18.الألــــــم

 

داغمار برويكر و شتيفان مولِغ وفرانس بيترمان

Dagmar Breuker, Stepphan Muehlig &

 Franz Petermann

ترجمة الدكتور سامر جميل رضوان

                               

1. مدخل

لابد لكل محاولة لوصف الألم بصورة شاملة وموضوعية من أن تواجه صعوبات من خلال العلاقة المتبادلة بين الشعور الحسي والتفسير والتقييم المعرفيين والمعاني المختلفة لمشاعر الألم. وتتأثر هذه التأثيرات المتبادلة ضمن أشياء أخرى بسيرورات التعلم والخبرات القبلية ومستوى النمو المعرفي.

وتتعلق أهمية الألم المحسوس بالسياق والزمن. فالألم الحاد يمتلك وظيفة  إنذار وحماية بيولوجية: إذ يتم تبليغ الجسد بالإحساس بمثير ضار؛  وكاستجابة Reaction حماية لابد من مواجهة مصدر الألم أو العناية بالأجزاء المصابة من الجسد. ويمكن إيضاح وظيفة الحماية هذه من خلال مثال بسيط: فعندما يلمس الطفل المدفأة المشتعلة يشعر بالألم  فيسحب يده بطريقة انعكاسية.

غير أن هذه الوظيفة غير موجودة في الألم المزمن أو المتكرر الظهور  ذلك أن أسباب الألم ، كالمرض المزمن مثلا غير قابلة للإزالة ويتحول الألم المزمن إلى معاناة تمتلك قيمة مرضية، وحينئذ نتحدث عن مرض الألم ،  وعلى الرغم من تعقد الموضوع فقد أمكن حتى اليوم وضع تعريف مستخدم حتى الآن ومقبول عموما:  ((الألم عبارة عن  خبرة غير مقبولة من المشاعر والأحاسيس ،  مرتبطة بتضرر حاد أو كامن في النسيج الحي أو يمكن وصفه من خلال مفاهيم مثل هذا التضرر))(ISAP, 1979) . ويشير هذا التعريف من جهة إلى أن الألم   عبارة عن خبرة إحساس جسدية بدون وجود  تضررات قابلة للبرهان في النسيج الحي أيضاً،  و يستند هذا إلى متلازمات الألم التي يعاني منها الأطفال والتي لا يمكن إيجاد أسباب جسدية لها، ويتضمن هذا التعريف من جهة أخرى ارتباط الألم بصورة وثيقة مع الانفعالات . فالألم لا يدرك كمثير ضار فحسب وإنما غالبا ما يعاش مع انفعالات سلبية .

 ويحمل التعريف مظهرين  مهمين بالنسبة لدراسة الألم: فهو لا يفرق بين الألم الحاد والمزمن ويشير إلى خبرة الألم  الانفعالية فقط. ولا تؤخذ التأثيرات على السلوك بعين الاعتبار . ويوضح الشرح حتى الآن أنه من المهم من أجل الفهم الشامل للظاهرة ينبغي الأخذ بعين الاعتبار المجموعة التالية من المظاهر وأن ينظر إليها ككل متكامل:

  n  الإدراك الجسدي الحسي

  n  التفسير المعرفي والتقييم

  n  الخبرة الانفعالية

  n  السلوك الناجم عن ذلك

وقد عولج الألم لفترة طويلة من وجهات النظر الطبية فقط،  حيث ساد الاهتمام بتحليل تضررات النسج الحية ومعالجتها. غير أن هذا العلاج السببي غير فعال إلاّ بالنسبة للآلام الحادة والمرتبطة بالإصابات فقط،  أما بالنسبة للآلام المزمنة والتي لا يمكن إثبات وجود تضررات عضوية مسببة لها إلى حد ما فإن المعالجات الطبية الخالصة لا تلقى إلا القليل من النجاح.

وتحظى نماذج التفسير والمعالجة التي تراعي عوامل مختلفة بالاهتمام المتزايد. وتذهب النماذج الاجتماعية - البيولوجية  إلى أن الألم عبارة عن استجابة  على مستويات عدة تلعب فيها العوامل النفسية والجسدية  التالية دورا:

-الاستجابة Reaction الذاتي - اللفظي للألم: ما يميز هذا المستوى هو خبرة الألم،  إذ يتم إدراك مشاعر الألم وتقييمها وتفسيرها والتعبير

     عنها على سبيل المثال من خلال مقولات حول الشدة والآلام والأوجاع والبكاء

-الاستجابة Reaction السلوكية الحركية للألم: ويتم هنا تقييم الاستجابات مثل الحركات الانعكاسية والعضلية والتوتر والتشنج والإيماءات 

 والعرج ورعاية الجسد كتعبير حركي سلوكي عن الألم.

-   الاستجابات العضوية الفيزيزلوجية  للألم: ولا تكون الاستجابات على هذا المستوى قابلة للملاحظة، غير أنه يمكن قياسها بوساطة الأدوات. ويدخل في عداد ذلك الإثارات المؤلمة لمسارات الأعصاب والمستقبلات وتحرير مواد مسكنة ومثيرة للألم من قبل الجسد.

 

 

 

 

ويفترض ألاّ تشترك بالضرورة كل المستويات في استجابة  ألم خاصة؛  إذ يمكن وجود استجابة  ألم فيزيولوجية -  عضوي بدون أن يستجيب الطفل بصورة غير قابلة للملاحظة بالنسبة للملاحظ الخارجي.

وتتم مراعاة المظاهر الموصوفة حتى الآن لظاهرة الألم في التصنيف المرضي والتصنيف لمتلازمات الألم المختلفة.

 

 

 

 

2.- التصنيف والتصنيف المرضي

يعتبر الوصف الدقيق والتصنيف المنهجي لظواهر الألم  ضروري لإجراء الدراسات المضبوطة القابلة للإعادة من جهة ولطرح الاستطباب وتخطيط المعالجة المبررين. ويلاحظ وجود فروق تشخيصية كبيرة  وخصوصا عند الأطفال الصغار الذين لا يستطيعون التعبير عن خبرات ألمهم بصورة لفظية، لا يمكن إزالتها إلا من خلال  منظومات وصف ناجحة.

ويمكن لتصنيف الألم  أن يتم وفق معايير مختلفة جدا،  كما ويمكن تصنيف الألم وفق ثلاثة أنواع أساسية منه.

- الآلام الحادة:  وغالبا ما تكون قابلة للتحديد الموضوعي ومثارة من خلال سبب قابل   للتحديد (مرتبط بتضرر في النسج كالإصابة في التدخلات الطبية المؤلمة)  وذات مدة زمنية محدودة (نادرا ما تطول أكثر من شهر  واحد) وقابلة للمعالجة سببيا في العادة. وغالبا ما تقتصر العواقب النفسية للآلام الحادة على الخبرة العابرة للقلق والإرهاق.

- الآلام الانتكاسية المتواترة: وهي الآلام المتكررة بصورة منتظمة (كالشقيقة وآلام الظهر والبطن) وتمتلك منشأ غير واضح وتظهر بدون وجود تضرر عضوي قابل للتحديد على شكل أطوار  وباختلاف في التواتر والمدة والشدة. ولا يعاني المعنيون في الفترات الزمنية الواقعة بين هذه الأطوار من أية آلام و يكونون  أصحاء كلياً. وغالبا ما تكون الآلام الانتكاسية  صعبة الموضعة وظهورها غير قابل للتنبؤ ويغلب أن تعالج بصورة عرضية  ولا يمكن تحديد مثيرات طور الألم فيها بوضوح،  إذ يمكن أن تدخل في الحسبان عوامل اجتماعية  (أحداث حياتية حرجة،  مواقف إرهاق في الأسرة والمدرسة)  وعوامل خارجية  كتأثيرات الطقس والأغذية والمسليات)  وعوامل شخصية (الانفعالات،  المزاج،  المعرفيات).

- الآلام المزمنة:  وتظهر كنتيجة  لإصابات عضوية دائمة (حوادث،  احتراق)  أو لمتضررات في النسج الحية نتيجة لمرض أساسي مزمن (التهاب المفاصل المزمن،  الناعور، التهاب الألم العصبي Neuralgia، سرطان). وغالبا ما تكون قابلة للتحديد من الناحية النشوئية بوضوح ويستطيع المرضى موضعتها (تحديد مكانها بدقة) بوضوح وتقدير التأرجح في شدتها. أما المنشأ الفيزيولوجي لحالات الألم المزمنة فهو غير معروف إلى حد كبير ويتحدث المرء عن آلام مزمنة، إذا ما امتدت إلى أبعد من وقت الشفاء المتوقع أو أكثر من ستة أشهر. وفي البلدان الغربية يعاني أكثر من 25% من السكان من آلام مزمنة. وغالبا ما تكون العواقب الاجتماعية بالنسبة للأطفال المعنيين (كالتغيب عن المدرسة والحد من حرية النشاطات والمشكلات الأسرية والعزلة ولاستبعاد الاجتماعي)  عواقب جذرية. ويغلب أن يكون ضغط المعاناة متطرفا وليس من المستبعد أن يستقر العجز واليأس والاكتئاب في ظواهر نفسية مرضية(اكتئابات،  قلق معمم،  أرق،  فقدان الشهية،  سوء استخدام الأدوية) ،  وكل مريض من خمسة يقوم على الأقل بمحاولة انتحار واحدة. وتتعلق إمكانية المعالجة بالاضطراب الأساسي المعني؛  ففي حالة الأمراض المزمنة لا يمكن إزالة هذا الألم سببيا الأمر الذي يستدعي معالجتها  عرضيا.

في علم التصنيف وفق الأجناس   Taxonomy غالبا ما يتم تقسيم الآلام وفق مصادر الألم العضوية أو وفق المظاهر النشوئية المرضية. ويفرق تصنيف عام شائع  بين:

- الألم المؤذي Nozizeptive: وهو الألم الحاصل نتيجة لمتضررات (خارجية)  في النسيج الحي (كالجراح والرضوض مثلا).

- الألم العميق  Viszeraliszeral:  وهو عبارة عن ألم في الأعضاء الداخلية (كآلام البطن ونوبات المغص).

- الألم الناجم عن تضررات في الأعصاب  كالألم العصبي Neuralgia   وانضغاط الأعصاب والآلام الوهمية).

أما الجمعية العالمية لدراسة الألم International Association for the Study of Pain   والتي يرمز لها اختصارا IASP   فقد وضعت  في تصنيفها لحالات الألم المزمنة منهجية

- ألم تفريقية تشتمل وصفيا على 300  متلازمة من الألم  وشـفّرت المحاور بصورة متعددة المحاور  وفق التموضع ومجال الوظائف المصاب وسمات الوقت والشدة والمدة والمنشأ المرضي . إلاّ  أن بؤرة هذا التصنيف  Taxonomyتتمركز على المظاهر الجسدية لسيرورة الألم وتراعي السمات النفسية والاجتماعية  بصورة عارضة وثانوية فقط في سياق صور الاضطرابات النفسية. وما يشبه ذلك ينطبق على الدي أس أم الرابع DSM-IV و الآي سي دي العاشر ICD-10. وبهذا تبقى هذه التصنيفات أسيرة تصور المرض الآلي التقليدي وتخفض حدث الألم إلى وجهه الجسدي. وبالتالي لا تلقى تعددية الأبعاد لظاهرة الألم (المركبات الفيزيولوجية والمعرفية والوجدانية والحركية والاجتماعية إلاّ القليل من المراعاة. وبما أنها  لم تعد اليوم تتلاءم مع التصورات المنهجية الراهنة للألم فإنها ذات فائدة محدودة بالنسبة  لمعالجة الألم ذو الاتجاه متعدد العوامل الذي يراعي الأبعاد المختلفة لحدث الألم  ويغيرها بصورة هادفة.

