الضغط والتوتر النابعة من المحيط والذات ترتبط بمدى توفر كفايات ومهارات محددة، وهذه الكفايات تدخل ضمن إطار ما يسمى بأنماط المواجهة Coping Style.

    ويكتسب كل فرد عبر تطوره ونموه وبتأثير عوامل التربية والتنشئة الاجتماعية والمؤثرات الداخلية والخارجية نمطاً أو نموذجاً خاصاً في التعامل مع عوامل الإرهاق والضغط والمؤثرات السلبية على الصحة النفسية في مواقف الحياة المختلفة. أما قدرات التعامل الفاعل مع الإرهاقات ومصادرها والعوامل المعيقة لتنمية الصحة فهو أمر متعلق بسمات الشخصية والخصائص النفسية كتقدير الذات وقناعات الضبط Locos of Control وعزو الأسباب وتفسيرها واتجاهات الفرد.

    فاستقرار قيمة الذات والتماهي المستقر وثقة الإنسان بقدرته على حل المشكلات التي تواجهه تعد من الشروط المناسبة في التعامل الناجح مع الإرهاق وبالتالي من شروط تحقيق الصحة النفسية.

من جهة أخرى تحدد البيئة الشروط الأولية لعملية النمو النفسي والجسدي الاجتماعي للفرد. وعندما تغلب التأثيرات السلبية في البيئة فإنه يصعب تجنب ظهور الاضطرابات النفسية والسلوكية وشذوذات السلوك حتى لو توفرت للإنسان الشروط الشخصية المناسبة والملائمة