 

وقد قام كلينغر وآخرون (Klinger et al.) وللمرة الأولى بوضع تصويرة تصنيف للوصف المعياري لمتلازمات الألم، تقوم على فهم اجتماعي بيولوجي للألم تتألف من:

 n تصويرة التصنيف متعدد المحاور للألم Multi axonal Pain classification  التي يرمز لها  اختصارا (ماسك (MASK وتتألف من جزء جسدي ويرمز لها  ماسك -ج  وجزء نفسي اجتماعي  جديد (ماسك- ن) . ويشــفّر الماسك الجسدي المظاهر الجسدية لإشكالية الألم بصورة شبيهة بمنظومة  ISPA  وفق تموضع ومدة وتكرار وشدة الألم والمجال الوظيفي المصاب والعوامل النشوئية...الخ. ويعكس الجزء الاجتماعي النفسي الجديد المظاهر النفسية والاجتماعية استنادا إلى النشوء  واستمرار وعواقب الآلام المزمنة بصورة ضمنية، مثل:  التضررات النفسية المتمركزة على الألم ،  والسمات الخاصة بالشخص والتي تكبح أو تنمي مواجهة الألم والمجهدات والعوامل الاجتماعية التي تؤثر على الألم (جدول  1). وبهذا تتوفر منظومة تصنيف عملية تسمح باستطباب وتخطيط  تفريقيين للمعالجة  من أجل  مبدأ معالجة تكاملي،  أي من أجل تنظيم مؤسس بصورة منطقية  للتأثيرات الطبية منفردة  و الطبية السلوكية  في متلازمات ألم خاصة.

 

جدول  (1): التصنيف متعدد المحاور للألمMASK-P

مستويات سلوكية حركية

*  شذوذات سلوكية

                                * سلوك ألم لفظي\ غير لفظي

                                * تجنب النشاطات الجسدية

                                * تجنب النشاطات الاجتماعية

                                * سلوك تحمل

مستويات انفعالية

مزاج حزين- مكتئب

                                * غضب،  توتر،  قلق

                                * عدم استقرار داخلي

                                *  عدم استقرار مزاجي

                                * نقص في التعبير الانفعالي

 المستوى المعرفي

·        اليأس والعجز\ الاستسلام

·        تضخيم كارثي(تهويل) معمم

·        نقص في إدراك الحوادث الجسدي

·        تهوين الأعراض  الجسدية

·        انتباه ذاتي واضح متمركز على الجسد

·        نموذج المرض الجسدي

·         توقعات غير واقعية من هدف المعالجة

مرهقاتStressors

·        مشكلات اجتماعية(الأهل، الأخوة، الأصدقاء)

·        إرهاقات من خلال المشكلات الصحية والاجتماعية

·        إرهاقات في مجال وقت الفراغ     

سمات شخصية اعتيادية

·        تحميل الذات فوق طاقتها

·        نقص في الكفاءات الاجتماعية

·        عجز في قيمة الذات

·        تضررات قيمية ومعايير جامدة

·        نقص في التعبير عن الذات

التصنيف وفق الآي سي دي العاشر ICD-10

و الدي أس أم الرابع DSM-IV

يمكن طرح تشخيص إضافي

 

 

ولا توجد حتى الآن منظومات تصنيف خاصة بالنسبة للألم  في صيغة مفصلة في طب الأطفال. وقد اقترح لابوفي وأخرين (Labouvie et al.)  تعديل تصويرة الماسك  وفق سن الطفولة واليفوع،  ويرى كل من فارني  وروس  أنه ينبغي للجزء الجسدي أن يضم فئات لمتلازمات الألم الخاصة وأمراض سن الطفولة واليفوع وفق سبب الألم (قارن جدول  2) ،  وينبغي للبعد  النفسي الاجتماعي أن يوسع ليشمل العوامل التالية:

- المظاهر النفسية النمائية والمرتبطة بالنضج لحدث الألم: السن،  مستوى النمو المعرفي ، مفهوم الألم ‘  عزو الأسباب والخبرات المسببة للألم؛

- مواقف الإرهاق المتعلقة بالطفل:  الأسرة،  المدرسة \ رياض الأطفال مجموعات الأتراب؛

-  كفاءات المواجهة  المتناسبة مع السن: تنظيم انفعالي،  كفاءة ذاتية،  السيطرة على الألم،  الاستعلام، تقييم الألم

- عوامل السياق الأسرية والاجتماعية الخاصة:  التعلم وفق النموذج،  مؤثرات تعزيز،  سلوك الدعم الأسري،  تاريخ المرض الأسري ،  متطلبات وتوقعات اجتماعية.

 

جدول  (2):  فئات الألم الطفولي

الأمراض المزمنة

·        التهاب المفاصل

·        الربو

·        السرطان

·        السرطان

·        السكري

·         اضطرابات الوقوف

* إصابات جسدية

·        حروق

·        جرح في اللحم

·        كسور

·         تجمد

* إجراءات تدخلية

·        عمليات جراحية

·        حقن\ خزع

·        قسطرة

·        * قلع الأسنان

* منشأ جسدي غير واضح

·        شقيقة

·        ألم رأس توتري

·        * آلام بطن ذاتية انتكاسية

* أوجاع متعلقة بالنمو

·        أسنان

·        آلام نمو\ آلام أعضاء

·         أمراض أطفال

 

3. الأسس

1- الفيزيولوجيا النمائية

تشتمل المنظومة العصبية لتمثل الألم  عند الإنسان على تأثير معقد للبنى العصبية والفيزيوعصبية والبيوكيميائية. ففي كل أعضاء العضوية الإنسانية توجد ما تسمى ((بمستقبلات الألم)) Nociceptors  بصورة مختلفة الكثافة والتي هي عبارة عن نهايات عصبية (مستقبلات محيطية)،  تستجيب إلى المؤثرات الآلية  أوالحرارية أو الكيماوية التي تلغ شدة عالية (ضارة). وتتعدل قابلية هذه المستقبلات للإثارة (القابلية للاستجابة Reagibility)  من قبل مواد بيوكيماوية (وسائط داخلية المنشأ كالسيروتونين ،  المادة P)*[1]التي تتحرر عند إصابات بنى الخلايا. ويمكن لهذه المواد الألمية elegatical Substance  أن تصدر  المـؤلِمات   Nociception   بصورة مباشرة أو تخفض من موجة المثير لمستقبلات الألم. ويتم تحويل الدفقات الحسية للألم في الجهاز العصبي المحيطي من خلال ألياف عصبية خاصة (ألياف دلتا و   ألياف C  اللانخاعية A- Delta and unmyeline c- Fibre    إلى  القرون الخلفية للنخاع الشوكي. وهنا توصل ألياف دلتا ِA   ما يسمى بالألم الأول المميز للألم الحاد (واضح،  واخز،  متموضع يهدأ بصورة سريعة نسبيا) ،  في حين أن ألياف - C    تثير الألم الثاني  المهم بالنسبة لحالات الألم المزمنة (عميق وصعب الموضعة،  يهدأ بصورة بطيئة. و تنتقل دفعة الألم على المستوى الشوكي (النخاع الشوكي)  بمساعدة النواقل العصبية من الجهاز العصبي المحيطي إلى الجهاز العصبي المركزي وفي أثناء ذلك تثار استجابات انعكاسية حركية في الوقت نفسه(منحنى الألم) . ومن خلال مسارات ألم  خاصة  يتم التحويل إلى الدماغ حيث تصل دفعة الألم خلال بضع من جزء من مئة من الثانية بعد التأثير الخارجي إلى المهاد (التالاموس) . وهناك يتم  تجميع كل مثيرات المحيط وتحويلها إلى باقي الدماغ("محطة التوزيع") وفي حالة الضرورة استثارة استجابة  هجوم أو هروب. وهناك القليل من المعرفة حول التمثيل العصبي المركزي للألم. فعلى العكس من منظومات الحس الأخرى لا يوجد "مركز ألم" قشري وإنما هناك بنى وظيفية عصبية وتشريحية عصبية مختلفة كليا تسهم في هذه السيرورة المعقدة منها:

- جذع الدماغ (تنظيم العمليات الإعاشية كالتنفس والدورة الدموية)

- منظومة الغدة النخامية - الهيبوتالاموس (تنظيم المنظومة الغدية،  طرح الهرمونات والإندروفين)

- التشكل الشبكي (توجيه الانتباه ،  استجابات التوجه)

- الجهاز اللمبي ("مركز المشاعر" ، المركبات الانفعالية لخبرة الألم ، نوعية الألم)

- اللحاء الجديد Noecortex · (وعي الألم،  الموضعة،  التفسير والتقييم،  توجيه التصرفات).

وعند إثارة الألم تبدأ في الدماغ سيرورة تنظيم معاكس تعدل تمثل مثيرات الألم من خلال آليات مسكنة داخلية المنشأ، وذلك من خلال تخفيض تحرير المواد المثيرة في الجهاز العصبي المحيطي أو رفع المواد الكابحة على سبيل المثال. وعند باحات دماغية محددة (في الدماغ الأوسط)  تتحرر مواد بيوكيماوية (كالإندروفين Endorphin)·· ،  وهذه تنشط مسارات عصبية هابطة  تصل إشاراتها الكهربائية إلى النخاع الشوكي (كف هابط في النخاع الشوكي). وهناك يتم تحرير مواد أخرى في المشابك العصبية كالسيروتونين)،  التي تكف من جهتها تحرير مواد ناقلة للألم (المادة   مثلا). ومن خلال ذلك يتم كبح نشاط عصبونات القرينات الخلفية المسؤولة عن توصيل الألم في النخاع الشوكي. وفي الوقت نفسه تتم مواصلة تحرير الإندروقينات في الدماغ التي تخفض بصورة إضافية من نقل الألم.

وحتى المواليد الجدد بل وحتى الأجنة  يمتلكون الشروط  الفيزيوعصبية لخبرة الألم.

وتنضج المركبات التشريحية والوظيفية والكيماوية العصبية المختلفة لمنظومة الألم في أثناء التنشؤ الإنساني وبسرعات مختلفة وتكون عند الولادة  مكتملة بصورة كافية من أجل الإدراك التفريقي للألم.

 كما وتتطور القدرة على تذكر مثيرات الألم قبل الولادة على ما يبدو،  إذ أثبتت دراسات حديثة وجود ذاكرة ألم ووعي بدائي له عند المواليد الجدد والأجنة. أما لدى الأطفال الأكبر سنا والراشدين فترتبط استجابات الإرهاق السلوكية والفيزيولوجية ،القابلة للقياس ، على مثيرات الألم بوضوح مع خبرة الألم الذاتية. وعلى الرغم من أن السؤال عن النوعية الذاتية لخبرة الألم عند الأطفال في مرحلة ما قبل  التعبير اللغوي تبقى في النهاية بدون إجابة ،  فليس هناك من شك  قائم منطقيا  من أن الأشكال  المتطابقة من التعبير في الفيزيولوجيا والسلوك تمثل خبرة ألم داخلية قابلة للمقارنة.

 

2-  علم النفس النمائي

يكتسب الأطفال مع النمو المتقدم باطراد القدرة على تحديد وتقييم ظواهر الألم بصورة استعرافية cognitive    والتواصل حول ذلك بصورة واضحة. وغالبا ما يستخدمون في سن العشرين شهر مصطلحات لفظية للألم. ويستطيع الأطفال في سن ما قبل المدرسة التمييز بين شدات مختلفة من الألم بمساعدة سلالم متناسبة مع السن. و بوساطة وسائل القياس هذه أمكن إثبات أن انتشار وشدة الآلام في أمراض مختلفة قلما تختلف بين الأطفال والراشدين. ويخضع إدراك وتقييم خبرات الألم في مجرى النمو المعرفي إلى تغيرات شديدة وحتى أن مثير الألم نفسه(كالبزل الوريدي مثلا) يفسر من الأطفال الصغار جدا بأنه أشد تهديدا وكثافة على سبيل المقارنة. وبالمقابل فإن الأطفال  الأكبر سنا لا يبدون ميلا للتقييم المرتفع للألم مقارنة بالراشدين. ويتعرف الأطفال في مجرى نموهم إلى طيف واسع من الآلام المختلفة التي تتغاير وفق  الشدة والتموضع والانتشار والمدة والنوع ودرجة الإحساس بالتوعك والنوعية الحسية والمركبات الانفعالية وإمكانات التخفيف. وهنا يفسرون ويقيمون شدة ودرجة إرهاق كل خبرة ألم على أساس خبراتهم الراهنة مع الألم وبهذه الطريقة ينمّون  منظومة استناد استعرافية   لإدراكات الألم (تصويرة ألم)يصنفون

ويقيمون بمساعدتها الألم الجديد والتي تتعدل وتتوسع هي ذاتها(تصويرة الألم)  مع كل خبرة جديدة من الألم. وعلى أساس خبراتهم مع  الألم يطور الأطفال  تصورات خاصة حول أسبابه، وتنحرف هذه التصورات الذاتية  عند الأطفال الأصغر سنا بالتحديد عن نماذج التفسير الطبية . ومع تطور قدرات التفكير والتصور المجردين تصبح نماذج التفكير أكثر تمايزا. وتبرهن دراسات تجريبية على أنه مع التقدم في العمر يحل الفهم المجرد للألم محل الوصف الملموس. وبناء على النموذج  النمائي المتعدد الطبقات لبياجية تم سؤال أطفال ويافعين أصحاء عن تصوراتهم حول الألم وأسبابه وتأثيراته واشتق من إجاباتهم النمو ((الطبيعي)) لتصور الألم. وبناء على ذلك يمكن القول أن الأطفال بين سن الثانية والرابعة  يمتلكون تصورات أقرب للسحرية،  فهم يصنفون الألم وكأن ((شيئا ما يؤلمهم)) والأسباب - إذا ذكرت - فإنها تكون موجودة خارج الجسد. فالألم عبارة عن خبرة جسدية يعيشها الأطفال  عند الإصابة مثلاً. وبين السنة الرابعة والسابعة  من الحياة يبدأ الأطفال التمييز بين شدات مختلفة من الألم، ففي هذه السن ينمون تصوراتهم الأخلاقية حيث يعتبر الألم على الغالب وكأنه عقوبة. ومع التقدم في النمو باتجاه عمليات التفكير المنطقية الملموسة  ينمو التفهم للعلاقات الكائنة بين الإصابة والمرض والألم،  فيبدأ الأطفال بين سن السابعة والحادية عشرة في التمييز بين الأسباب الخارجية والتأثيرات الداخلية. فالألم يمكن أن يحدث بسبب الإصابات والأمراض ويغير من العمليات الجسدية الداخلية (‎(الطبيعية)). ولأن الأطفال في هذه السن مايزالون يفتقدون إلى  تصورات ملموسة حول السيرورات الفيزيولوجية، فإنهم يستخدمون استعارات مجازية لوصف الأسباب والتأثيرات الداخلية لآلامهم. وبدءا من سن الحادية عشرة تتشكل المقدرة على التفكير المنطقي الشكلي  وهنا يتم ذكر أسباب نفسية وجسدية للألم. ويمتلك الأطفال واليافعون فهما واضحا للعمليات الجسدية ويمكن تفسير أسباب الألم بطريقة عصبية\ فيزيولوجية . وقد أمكن إثبات هذا الارتباط بين السن والتعقيد في وصف الألم بصورة تجريبية (قارن شكل 3). إلاّ أنه من غير المعروف فيما إذا كانت المواجهة مع الألم المتكرر أو المستمر تؤثر على هذه السيرورة والكيفية التي تؤثر فيها. فحتى الآن تجري دراسات طولية على أطفال يعانون من أمراض ألم مزمنة .                                            

 

 

 

4.  نماذج نفسية لتفسير نشوء واستمرار الآلام المزمنة

تعتبر  خبرة الألم من   خبرات الحياة اليومية  العادية للطفل. فقد أسفرت ملاحظات السلوك المنهجية للعب الحر عند أطفال ما قبل السن المدرسية عن أنهم يعانون من الألم وذلك كل ثلاث ساعات على الأقل من خلال السقوط أو الصدم أو المشاجرات مع الأطفال الآخرين. ولابد لكل طفل تقريبا من أن يتعرض لحقن اللقاح على الأقل أو لإجراءات طبية أخرى مؤلمة،  وبعضهم يصاب بأمراض وإصابات جدية أو يمر بعمليات جراحية. ويذكر أن 87% من الأطفال الذين عولجوا في المستشفى  بسبب أمراض مختلفة قد عانوا في الساعات الأربع والعشرين الماضية من الآلام .

ويعتبر المرضى بأمراض مزمنة مرضى بالألم كذلك عندما    تحتل  الآلام المستمرة أو الانتكاسية مركز الصدارة لديهم. وبسبب عدم إمكانية الشفاء على الأغلب يحتل التخفيف من الأعراض والتعامل مع المرض مركز صدارة المعالجة.

تؤثر الآلام المستمرة أو الانتكاسية خلال أشهر أو سنوات على حياة الطفل،  وتصبح الحياة اليومية  محددة من خلال  الألم أي أن القيام بالأدوار الاجتماعية المختلفة (المدرسة، الأسرة ،  وقت الفراغ)  وتشكيل الحياة اليومية يتحددان من خلال الألم. وتطلق على مراجعة الطبيب وتناول الأدوية والإقامة في المستشفيات والمعالجات الفيزيائية الخارجية تسمية إدارة الألم ذلك أنها تهدف إلى تحقيق  التخفيف من الألم، ويستثنى من ذلك سلوك الألم    الذي يعتبر التعبير القابل للملاحظة للألم المعاش، ويدخل في عداد ذلك الإبلاغ اللفظي ووضعية الجسد والإيماءات وتقييدات الوظائف والإعاقات. بالإضافة إلى ذلك  يجمع الأطفال  الكثير من الخبرات الاجتماعية التي تميز خبرة ألمِهم وتعاملهم مع ذلك بصورة جوهرية:  إنهم يتعلمون من خلال الملاحظة الموجهة لأشخاص الإطار المرجعي المهمين كيف يتصرف "المرء"في مواقف الألم  (التعلم وفق النموذج) ويعززون أو يعاقبون من خلال هذه المواقف  على سلوك معين من الألم والمواجهة  (إشراط إجرائي)  أو يوجهون بصورة مباشرة (توصيل معرفي متسلسل للكيفية التي يمكنهم بها أن يتغلبوا على الألم. وفيما يلي سوف نقوم بعرض أهم النظريات حول نشوء واستمرار أمراض الألم المزمنة.

 

1- نموذج التعلم بالاستجابة Respondent

إذا ما تمت خبرة الألم أكثر من مرة  وكان مرتبطا مع مثير حيادي أي مع مثير غير مسبب للألم ، فإن هذا المثير الحيادي يمكن أن يتحول إلى مثير لخبرة الألم. والمثال التالي يوضح ذلك:  عندما يتم حقن الطفل أكثر من مرة،  فإنه يمكن أن يستجيب عند رؤية المريول الأبيض أو الحقنة بتعابير الألم والبكاء. وهذا الإشراط التقليدي لا يتم إلاّ إذا أثيرت أحاسيس ألم فعلا. ووفق نموذج التفسير هذا  يمكن للآلام المزمنة أن تنشأ على أساس من مشكلة ألم حاد فقط. غير أن هذا النموذج لا يستطيع تفسير التطور البطيء  لحالات الألم المزمنة بدون حدث ألم حاد،  كألم الظهر أو آلام البطن مجهولة السبب.

 

2- نموذج التعلم الإجرائي

تتمثل المقولة الرئيسية لهذا النموذج في أن احتمال ظهور سلوك معين يتحدد من خلال عواقبه. فإذا ما كانت عاقبة سلوك ما نتيجة إيجابية أو لم تظهر نتيجة سلبية (تعزيز إيجابي أو سلبي) ،  يرتفع احتمال  ظهور هذا السلوك ثانية. ويقول نموذج الألم الإجرائي: إن التعبير القابل للملاحظة عن الألم المعاش بدون وجود سبب عضوي ينشأ من خلال  آليات تعزيز. وقد أثبتت دراسات تجريبية  بأنه يمكن للأهل أن يعدلوا من تحمل الألم عند أطفالهم بصورة واضحة من خلال التعزيزات اللفظية المجردة. ويتعلم الطفل وفق فرضيات نموذج التعلم الإجرائي بأن شيء ما ((مرغوب)) سوف يحدث إذا ما عبر عن ألمه أو أنه يستطيع أن يحمي نفسه من مواقف جديدة أو مزعجة. ومن الممكن أن يبدأ الطفل باستخدام ألمه بصورة وسيلية ،  أي أنه يحاول من خلال التعبير عن الألم  تحقيق  أهداف مقيمة إيجابيا،  فالوالدان غالبا ما يستجيبان  لسلوك الألم عند أطفالهم بعدم الارتياح أو بانشغال خاص  ويميلون إلى تحريهم من وظائف أو مهمات غير مرغوبة (كالمدرسة أو الوظائف المنزلية)  و  وبقائهم في المنزل. ومن أجل مواجهة الألم عند أطفالهم  يستخدم مرضى الألم الراشدون  الآليات نفسها التي يستخدمونها هم،  ويحصل الأطفال من خلال ذلك على دور خاص يعزلهم على المدى البعيد عن أخوتهم و أترابهم،  فإذا ما شعرت الأسرة في النهاية  بأنها مرهقة وعاجزة  فإنه غالبا ما تخفف التقنيات الإجرائية لتخفيض  سلوك الألم  من العبء. فهي تمكن من تجاهل التعبير عن الألم بهدف إطفاء سلوك الألم عند الطفل. وبالنسبة للطفل يتحول عدم الاهتمام إلى عقاب في الغالب،  إذ أنه يحرم من الحب والاهتمام هنا. ولا يعزز هذا التعامل الأسري مع الآلام الأطفال في أثناء مواجهة الألم وبناء الاتصالات الاجتماعية ونشاطات وقت الفراغ وخبرة الكفاءة الذاتية. وهذا لا يمكن تحقيقه إلاّ  من خلال دعم الأطفال في مساعيهم لمواجهة الألم وعندما يخبر الأطفال الاهتمام بغض النظر عن ألمهم. أمّا نقاط انتقاد هذا النموذج فهي أنه يفترض وجود إشراطات باعتبارها  مُطفئات لسلوك الألم؛ ولا يراعي الأسباب الفيزيولوجية. فالمهم هنا هو السلوك القابل للملاحظة فقط ،  أما الأفكار والمواقف والانفعالات فإنها تهمل.

 

3-  التعلم وفق النموذج

يتعلم الأطفال سلوك الألم ضمن أشياء أخرى من خلال ملاحظة الأشخاص في محيطهم،  فهم يتعقبون بانتباه خبرات الألم وسلوكه واستراتيجيات المواجهة  عند والديهم وأخوتهم. وهم يتبنون تلك المظاهر في ذخيرة سلوكهم التي يتعرفون عليها على أنها ناجحة أو التي تعزز من قبل محيطهم. فقد وجد كل من هاربيل وبيترسون  وجود تطابقات بين سمات الألم التي يذكرها الأطفال (النوع والتكرار) وسلوك الألم القابل للملاحظة الذي يبديه أهلهم. ويصل هذا التأثير الأسري في نشوء واستمرار متلازمات الألم الطفلي  إلى حد أن  مشكلات الألم عند أفراد الأسرة الأكبر سنا يمكن أن تنتقل إلى الأطفال. وهنا يطور الأطفال من خلال التعلم وفق النموذج أعراض ألم شبيهة (وفق النوعية والتكرار والتموضع)  مثل أهلهم وأخوتهم. وقد برهن حدوث الألم الأسري أكثر من مرة بالنسبة لمجموعات  مزمنة من الألم أو انتكاسية. ففي((أسرة الألم))  هذه غالبا ما تتطور مشكلة الألم إلى نقطة حياة مركزية:  إذ يتحدد تنظيم الحياة اليومية ونشاطات الأسرة من خلال إشكالية الألم  بصورة أساسية؛ ويتم وصف الخبرات الانفعالية بمفاهيم متجـسدنة. وعلى الرغم من البراهين التجريبية لم يحظ مبدأ التعلم وفق النموذج إلاّ بالقليل من التأثير على الممارسة العيادية . وتستخدم أفلام النموذج لتحضير الأطفال على الآلام الحادة بصورة خاصة من خلال الإجراءات الطبية. ولا يمكن التوصل إلى مقولات حول التأثيرات الممكنة  للتعلم وفق النموذج بسبب النقص في الدراسات التجريبية.

 

4- نموذج  سلوكي معرفي في الألم

 يراعي هذا المبدأ العوامل المعرفية كالتوقعات والمواقف عند نشوء واستمرار حالات الألم المزمنة. ويفترض بأن مرضى الألم يمتلكون توقعات سلبية  فيما يتعلق بقدرتهم على التعامل مع الألم ومنطلق محاولات المعالجة والشدة المستقبلية لآلمهم وتحقيق رغبات الحياة. فالأفكار والانفعالات تدور حول التأثيرات السلبية للمرض والألم،  وبالتالي  لا يتم تطوير  استراتيجيات إيجابية في المواجهة ،  ويشعر المعنيون بأنه مسيطر عليهم من خلال ألمهم ومقيدون في حياتهم. ويمكن لمشاعر اليأس الناجمة عن ذلك أن تقود ضمن أشياء أخرى إلى السلبية وتعكرات المزاج الاكتئابية وارتفاع الحساسية للألم  وإلى صورة سلبية عن الذات. وقد أمكن برهان السيرورات المعرفية تجريبيا من خلال الدراسات على الراشدين. وتستخدم في الممارسة العيادية تقنيات معرفية لمواجهة الألم حتى مع  الأطفال واليافعين بصورة ناجحة. وتقود هذه التقنيات  إلى تعديل في تفسير وتقييم الألم  وترفع من تحمله. أما انتقادات هذا  النموذج فهي غياب الاستناد إلى نتائج ونظريات علم النفس المعرفي والمراعاة القليلة للاستجابات الفيزيولوجية ومظاهر السلوك.

 

5-   نموذج الإرهاق - النحيـــزة(الاستعداد)

يحاول هذا المبدأ مكاملة كل معارف الطب وعلم النفس. ويقوم على احتمال ارتباط نشوء واستمرار حالات الألم المزمنة بالعوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية ومن خلال تفاعلاتها المتبادلة. وفرضية هذا النموذج النفسي الاجتماعي البيولوجي،  هي أن كل إنسان يملك استعدادا لتنمية مرض ألم محدد. هذا الاستعداد  لا يتثبت على شكل مرض فقط إلاّ عندما  تتوفر العوامل التالية (الشكل 5):

- استعداد فيزيولوجي للاستجابة مع التغيرات في منظومة جسدية معينة: ويتألف هذا الاستعداد بموجة منخفضة من التنشيط لجهاز الألم. وهذا يعني  أن مشاعر الألم الحسية يمكن أن تثار حتى من خلال مثيرات ذات شدة منخفضة مثلا. ويقوم هذا الاستعداد على استعداد وراثي أو حدث صادم سابق أو على سيرورات تعلم اجتماعية .

-  تغيرات فيزيولوجية  تعاش كألم:  وتعتبر هذه الأنماط وتفسيرها أنماطا متكررة استجابية ويمكن قياسها موضوعيا (كتوتر العضلات من خلال التخطيط العضلي الكهربائي).

- أنماط متكررة من الاستجابة : وتثار من خلال مثيرات داخلية\ خارجية مقيتة (كالمحادثات العالية التوتر)  أو من خلال استجابات (التوقع -  الألم،  النقص في قناعات الضيط)  وتقود لسلوك الألم على المستويات الثلاثة المعروضة  سابقا.

- سيرورات تعلم وتعزيز (كالخوف من الألم من خلال الحركة؛  الاهتمام والانتباه عند التعبير عن الألم):  وهذه السيرورات تجعل الألم يستمر.

وقد طورت نماذج الإرهاق - النحيزة (الاستعداد) Diatheses- Stress- Model   لصور أمراض واضطرابات مختلفة. ومن خلال تأثير عوامل مختلفة  تشتق مجموعات تأثير تهدف على مستويات متعددة إلى تخفيض شدة الألم ورفع كفاءات المواجهة.

 

5.  حول منشأ أمراض الألم في سن الطفولة

لا توجد أرقام راهنة حول تكرار أمراض الألم عند الأطفال في ألمانيا(إبلاغ خطي لوزارة الصحة الإتحادية 1994). وهناك فقط معطيات حول أمراض الألم الخاصة القليلة في مجال طب الأطفال،  علما أنه يمكن تعميم معطيات أرقام الدراسات العالمية على  الظروف الألمانية مثل دراسة   ميرش   وبوثمان. وبناء على ذلك توجد معطيات مختلفة عن بعضها بصورة كبيرة  يمكنها  أن تقود القارئ  إلى التشتت. والأعداد المذكورة فيما يلي تساعد كقيم تقدير  وتهدف إلى إيضاح أن الأطفال المرضى بالألم ليسوا مجرد حالات فردية فحسب.

وتعتبر آلام البطن الانتكاسية من أغلب الآلام في مجال البطن والمعدة التي يراجع الأطفال الصغار جدا الطبيب  بسببها ،  وغالبا مالا يمكن عزو هذه الأسباب إلى أية أسباب جسدية واضحة. ومن هنا تطلق عليها أيضا تسمية  آلام البطن ذاتية المنشأ الانتكاسية. وتصل نتائج أمريكية إلى نتيجة أن 10-15% من الأطفال في  سن المدرسة  يمرون بمثل هذه الآلام،  وهنا يتوقع للأطفال بين سن 9- 12 أكثر الفئات معاناة من آلام البطن الانتكاسية. وتشكل آلام الصدر الانتكاسية  متلازمة ألم قليلة الانتشار  غير أنها  تعتبر متلازمة ألم مألوفة في طب الأطفال،  وتتعلق مدة الآلام وظهورها الزمني وظروفها النفسية والاجتماعية المرافقة بالنسبة الكامنة  بين الأسباب

النفسية والعضوية المنشأ،  ولا يمكن ذكر أرقام حول الانتشار بسبب النقص في الدراسات كما وأن  ما يشير إليه ليرش  وبوثمان  حول أرقام دراسة أمريكية ،  غير مرض من وجهة نظرنا  لأنه في هذه الدراسة قد أخذ  عدد مرضى مراكز إسعاف متخصصة بالأطفال منفردة كأساس لحسابات تكرار  الانتشار النسبي.

وتنشأ آلام جهاز الحركة  من خلال أمراض وتشوهات المفاصل مثل الروماتيزم في مرحلة الطفولة واليفوع والخلع المفصلي الولادي أو  الآلام الناجمة  عن أمراض وإصابات الحوادث ،  كالضمور العضلي العصبي والقدم القفداء الرضية. ولا توجد معطيات حول انتشار أمراض الألم هذه لأنه من النادر أن تكون مرتبطة بأمراض عصبية أو عظمية أو لغياب الدراسات الجائحية . ويعتبر التهاب المفاصل المزمن في الطفولة واليفوع من أكثر صور الأمراض الموصوفة تكرارا والمرتبط بألم مزمن في المفاصل. وتقع تحت هذا المصطلح أمراض روماتيزمية -  التهابية مختلفة،  تختلف بصورة خاصة عن بعضها من خلال عدد المفاصل المصابة. ويحتمل أن يعاني في ألمانيا  بين 3000-5000 طفل من التهاب المفاصل(. ويمكن للعرض الشامل لكل ظواهر الألم الحادة والانتكاسية والمزمنة في سن الطفولة أن يتجاوز إطار هذا الفصل.

وتختلف ظواهر الألم من الناحية النشوئية ومن ناحية مداخلها العلاجية، الأمر الذي يقود إلى أن يكون العرض المفصل لهذه الظواهر على حساب النوعية. وتتوفر في مراجع أخرى عروض مفصلة للمبادئ النفسية لتخفيض الألم والقلق في الألم الحاد (الإجراءات الطبية العدوانية ومعالجة الأسنان)، في حين أن الأساس العلمي لبعض متلازمات الألم المزمنة عند الأطفال (كالتهاب المفاصل المزمن والناعور)  وإمكانات معالجتها النفسية أقرب لأن تكون قليلة. ومن هنا قررنا اختيار متلازمة من متلازمات الألم المميزة لسن الطفولة واليفوع وعرضها بصورة مثالية.

يعتبر   الصــــداع المتكرر من أكثر أمراض الألم المشخصة والمدروسة بصورة جوهرية  في سن الطفولة. ولهذا السبب سوف نقوم فيما يلي  بعرض مفصل للصداع عند الأطفال من منظور بيولوجي اجتماعي  نفسي، أي من ناحية التصنيف المرضي والفيزيولوجيا المرضية والتشخيص ومبادئ المعالجة الطبية والسلوكية.

 

6.  الصداع عند الأطفال: (الشقيقة والصداع التوتري)

1-  التصنيف والتصنيف المرضي

يمكن للصداع أن يتسبب من خلال عوامل خارجية وداخلية  متنوعة كالإصابات  والصدمات (الحوادث المترافقة بارتجاج دماغي أو نزف داخل الجمجمة) أو التسممات (الأدوية و  الكحول و المنشطات و العقاقير) أو الأمراض العضوية المتنوعة (عدوى ،  سرطانات دماغية،  فرط التوتر ،  أمراض العمود الفقري وأمراض الأنف والأذن والرقبة). ولابد من التفريق هنا بين الصداع " الثانوي " هذه  من الناحية التصنيفية المرضية عن الصداع "الأساسي " أو"ذاتي المنشأ "غير الناجم عن اضطرابات عضوية أخرى ، والذي يشكل بحد ذاته  المرض. ووفق تصويرة تصنيف "الجمعية العالمية للصداع " International  Headache Society   والتي يرمز لها اختصارا HIS  يتم اليوم التفريق بين نمطين   رئيسين من الصداع الأساسي في سن الطفولة وهما: الشقيقة (الصداع الحركي الوعائي) و  الصداع التوتري. ولن نتعرض هنا إلى  ما يسمى بالصداع العنقودي  cluster- Headache   الذي يعد كالشقيقة  من متلازمات الصداع الوعائية(المرتبطة بالأوعية لأنه يندر أن   يظهر عند الأطفال.

 

الأعراض الجوهرية للشقيقة (العيادية)

1.              مجرى على شكل نوبات مع فترات خالية من الألم

2.              المدة بين 0,5 حتى 3  ساعات (عند الأطفال)

3.              شكل نابض من الألم

4.              غثيان وإقياء

5.              مشاعر دوار

6.               فقدان شهية

7.     صداع أحادي الجانب على الأغلب،  يمكن أن يمتد خلال النوبة إلى الجانب  الآخر أو يغير الجهة

8.              شدة متوسطة من الألم حتى العالية

9.              تموضع الألم في مجال الجبهة أو الصدغين أو العيون أو في قفا الرأس

10.         فرط الحساسية للضوء أو الضجيج

11.         ارتفاع شدة الألم في عند حدوث إرهاق جسدي

12.         تحسن بعد النوم

13.         تكرار أسري

 

ويتم تقسيم الشقيقة إلى أشكال فرعية أخرى:

1) ما تسمى بالشقيقة البسيطة (بدون نسمة[2] Aura) ،  وتشكل أكثر أشكال الشقيقة ملاحظة في سن الطفولة،  وتتصف بصداع أحادي أو ثنائي الجانب يستمر ساعات عدة  غالبا ما يترافق مع غثيان و إقياء ودوار وتبدلات في المزاج وحساسية للضوء والضجيج.

2) الشقيقة التقليدية  المترافقة بنسمة وتقود بالإضافة إلى ما هو مذكو في النقطة السابقة إلى أعراض انعكاسية عصبية مرافقة تستمر  بين 20-40 دقيقة  (اضطرابات في اللغة والرؤية أو اضطراب في الأحاسيس أو التوازن) تسبق نوبة الألم الفعلية بساعة على الأكثر (طور الإنذار) وتختفي مع بدء  الصداع . ويمكن  لما يسمى بالنسمة البصرية أن تظهر على شكل ظواهر بصرية  كالوميض أو البقع  أو البرق أو الظلال أو الغشاوة  أو تقييد في محيط الرؤية أو العمى النصفي).

3) الشقيقة المركبة وتتميز بمجموعة من أعراض التعطل  العصبية الشديدة وهي نادرة الظهور. وتتميز بمجموعة من الأعراض تمتد من ازدواج الصور  والدوار واضطرابات اللغة وتشوشات الحس مرورا باضطرابات التذكر وفقدان الوعي المؤقت حتى الشلل النصفي وتمتد لفترة 24 ساعة  على الأقل أحيانا لأسابيع.

4) كما ويمكن أن تظهر عند الأطفال نوبات شقيقة يغلب فيها الدوار وآلام البطن والغثيان والإقياء بدون  وجود صداع مرافق (شقيقة بطنية Abdominal Migraine) .وهناك خطر التشخيص الخاطئ عند الأطفال الأصغر سنا بالتحديد وذلك عندما تتصدر الأعراض النباتية الانتكاسية  مقدمة الأعراض ولا يتم التوصل إلى أن  هذه الأعراض عبارة عن أعراض الشقيقة إلاّ  في المجرى اللاحق  للمرض. ومقارنة بالراشدين  تظهر نوبات الشقيقة لدى الأطفال  بصورة أكثر غير آن المدة الزمنية تكون اقصر بشكل واضح. ويخضع تكرار وشدة نوبات الشقيقة في العادة إلى تأرجحات دورية متعددة الأشهر وغالبا ما تبلِغ النوبات عن نفسها  من خلال تباشير غير نوعية كالتعب وضعف الدافع والإحساس بالثقل في الرأس وفرط الشهية للحلويات. وتظهر في ساعات النهار والمساء ونادرا ما تظهر ليلا أو بعد الاستيقاظ.

وفي الصداع التوتري قلما توجد فروق عرضية بين الراشدين  والأطفال وهو عن ألم يتصف بألم مستمر ضاغط في الجبهة وقفا الرأس أو ألم ضاغط على شكل شريط في كل الرأس. ومقارنة بالشقيقة لا تبدأ النوبات في الليل  على الإطلاق وشدة الألم أقل عموما  ونوعيته ليست نابضة وإنما  منقبضة  ومنتشرة. ويظهر الألم في كلا الجانبين بصورة متساوقة كما ولا تظهر  أعراض إعاشة (غثيان،  إقياء)  أو عصبية (النسمة)  مرافقة. وترتفع شدة الألم ومدته عند وجود تأثيرات إرهاق نفسية  بيولوجية. وحسب تصنيف الجمعية العالمية للصداع يعرَف الصداع التوتري بصورة ظواهرية ويصنف وفق المعايير  التالية:  آلام طورية مقابل   مزمنة ومع أو بدون اضطراب عضلات في عضلات  الرأس. ويظهر الصداع التوتري على شكل حوادث  متفرقة متعددة الساعات وغالبا ما يمتلك مجرى مميزاً. إذ يبدأ  حدث الصداع مترافقا  بشدة منخفضة من الألم نسبيا ويرتفع تدريجيا إلى أعلى مستوى وينخفض في النهاية ببطء .ويعرَف الصداع التوتري المزمن  من خلال الوجود الدائم المتأرجح في الشدة . وعلى عكس الفرضيات الباكرة فإن الصداع التوتري  لا يقوم على أساس خلل وظيفي لنشاط العضلات ،  ومن هنا فإن الصداع العضلي myogen  القابل للتشخيص  من خلال قياسات المخططة العضلية الكهربائية أدخل  كمجموعة فرعية  مستقلة في فئة التصنيف "الصداع التوتري" . بالإضافة إلى ذلك  فقد تم القيام في الصداع التوتري بتشفير وفق العوامل السببية القابلة للتحديد كالإرهاق النفسي الاجتماعي  والقلق  والاكتئاب والهذيان  أو المتلازمات ذات الشكل الجسدي. وليس من الضروري القيام بتشخيص تفريقي للصداع التوتري عن متلازمات الصداع الوعائية بسبب  الاستطبابات العلاجية المختلفة  على الرغم من انه  يمكن في الحالة الفردية أن تظهر  أنواع متعددة  من الصداع عند الشخص نفسه. غير أنه قد تم التشكيك بالتقسيم الفرعي  الراهن القائم  وفق تصنيف الجمعية العالمية للصداع المتمثل في  الشقيقة والصداع التوتري. ذلك أن الدراسات  حول  الأعراض ومنشأ العرض لدى مرضى بالصداع لم تستطع التمكن من إثبات التقسيم الدقيق الموضوع على أساس   التعريفات إلاّ بشكل محدود.

وتبدي صور الأعراض المحددة نظريا  بشكل دقيق  الميل إلى الظهور المختلط في التجريب ،  وعليه تظهر  الظواهر الوعائية والعضلية في كلا الشكلين من الصداع عرضا واحدا على الأقل مميزا للشقيقة ،غير أن جزءا منها فقط يحقق معايير التشخيص بصورة كاملة. ومن هنا يشكك بعض الباحثون  في أن يتعلق الأمر هنا بالفعل بفئات تصنيفية مرضية  مستقلة مع حوادث  فيزيومرضية  مختلفة نوعيا  ويرون  أنها تتمايز  من حيث الدرجة وفق نموذج المتصل Continuum model   لباكال ((Bakal ،  حيث يشكل كل من الصداع التوتري والشقيقة  قطبين على متصل الصداع المزمن الذي يتضمن عددا كبيرا من الأشكال المختلطة والانتقالية (الصداع المركب). ومن الناحية النشوئية المرضية يشكل الصداع التوتري هنا  اضطراب طفيف  يظهر بشكل مبكر يمكن أن تتطور عنه أشكال  اشد  من الشقيقة  عند

محاولات المواجهة  الفاشلة.

 

2- الجائحة والمجرى

يعتبر الصداع من أكثر متلازمات الألم داخلية المنشأ المنتشرة في سن الطفولة. ويشكل الصداع الأساسي القسم الأكبر حيث يبلغ  أكثر من 90% ،  كما وأن  5-10%   من الصداع المتكرر يملك طبيعة عرضية Symptomatic ،  أي يمكن إرجاعه إلى مرض عضوي أساسي. ووفق نتائج الدراسات الجائحية حول انتشار الصداع المتكرر يعاني بين 5-17% من الأطفال الصغار وأطفال سن المدرسة من الصداع مرة واحدة في الأسبوع،  و  6%  يعانون يوميا من الصداع مع العلم أنه يمكن استنتاج وجود ميل متصاعد  في العقود الأخيرة.

أما  الصداع الدائم فهو نادر الوجود في سن الطفولة . وغالبا ما يتم التقليل من قيمة ضغط المعاناة التي يعاني منه الأطفال بنتيجة الصداع المتكرر. فالأطفال المعنيون  يتغيبون عن المدرسة بصورة متكررة ودالة ،  و 80% منهم  يتوجب عليه التوقف عن ممارسة حياته اليومية  العادية بسبب الصداع و 35% منهم  عليهم الاستلقاء بانتظام ،  و 14% من الصبيان و12 من البنات يذكرون  وجود شدات عالية من الألم،  كما ووجد  فرانكينبيرغ وآخرون. عند كل عشرين من الأطفال المدروسين اثنان على الأقل يحققون المعايير التالية:  شدة غير محتملة من الألم (6%) ،  ظهور يومي للألم (6%)،  استمرار لمدة لا تقل عن 12 ساعة (20%) ،  تناول الأدوية الكابحة للألم (22%). ويعاني الأطفال الأصغر سنا  من التضرر الذاتي بسبب الألم بصورة أشد،  أي أنهم  يشيرون إلى وجود آلام  تتراوح بين الشديدة  حتى غير القابلة للتحمل ويظهرون أعراضا إعاشية  مرافقة (آلام بطن وإقياء وغثيان) أكثر من الأطفال  الأكبر سنا. يعد 10%-15%  من الأطفال الذين يعانون من الصداع   المنتظم بحاجة ماسة  للمعالجة .

وغالبا ما يقدر انتشار الشقيقة المزمنة بين 5-7%  وتصل النسبة حسب التعريف إلى 20%  ويتراوح سن بدء المرض بين السادسة والعاشرة من الحياة،  وقد يظهر في الحالات الاستثنائية  في وقت أبكر. وحتى سن السابعة يصاب حوالي 1-2%  من الأطفال بالشقيقة المزمنة وفي سن 15%  تبلغ النسبة  بين 5 - 11%  على الأقل وفي حوالي السنة  العاشرة من الحياة  فإن البنات  يصبن أكثر من الصبيان. وحوالي الثلث فقط من الأطفال الذين يعانون من الشقيقة يعالجون طبيا. ويمكن لهذا أن يكون سببا للتنبؤ غير الملائم  للصداع الطفلي. فلدى أكثر من نصف الأطفال الذين يعانون من الشقيقة  يستمر الاضطراب بشكل مزمن حتى سن الرشد. وقد درست مجموعة البحث السويدية  التابعة لبو بيل Bo Bille  مجرى  الصداع المزمن في دراسة طولية  لفترة زمنية  تبلغ حوالي  30 سنة. ووجدت هذه الدراسة أن الأشخاص  الذين عانوا في طفولتهم من الشقيقة  قد عانوا في المراهقة بنسبة 38%  منها وفي سن السابعة والثلاثين كان 53%  ما زال يعاني بصورة متكررة من نوبات متكررة من الشقيقة. وبين سن التاسعة والسادسة عشرة غالبا ما ظهر الشفاء العفوي الذي أعقبه انتكاس في سن الرشد. وفي دراسة تتبعية أحدث  على 340 طفل ألماني بين سن 8-18 سنة  ذكر 23%  من الأطفال في سن  الثامنة  و 49% من الأطفال في سن الثالثة عشرة  و 44%  من الأطفال في سن الثامنة عشرة  معاناتهم من الصداع المتكرر بانتظام (انتشار)  وقد بلغت نسبة  استمرار الصداع خمس سنوات(ثبات خماسي السنوات)  37% (9-13 سنة)  أو  56% (14-19سنة) والثبات السنوي (9-19سنة)  لدى 47%. حتى أن الثبات  سباعي السنوات قد بلغ 78%   في دراسة سويدية واسعة على  حوالي 3000 طفل يعاني من الصداع   وكان النصف منهم يبدي ميلا تصاعديا.

وعلى الرغم من أن الصداع التوتري يظهر في سن الطفولة بشكل أقل مما هو الأمر عليه لدى اليافعين والراشدين،  حيث تبلغ نسبته  حوالي 7-48%،  إلاّ  أنه منتشر بشكل أكثر من الشقيقة. المساحة الواسعة للمعطيات الجائحية ناجمة عن عدم الوضوح في تصنيفات  متلازمات لصداع. ويقدر  نصيب الصداع  التوتري ضمن الحدوث الكلي لمتلازمات الصداع  بحوالي 80% وفقا للتعريف المعتمد في التقديرات المختلفة.

وفي استبيان  ممثل لحوالي 5000 تلميذ  في سن بين 8-16  سنة  من منطقة  فوبرتال Woppertal   ذكر حوالي 50%  من الأطفال أنهم يعانون من الصداع التوتري(وفق تصنيف الجمعية العالمية للصداع) علما أن الصبيان  -  وعلى عكس التوزع الكلي   للصداع - كانوا أكثر إصابة   من البنات. ويبلغ سن  الظهور الأول للصداع التوتري  حوالي 9 سنوات  في المتوسط وهو سن أعلى من  سن الظهور الأول  في الشقيقة. الأمر الذي يمكن أن يشير إلى أهمية نشوئية مرضية  كبيرة لعوامل الإرهاق  النفسية الاجتماعية (المدرسة) . وعلى الرغم من الانتشار الأكبر  للصداع التوتري فإنه لم يدرس إلاّ  بصورة  أقل كثافة من الشقيقة،  الأمر الذي يقود لأن يكون أساس المعطيات النشوئية المرضية والجائحة غير مسر بالمقارنة.

 

3- الفيزيولوجيا المرضية

على الرغم من المساعي المكثفة للبحث مازالت الفيزيزلوجيا المرضيةPathophysiology     لنوبات الشقيقة غير معروفة حتى اليوم بصورة كاملة. وتبدأ نوبة الشقيقة  مع بداية طور أولي يحدث فيه على أساس من تفاعل مركب لسيرورات وعائية وكيمائية  انقباض وعائي أحادي  أو ثنائي الجانب (تضيق أو تشنج في الأوعية الدموية)  لأوعية الدماغ  وانخفاض في التروية

الدموية لمناطق محددة من محيط الدماغ. وهنا يعزى للسيروتونين دورا مركزيا. وفي الطور التالي يعقب ذلك تنظيم فيزيولوجي معاكس يتم فيها توسيع شرايين الدماغ الكبيرة بصورة خاصة بشكل مفرط (تمدد وعائي Vasodilation)  يحدث من خلاله تحرير المادة  P  (P- Substance). ومن خلال هذا التمدد لجدران الأوعية  تتهيج مستقبلات الألم المحيطة وتتحرر مواد تحسسية تؤدي إلى إثارة  ألم الرأس النابض المميز. ومن خلال نفاذية الأوعية المتبدلة وفقدان التوتر السوي لها تضطرب عمليات التنظيم المعقدة في جدران الأوعية  بصورة كبيرة(عدم استقرار وعائي) وينتج ألم الرأس العميق اللاحق (طور التربل Oedemphase) . وتقوم المواد البيوكيميائية كالسيروتونين هنا بصورة إضافية بدور الوسائط في إثارة الألم العصبي التحسسي الألميSinsitivation    (قارن شكل 6).

 

ويناقش في الوقت الراهن التأثير المعدل للألم  في بنى عصبية مركزية عليا  (فوق شوكية Supraspinal) التي يحتمل أن تلعب دورا مركزيا في نشوء الشقيقة والصداع التوتري. وما تزال  تصورات النماذج الفيزيومرضية  الصداع بدائية جدا. ففي الصداع التوتري (عضلي المنشأ)  يفترض وجود آلية خلل وظيفي حركي. وحتى التوتر البسيط للعضلات يمكن أن يقود إلى انخفاض في التروية الدموية (Ischemia)   في الخلية المعنية وبهذا إلى حادثة الألم. وهذه يمكن لها أن تنتشر من مكان النشوء (كقفا الرأس أو عضلات المضغ)  إلى عضلات الرأس الأخرى و  ((تنبعث))  إلى البنى الحساسة للألم داخل تجويف الجمجمة (أغلفة الدماغ ،  الأوعية الدماغية)  وتسبب الصداع التوتري . وتقود اضطرابات نقص التروية الموضعية في الوقت نفسه إلى تحرير  مواد ألمية elegatical Substance   وإنتاج استقلابات ضارة تقوي حدث الألم،  ويمكن للصداع المستمر الظاهر أن يستقر في  حلقة مفرغة من تشنج العضلات والصداع سواء في الشقيقة أم في الصداع التوتري. فالألم نفسه يثير توترا انعكاسيا لعضلات الهيكل العظمي ويعزز خبرة الألم ثانية. وأخيرا يمكن للتوقع أو الخوف من الصداع أن يقود إلى نوبات صداع على شكل منعكس مشروط من حالات التشنج.

 

 

ولا يمكن فصل  الشقيقة والصداع التوتري عن بعضهما من الناحية الفيزيونفسية بصورة واضحة. وعلى ما يبدو تشترك كل أشكال الصداع الأولية بسيرورات وعائية وعضلية. وقد صاغ كل من  أوليسين و جينسين (Olesen & Jenzen)  نموذج استجابة   تكاملي  قائم على أساس النتائج الراهنة،   يفترض بشكل عام وجود سيرورات وعائية وعضلية  وفوق شوكية  في كل حادث صداع. وطبقا لذلك  تختلف الشقيقة والصداع التوتري  عن بعضهما بالنسبة لظاهرة الصداع المعنية من خلال قيمة السيرورات الفيزيونفسية منفردة:  فالشقيقة تتصف بسيطرة السيرورات الوعائية ،  في حين يلعب الخلل الوظيفي العضلي في الصداع التوتري دورا كبيرا.

 

4- المنشأ والتطور المرضي

ما يزال المنشأ المرضي للصداع الانتكاسي غير واضح لمدى كبير،  وطبقا لنموذج المرض البيولوجي النفسي الاجتماعي ينظر للشقيقة وللصداع التوتري اليوم على أنهما حدث ناجم عن تسبيب متعدد العوامل يشتما على وجوه وراثية وفيزيوعصبية وبيوكيماوية ووعائية وعضلية ونفسية واجتماعية. وعلى ما يبدو  فإنه يوجد في الشقيقة استعداد بنيوي لاضطرابات الوظائف العضلية العصبية. وعلى هذا الأساس يمكن بالتفاعل مع عوامل خارجية أو داخلية محددة أن تثار استجابات وعائية مرضية (نوبات شقيقة(.

عوامل مثيرة لنوبات الشقيقة

§   تأثيرات بيوكيماوية فيزيولوجية:  مواد غذائية خاصة (حلويات ، شوكولاته،  أنواع محددة من الجبنة،  دهون، حمضيات)، جوع(صيام)،  عدوى.

§   عوامل موقفية: مرهقات خارجية،  توتر،  عدم انتظام في إيقاع النوم واليقظة ،  القليل أو الكثير من النوم،  الطقس أو تبدلات الطقس،  مثيرات ضوء مبهرة أو متقطعة (تلفزيون،  إضاءة جديدة)  إرهاق فيزيولوجي نفسي أو تحميل فوق الطاقة،  ضجيج،  روائح شديدة.

§   عوامل نفسية: إرهاق نفسي،  صراعات بين نفسية أو بين الأشخاص في الأسرة  والمدرسة،  إرهاقات نفسية اجتماعية ، غضب،  طموح مبالغ فيه،  مخاوف ،فشل ، سعادة مستبقة لأحداث محبوبة،  مطالب لاعقلانية من الذات والآخرين.

 

وعلى الرغم من أنه لدى 70% حتى 90%  من الأطفال المصابين بالشقيقة   تكرار أسري أي  أن أفرادا آخرين من الأسرة يعانون من نوبات شقيقة   فلم يتم التمكن   في دراسات التوائم  من البرهان الواضح لوجود  قيمة وراثية. وبما أن الشقيقة تظهر بصورة فوق عادية عند الأطفال الذين تعاني أسرهم  من أمراض ألم مزمن إلى حد كبير، تعتبر تأثيرات التعلم وفق النموذج الأسرية  مؤثرات مرضية ذات أهمية، بالإضافة إلى ذلك تبرهن أولى النتائج  على دور سيرورات  التعلم الإجرائي  كعوامل محافظة  على الصداع الطفولي،  ومن الممكن أن تكتسب  بعض العوامل المثيرة وظيفتها البدئية من خلال الإشراط الإستجابي:  فالأطفال يميلون إلى تفسير الظواهر غير المفهومة كالألم الذي يظهر بصورة عفوية بطريقة طفلية وإلى البحث عن أسباب خارجية للصداع. وهنا يمكن  لمظهر حيادي  من الموقف أن يحدد بأنه السبب  المخمن للألم ويأخذ بهذه الطريقة   شكل المثير الحال لنوبة  الشقيقة. ويمكن لنوبات الشقيقة  أن تثار من خلال عوامل داخلية وخارجية  متنوعة. وكذلك هي أسباب الصداع التوتري  ما تزال غير مفسرة كثيرا،  ويعتقد  انه يوجد لدى الأطفال المعنيين استعداد  أولي بنيوي  للخلل الوظيفي العضلي،  ويمكن لاضطرابات نشاط العضلات (حالات التشنج) التي تقود إلى حادث الألم المميز في مجال الرأس  أن تتسبب من خلال عوامل مختلفة.

وفي دراسة على عينة تلاميذ بلغت 2000 وجد أن العامل  المثير للصداع الذي كثر ذكره كان ((الإرهاق)). وفي دراسة  فويرتال ذكرت  إلى جانب العدوى البسيطة (39%) الغضب في الأسرة (41%)  الواجبات الصفية (38%) مواقف مدرسية(35%)  مشاعر حزن (37%)  تبدل الطقس (30%) غضب (29%)  نقص في النوم (29%) كعوامل مثيرة للصداع.

 

مثيرات لحالات التشنج المثيرة للصداع

§   إرهاق عضلي مفرط أو مستمر أو أحادي الجانب ؛ في اللعب،  في وضعيات الجلوس غير الملائمة (التلفزيون،  ألعاب الكمبيوتر،  القراءة) أو وضعية النوم (الوسادة)

§   مواقف إرهاق اجتماعية نفسية تعتبر المجهدات الاجتماعية (كالصراعات الأسرية والشجار مع الأتراب)  أو الإرهاقات النفسية المستمرة(المدرسة)  والمخاوف (بما في ذلك الخوف من نوبات الألم التالية) من مثيرات الصداع العضلي المنشأ

§   النقص الواضح في القدرة على الاسترخاء: لا يتم في مواقف الراحة إرخاء العضلات بصورة فاعلة (توتر عضلي مرتفع مستمر)

§   كف في سلوك التعبير الانفعالي: عندما يتم تجاهل أو معاقبة تعابير الغضب والحنق من قبل المحيط وكبتها،  عندئذ لا يتم " تصريف" التنشيط الفيزيولوجي القائم وإنما تكف من خلال الاستهلاك العضلي

§   قصور في إدراك المثيرات التقبلذاتية[3]Proprioceptive:  يمكن لسيرورات التنظيم الذاتي الطبيعية لنشاطات العضلات أن تضطرب ،  إذا ما تم تفسير إشارات الجسد (التعب،  فرط الإرهاق)  على أنها مزعجة وتم ((إطفاؤها))

 

 

 

 

 

 

5- طرائق تشخيصية

لابد في معالجة الصداع من إجراء فحص عام   وطبي عصبي مفصل في  كل الأحوال لاستبعاد وجود أمراض عضوية . ويعتبر التوسع إلى التشخيص الأدواتي ضروري عند وجود أمراض عصبية مرافقة مستمرة  ونوبات تشنج إضافية  أو الظهور الليلي للنوبات بصورة غالبة أو ألم أحادي الجانب بدون تبديل للجانب. وتشكل الدراسة  الجذرية للحالة (تاريخ الألم ونوعيته ومدته وتكراره وشدته وتموضعه والمثيرات)  جزءا أساسيا من التشخيص الطبي والنفسي. وهنا لابد من الأخذ بعين الاعتبار المعالجات السابقة وبصورة خاصة  محاولات المعالجة الذاتية  من قبل المتعالج أو والديه من أجل التعرف إلى المداواة الخاطئة الممكنة التي يمكن أن تكون سببت  الصداع المثار من خلال الأدوية (الصداع الدوائي المنشأ\ المترجم\) . ولا يمكن للمعالجة السلوكية الطبية للألم  أن تكون مفيدة وقابلة للاستخدام  إلا بعد التوقف عن تناول الأدوية غير الملائمة وربما أيضا القيام بمعالجة تجفاف ملائمة في مقتضى الحال.

ومن أجل  التخطيط الهادف والفعال  للمعالجة لابد من إجراء تشخيص تفريقي  وفق الجمعية العالمية للصداع (لجنة تصنيف الصداع التابعة للجمعية العالمية  للصداع                                                                                                (Headache Classification  Committee of the International Headache Society)   

أو وفق تصنيف الألم المتعدد المحاور (أنظر جدول  1)  التي تمكن من الإلحاق في إحدى الفئات التشخيصية التالية: شقيقة  مع أو بدون نسمة،  صداع عنقودي،  صداع توتري،  مزمن أو طوري ،  مع أو بدون خلل وظيفي عضلي ،  صداع عرضي .

وتعتبر دراسة التاريخ الأسري والاجتماعي  لدى الأطفال الذين يعانون من الصداع مهمة من أجل تحديد النماذج الأسرية وسلوك التعزيز من قبل الأشخاص المرجعيين وكذلك المرهقات الفردية. وتشكل تصويرة التصنيف متعدد المحاور المعروضة في جدول  (2) إطارا موجها عاما لتحديد عوامل التأثير الاجتماعية النفسية(قارن فيما يتعلق  بالمعالجة السلوكية الطبية للألم  استخدام الأدوات التشخيصية النفسية القادمة.

 

6- مبادئ تأثير

من الطبيعي أن تتمركز المعالجة على الأسباب العضوية في الصداع العرضي مهما كان نوعه (على أساس السرطانات الدماغية أو الإصابات ضمن الجمجمة أو التبدلات الوعائية…الخ)،  أي  على المعالجة بالطرائق الطبية بالدرجة الأولى (مداواة ، عمليات جراحية، أشعة). أما إجراءات التأثير النفسية فتستخدم هنا كإجراءات داعمة.

وبالمقابل فإن  معالجة الصداع الأساسي أو الوظيفي تتم بطرائق  طبية سلوكية. ولن نتعرض في هذا الفصل  للمعالجة الدوائية والطبية.

وتمتد أهمية معالجة الصداع لأبعد من مجرد المعالجة الراهنة ذلك أن الصداع المتكرر في سن الطفولة يعتبر كاشفا مهما للصداع المزمن في سن الرشد. فالتأثيرات الوقائية لدى الأطفال تشكل إجراءات وقائية  للحياة اللاحقة في الوقت نفسه. وعلى الرغم من أن أساليب العلاج الطبية السلوكية في الممارسة العملية لا تأتي  غالبا إلاّ بعد محاولات علاج دوائية فاشلة  فإنه لابد عند الأطفال بالتحديد من إعطاء  هذه الأساليب الأولوية  لأسباب عدة:

  n  فهي لا تمتلك تأثيرات جانبية - أو تمتلك بدرجة خفيفة - وتأثيرات طويلة الأمد غير قابلة للضبط

 n يتم تجنب أنماط السلوك غير المرغوبة (" اللجوء إلى الحبوب المسكنة") مع إمكانية  ارتفاع خطر سوء  الاستخدام على المدى البعيد في سن اليفوع والرشد.

  n  تظل آثار تعلم مواجهة الألم  مستمرة مدى الحياة ويمكن استخدام استراتيجيات المواجهة  في كل وقت من قبل الفرد نفسه

  n  تتيح الأهمية الخاصة للتأثيرات النفسية الاجتماعية في الصداع الطفولي إمكانية  التأثير النفسي "السببي"

  n   على الرغم من فاعلية الأدوية في الشقيقة  الطفلية ،  غير أنها غير فاعلة في الصداع التوتري.

 

وتتجه الإجراءات العلاجية  نحو مواجهة نوبات الصداع منفردة (معالجة حادة ومعالجة نوبات)  من جهة وتتجه من جهة أخرى إلى تخفيض تكرار ظهورها (معالجة وقائية ودائمة) .

وتهدف المعالجة الطبية السلوكية  الحادة   إلى التأثير على حادث النوبة الفيزيونفسي وعلى تخفيض خبرة الألم ودرجة التضرر الذاتي في حين تهدف المعالجة الوقائية  إلى تخفيض احتمال ظهور النوبات من خلال تعديل العوامل المثيرة والمحافظة (العوامل القادحـةTrigger-Factors) ،  وأنماط السلوك والإدارة غير الملائمة للحياة والمجهدات). وقد تم اختبار مجموعة من الأساليب الطبية السلوكية في معالجة متلازمات  الصداع في سن الطفولة بصورة تجريبية.

مركبات أساليب المعالجة الطبية السلوكية لمعالجة الصداع عند الأطفال:

1.    معلومات إيضاحية ،  تقديم تصور متناسب مع السن حول الألم:

2.  لابد للمعلومات أن تصاغ بصورة واضحة ومبسطة بشكل يتناسب مع سن النمو الطفولي؛ استعارات، مطابقات ،  أمثلة من الحياة اليومية للطفل ،  لعب الدوار ومواد متناسبة مع الأطفال (صور، دمى)  لتوضيح المحتويات التي ينبغي إيصالها؛ وهنا لابد من الاختبار الدائم لما فهمه الطفل فعلا،  وذلك من خلال  سؤاله  أو الطلب منه إعادة ما قيل بكلماته الخاصة؛

3.  التحري عن استهلاك الأدوية المضادة للألم وفي مقتضى الحال إيقاف سوء استخدام الدواء أو المعالجات الخاطئة والجرعات غير المناسبة: والقيام بمعالجة تجفاف ضمن ظروف معينة،  تغيير الأدوية  من قبل الطبيب إذا ما كانت ضرورية.

4.  تحديد المثيرات الخارجية ومواجهتها:  مثل إيقاع النوم -  اليقظة غير المناسب ،  فرط الإرهاق الجسدي،  قلق المدرسة،  مجهدات متفرقة ‘  أغذية.

5.  تعليم استراتيجيات تغلب متناسبة مع السن لإيقاف النوبة:  تقنيات استرخاء،  تعلم ذاتي….الخ).

6.  تغلب وقائي على الإرهاق:  إعادة البناء المعرفي وأساليب ضبط الذات،  تهديم القلق…الخ).

7.  الدعم في إدارة الحياة المنمية للصحة:  تغيير التغذية،  انتظام أوقات الطعام والنوم والنشاط ،  تعويض التضررات المرتبطة بالألم؛

8.  تدريب الوالدين: تفكيك مشاعر اليأس والعجز من جانب الوالدين؛ تهديم معززات سلوك الألم غير المقصودة  للطفل (موقف الرعاية) والتعزيز الملائم لمواجهة الألم؛  بناء النماذج السلوكية المنمية للأهل؛  تدريب الوالدين حول كيفية مساعدته طفلهم من خلال إرشادات عملية؛

9.  معالجة المشكلات الأسرية:  مطالب الإنجاز التعجيزية ؛  صعوبات التفاعل؛  مشكلات العلاقة…الخ.

10.        معالجة اضطرابات السلوك الأخرى  أو الأجزاء النفسية المرضية  المهمة بالنسبة لحادث الألم إذا اقتضى الأمر.

 

 

 

1) أساليب الاسترخاء

 تعتبر أساليب الاسترخاء وبصورة خاصة  الاسترخاء التصاعدي للعضلات Progressive Muscle erelaxion  والاسترخاء الذاتي  Autogenes Training  إجراءات طبية سلوكية واسعة الانتشار لمعالجة الصداع عند الأطفال. ويمكن استخدامها مبدئيا على ثلاثة مستويات:

 n لإيقاف النوبة: فمن خلال استخدام عامل التأثير الفيزيونفسي لتقنية الاسترخاء يمكن التأثير بصورة هادفة  على سوء التنظيم الفيزيولوجي  الذي يقوم على حادث النوبة الحاد وتطبيعه (خفض المستوى الفيزيولوجي العام ،  والتغيرات  الوعائية الحركية والعضلية العصبية للنشاطات الكهربائية للدماغ وخفض الإعراض النباتية المرافقة). وتعتبر  الاستجابات الاسترخائية  ذات الاتجاه المعاكس للتوتر (خفض  التوتر العضلي للجهاز العضلي) ملائمة بصورة خاصة  في  الصداع المرتبط بالتوتر لأنها تتيح  التدخل السببي  إلى حد ما. وفي الصداع المشروط وعائيا كالشقيقة  يحاوَل تعويض الانقباض  الوعائي (تضييق الأوعية)  الذي يحدث في الطور البدئي من خلال استطبابات الاسترخاء  وإيقاف النوبة من خلال ذلك في بدايتها.

 n كاستراتيجية تغلب لتخفيض الألم في أثناء النوبة: من خللا رفع عتبة إدراك  مثيرات الألم ، وصرف الانتباه من خلال التركيز على الحالات الداخلية المرغوبة  ومن خلال إنتاج حالة وعي مناسبة للألم ومعاشة ذاتيا للهدوء والإحساس بالعافية.

 n للمعالجة الوقائية  بين النوبات لتخفيض تكرار ظهورها: وذلك من خلال رفع  الحساسية  والانتباه  لمؤشرات الجسد(كتوتر العضلات،  الطلائع غير النوعية) الإرهاقات النفسية والمجهدات والمثيرات الخارجية وتجهيز الاستراتيجيات الملموسة للتغلب  على المواقف  المرهقة  وتقوية قناعات الضبط(الكفاءة الذاتية) فيما يتعلق بالحوادث الجسدية المستقلة.

 

وتعتبر النتائج التجريبية حول فاعلية  معالجة الصداع  الطفولي (الشقيقة بشكل خاص) واعدة بشكل عام. وقد نشر كل من كرونر- هيرفيغ وإيلرت   12 دراسة حديثة مضبوطة  تقوم بالدرجة الأولى على الاسترخاء  العضلي التصاعدي. وقد أدت  غالبية الدراسات إلى فاعليات مخفضة للألم دالة إحصائيا،  أو من حيث الاتجاه  هي كذلك ، والتي أثبتت ثباتها حتى بعد سنة من المعالجة.

وكمعايير للنجاح يعتبر في العادة انخفاض تكرار الصداع وطول الفواصل الزمنية الخالية من الألم. غير أن مدة وشدة النوبة تبقى على الغالب بدون تأثير من خلال التدريب النفسي،  إذ أن النوبة عندما تبدأ فإنها لا تعود قابلة للضبط. وفي دراسة مقارنة مباشرة أظهر كل من الاسترخاء العضلي التصاعدي والإيحاء الذاتي فاعلية مشابهة.

أما مسالة  الاستطباب التفريقي   لإشكال مختلفة من الصداع فما تزال غير واضحة.

 

2) أساليب الإرجاع الحيوي

تهدف أكثر طرق الاسترخاء انتشارا بعد الاسترخاء العضلي التصاعدي المعروفة باسم أساليب الإرجاع الحيويBiofeedback  إلى التأثير على الخلل الوظيفي الفيزيونفسي بدرجة عالية وبكفاءة وبصورة مباشرة. وهنا يتم تسجيل  متغيرات فيزيولوجية  محددة وتغيراتها (كتوتر العضلات ودرجة حرارة الجسد وقابلية الجلد للتوصيل الكهربائي)  بوساطة تقنيات أدواتية  وإرجاعها للمريض من خلال إشارات  بصرية أو سمعية . ويجب على المريض أن يحاول التأثير على حالته الفيزيولوجية بين فواصل الإرجاع في طور من ضبط الذات. ومن خلال ذلك ينبغي أن تتاح له فرصة السيطرة الشعورية على مجريات الوظائف المستقلة. ويهدف من خلال هذه الطريقة إلى تطبيع السيرورات الفيزيومرضية بصورة هادفة من خلال التأثير التنظيمي المعاكس. وحتى الآن هناك شيء من عدم الاتفاق الكبير حول آليات التأثير الفعلية للإرجاع الحيوي.

طرق الإرجاع الحيوي الأكثر استعمالا في معالجة الصداع عند الأطفال.

1.  إرجاع توتر العضلات السويElectromyography : قياس توتر العضلات الموضعي؛ تستخدم طريقة الإرجاع حول نشاط عضلات الجبهة (إرجاع حيوي - توتر عضلي جبهي) في الصداع التوتري بصورة خاصة.

2.  الإرجاع الحيوي لحرارة الجلد: يتم تسجيل تغيرات التروية الدموية(جريان الدم الموضعي)  من خلال كاشف حرارة الجلد. وتستخدم هذه الطريقة في الصداع المشروط وعائيا كالشقيقة

 

 

 

وتبدو طرق الإرجاع الحيوي أكثر فاعلية عند الأطفال منها عند الراشدين.

وقد اختبر الإرجاع الحيوي التخطيطي العضلي في عدد محدود من الدراسات المضبوطة وأثبت فاعليته المخفضة للصداع(وفق شدة ألم الرأس ومدته وتكراره). كما وأن الإرجاع الحيوي لحرارة الجسد (غالبا بالتوليف مع الاسترخاء الذاتي) قاد إلى نتائج إيجابية في معالجة الشقيقة الطفولية. غير أن كل الدراسات التي أجريت حول الإرجاع الحيوي لحرارة الجسد تقريبا صممت وفق تصميم قبلي وبعدي بدون عينة ضابطة وبالتوليف مع تأثيرات أخرى (الاسترخاء الذاتي،  عناصر معرفية)، مما يستدعي  ضرورة التقييم الحذر للنتائج. إذ أنه لم تقد دراسات مقارنة  حول الفاعلية الخاصة لأساليب الإرجاع الحيوي المختلفة بالنسبة للصداع التوتري والشقيقة (استطباب تفريقي differential Indication) إلى إثبات وجود فرق في فاعلية الإرجاع الحيوي العضلي بالنسبة لأعراض مختلفة من الصداع كالشقيقة والصداع التوتري والصداع المركب. أما فاعلية أساليب الإرجاع مقارنة بأساليب الاسترخاء الأخرى (كالاسترخاء العضلي التصاعدي ، "الإرجاع الحيوي الذاتي ") فقد تم اختبارها في دراسات عديدة مضبوطة. ولم تظهر أية فروق دالة في الفاعلية  بين الإرجاع الحيوي  وتمارين الاسترخاء. ونظرا  للتناسب  الملائم بين التكاليف والفوائد عند وجود فاعلية قابلة للمقارنة  فإنه يعتقد وفق مستوى المعرفة الراهنة أن أساليب الاسترخاء البسيطة أفضل من  أساليب الإرجاع الحيوي.

 

2) برامج العلاج السلوكي-الاستعرافي

تقوم مبادئ  المعالجة السلوكية المعرفية على مقدمة Premise وهي أن نوبات الشقيقة تتسبب ضمن أشياء أخرى من خلال القصور في كفاءات المواجهة  السلوكية والمعرفية على إرهاقات الحياة اليومية. وطبقا لذلك تعتبر القناعات  اللامنطقية ومتطلبات الإنجاز العالية (مخاوف الفشل والمتطلبات العالية  تجاه الآخرين) والأفكار المضطربة وظيفيا (الأفكار الكارثية،  المفرطة التعميم،  المقللة من قيمة الذات مثلا) وذخيرة السلوك غير الكافية من العوامل النوعية في نشوء نوبات  الصداع. بالإضافة إلى ذلك يفترض أن مرضى الصداع يظهرون نقص واضح في  القدرة على  مهارة التعبير الانفعالية.

وقد طور كل من  ماك كراث وكونينغهام  ولاسكيلز  وهوكفريز   (Mc Grath, Cunningham, Lascelles & Humphreys)

برنامج  معالجة معير بصورة خاصة على أطفال في سن المدرسة بدءا من سن الثانية عشرة بعنوان (ساعد نفسك Help-Yourself). ويشتمل التدريب الذي يمكن تنفيذه بصورة مستقلة أيضا  على جلسات مدة كل منها 45 دقيقة وينجز خلال ثمانية أسابيع. ويمكن أن يستخدم في الشقيقة وفي الصداع التوتري. وفي البداية يتم  تحليل إشكالية الصداع بمساعدة مذكرات يومية خاصة بالصداع (تشخيص) وتعليم الأطفال تصور متناسب مع السن للألم (شرح). وبعد أن يتم توضيح أهداف التدريب للأطفال يدربون على تقنيات الاسترخاء (تعليم مهارات المواجهة ) وهنا يتم تنمية التركيز المبكر على إشارات الجسد(التلاؤم،  التشنج ،  الوضعية غير المناسبة للجسد)  وبهذا يتم التدرب على إدراك الجسد وفي الوقت نفسه يتم التمرن على إدراك عوامل الإرهاق المهمة شخصيا. ويهدف من وراء ذلك إلى جعل الأطفال قادرين على تسجيل المجهدات واستجاباتهم الفيزيولوجية الذاتية بصورة مبكرة والمواجهة   بفاعلية من خلال إجراءات الاسترخاء ذات التأثير المعاكس. وفي الخطوة التالية يتعلمون التعرف على الأفكار والقناعات السلبية وتعديلها من خلال  إعادة البناء المعرفي أو إيقاف الأفكار  ويتم دعم مواجهة  خبرة الألم من خلال    تقنيات توجيه الانتباه والتخيلات والتعلم الذاتي الإيجابي . عدا عن ذلك  يتم تعليم الأطفال استراتيجيات تغلب ملموسة على الألم واستراتيجيات حل المشكلات والتعامل المناسب مع المشاعر. وبشكل مرافق لتدريب الأطفال الذي تتم مواصلته في المنزل

بوساطة شرائط تسجيل سمعية يتم وضع قواعد سلوك للأهل تتجه نحو الحفاظ على نشاطات الحياة اليومية للطفل(عدم المبالغة بالرعاية) والتخلص من التعزيز الإيجابي لنوبات الألم (الغياب عن المدرسة،  دور مميز) وتجاهل سلوك الألم المتطرف وتعزيز سلوك المواجهة  المنمي ودعم ميول المساعدة  الملموسة  وتقديم نموذج ايجابي للطفل حول التعامل المقبول مع                                 الألم. وقد أكد كل من بيامس  وزاندرز وبور أهمية الإشراك الفاعل للأهل في برنامج المعالجة السلوكي المعرفي من أجل تخفيض العرض عند الأطفال الذين يعانون من الصداع المزمن.

وما تزال البرامج السلوكية المعرفية لمعالجة الألم عند الأطفال غير مختبرة تجريبيا بصورة كافية. وقد درس كل من ووماك وسميث وشين (Womak, Smith & Chen)  إجراءا سلوكا معرفيا مركبا بالتوليف مع الإرجاع الحيوي العضلي الكهربائي

و \ أو  الإرجاع الحيوي لحرارة الجلد عند 119 طفل في السن الواقعة بين 4-20 سنة مشخصين بالشقيقة والصداع التوتري والمركب . وقد تمكنوا من إيجاد تحسينات دالة لدى كل المجموعات فيما يتعلق بتكرار الصداع وبشكل خاص3 فيما يتعلق بشدته.كما وأمكن في النهاية من تصنيف جزء كبير من الأطفال تحت تسمية"بدون ألم": الشقيقة (48%) و الصداع المركب 

(30%) والصداع التوتري (22%).

وفي دراسات مقارنة مباشرة اثبت التدريب المعرفي امتلاكه لفاعلية مشابهه للاسترخاء العضلي التصاعدي.

 

7. خلاصـــــة

تحظى إشكالية الصداع في السنوات الأخيرة بأهمية سياسية صحية،  غير أن الأساس المعطياتي الفيزيومرضي والنشوئي المرضي والجائحي بالنسبة لغالبية متلازمات الألم في سن الطفولة (كآلام البطن والظهر المبكرة)  مازال ضعيفاً جدا للأسف ويحتاج إلى مساعي بحث أخرى مكثفة للتوصل إلى نماذج مناسبة لتفسير الآلام الطفولية. وبالنسبة للأطفال بالتحديد ما يزال هناك نقص واضح في معالجة الألم . وما يزال مطلب التسكين والتخدير المطروح بصورة ملحة  ومستمرة في طب الأطفال لا يشكل وحده حلاً. فمعالجات الألم الدوائية غالبا ما تكون ذات فائدة محدودة عند الأطفال لأنها لا تزيل الإحساس بالألم بصورة كافية ولا تؤثر على مركبات الإرهاق والقلق وعلى عوامل التأثير الاجتماعية النفسية. ومن هنا طورت في السنوات الأخيرة  في المحيط الأنجلو أمريكي بدائل نفسية متعددة في تخفيض الألم والقلق عند الأطفال. وتقوم أساليب التأثير الطبية السلوكية  على التأثير على  متلازمات الألم الحادة (كالإجراءات الطبية مثلا medical Procedure)  ومتلازمات الألم المتكررة (كالشقيقة)  والمزمنة (كالناعور)  وتكتسب في الممارسة العيادية قيمة متزايدة ،  وقد قادت الاختبارات التجريبية لفاعلية  عدد كبير من تقنيات التأثير إلى نتائج إيجابية مؤثرة بصورة عامة،  غير أن كل نتائج هذه الدراسات غير متطابقة من حيث المستوى الطرائقي (كغياب المجموعات الضابطة وأخطاء العينات والتأثيرات المختلطة والتعيير الناقص والتصنيف غير الدقيق لإشكالية الألم والمعايير غير الموحدة للنجاح)، بحيث تحتاج  بعض النتائج إلى إعادة اختبار. عدا عن ذلك ما زال هناك حاجة واضحة للبحث من أجل الإجابة عن المسائل غير المحلولة حتى الآن ،  كالاستطباب التفريقي أو مضادات الاستطباب للأساليب منفردة وآليات التأثير الكامنة خلفها والفاعلية المقارنة للتأثيرات السلوكية الطبية والطبية أو توليفها واستقرار نتائج المعالجة وتأثيراتها طويلة الأمد. وتقوم المعالجة الطبية السلوكية لمركبة  اليوم على فهم اجتماعي بيولوجي للمرض وتــدخِـل تنوع عوامل التأثير الاجتماعية النفسية على حدث الألم ضمن هذا الفهم. وهنا يزداد وضوح ضرورة التصنيف الدقيق والتشخيص المؤسس من أجل استطباب تفريقي وتخطيط فردي للمعالجة. ومن هنا فإن التطوير التشخيصي المرتبط بالنمو للاختبارات التشخيصية للألم ضروري جدا للمحيط الناطق بالألمانية.ويتطلب المبدأ التكاملي في المعالجة التعاون بين تخصصي  أقوى بين المهن المختلفة للجهاز الصحي. وهنا  يحتل الإشراك الفاعل للأهل أو لأشخاص الإطار المرجعي الآخرين دورا خاصا أيضا وينبغي للتأثيرات النفسية (كالاسترخاء العضلي التصاعدي أو الإرجاع الحيوي العضلي)  أن تعدل بصورة هادفة وأن تستخدم بشكل يتناسب مع العمر.



[1]: المادة P(Substance-P):  ببتيد الأونديكاUndekapeptid  (Ar-Pro-Lys-Pro-Gln-Gln-Phe-Phe-Gly-Len-Met-Nhz)  المنتشر بكثرة في المصران الرفيع والجهاز العصبي ويؤثر بصورة مثيرة للمصران الرف الرفيع وخافضة لضغط الدم ومسيلة للرضاب، ومن الممكن  أن يمارس الجهاز العصبي المركزي أو ي

·  اللحاء الجديد :  هو الجزء الأحدث من الناحية النشوئية لمحيط الدماغ،  يبدي توزعا منتظما لخلايا الأعصاب في ستة طبقات أفقية.( المترجم)

·· الإندروفينات:  ببتيدات دماغية رابطة لمستقبلات خاصة للمورفين والأفيون( المترجم)

[2] النسمة Aura   شعور خاص يعيشه الشخص قبل حدوث النوبة كشم روائح معينة أو تبدلات في مجال الرؤية كأن تصبح الألوان أكثر زهواً ( المترجم).

 

 [3] التقبليذاتي: (تقبلي ذاتي ) دال على مثير أو منبه ناشئ ضمن العضلات أو الأوتار العضلية( المترجم)

1

18.الألــــــم

 

داغمار برويكر و شتيفان مولِغ وفرانس بيترمان

Dagmar Breuker, Stepphan Muehlig &

 Franz Petermann

ترجمة الدكتور سامر جميل رضوان

                               

1. مدخل

لابد لكل محاولة لوصف الألم بصورة شاملة وموضوعية من أن تواجه صعوبات من خلال العلاقة المتبادلة بين الشعور الحسي والتفسير والتقييم المعرفيين والمعاني المختلفة لمشاعر الألم. وتتأثر هذه التأثيرات المتبادلة ضمن أشياء أخرى بسيرورات التعلم والخبرات القبلية ومستوى النمو المعرفي.

وتتعلق أهمية الألم المحسوس بالسياق والزمن. فالألم الحاد يمتلك وظيفة  إنذار وحماية بيولوجية: إذ يتم تبليغ الجسد بالإحساس بمثير ضار؛  وكاستجابة Reaction حماية لابد من مواجهة مصدر الألم أو العناية بالأجزاء المصابة من الجسد. ويمكن إيضاح وظيفة الحماية هذه من خلال مثال بسيط: فعندما يلمس الطفل المدفأة المشتعلة يشعر بالألم  فيسحب يده بطريقة انعكاسية.

غير أن هذه الوظيفة غير موجودة في الألم المزمن أو المتكرر الظهور  ذلك أن أسباب الألم ، كالمرض المزمن مثلا غير قابلة للإزالة ويتحول الألم المزمن إلى معاناة تمتلك قيمة مرضية، وحينئذ نتحدث عن مرض الألم ،  وعلى الرغم من تعقد الموضوع فقد أمكن حتى اليوم وضع تعريف مستخدم حتى الآن ومقبول عموما:  ((الألم عبارة عن  خبرة غير مقبولة من المشاعر والأحاسيس ،  مرتبطة بتضرر حاد أو كامن في النسيج الحي أو يمكن وصفه من خلال مفاهيم مثل هذا التضرر))(ISAP, 1979) . ويشير هذا التعريف من جهة إلى أن الألم   عبارة عن خبرة إحساس جسدية بدون وجود  تضررات قابلة للبرهان في النسيج الحي أيضاً،  و يستند هذا إلى متلازمات الألم التي يعاني منها الأطفال والتي لا يمكن إيجاد أسباب جسدية لها، ويتضمن هذا التعريف من جهة أخرى ارتباط الألم بصورة وثيقة مع الانفعالات . فالألم لا يدرك كمثير ضار فحسب وإنما غالبا ما يعاش مع انفعالات سلبية .

 ويحمل التعريف مظهرين  مهمين بالنسبة لدراسة الألم: فهو لا يفرق بين الألم الحاد والمزمن ويشير إلى خبرة الألم  الانفعالية فقط. ولا تؤخذ التأثيرات على السلوك بعين الاعتبار . ويوضح الشرح حتى الآن أنه من المهم من أجل الفهم الشامل للظاهرة ينبغي الأخذ بعين الاعتبار المجموعة التالية من المظاهر وأن ينظر إليها ككل متكامل:

  n  الإدراك الجسدي الحسي

  n  التفسير المعرفي والتقييم

  n  الخبرة الانفعالية

  n  السلوك الناجم عن ذلك

وقد عولج الألم لفترة طويلة من وجهات النظر الطبية فقط،  حيث ساد الاهتمام بتحليل تضررات النسج الحية ومعالجتها. غير أن هذا العلاج السببي غير فعال إلاّ بالنسبة للآلام الحادة والمرتبطة بالإصابات فقط،  أما بالنسبة للآلام المزمنة والتي لا يمكن إثبات وجود تضررات عضوية مسببة لها إلى حد ما فإن المعالجات الطبية الخالصة لا تلقى إلا القليل من النجاح.

وتحظى نماذج التفسير والمعالجة التي تراعي عوامل مختلفة بالاهتمام المتزايد. وتذهب النماذج الاجتماعية - البيولوجية  إلى أن الألم عبارة عن استجابة  على مستويات عدة تلعب فيها العوامل النفسية والجسدية  التالية دورا:

-الاستجابة Reaction الذاتي - اللفظي للألم: ما يميز هذا المستوى هو خبرة الألم،  إذ يتم إدراك مشاعر الألم وتقييمها وتفسيرها والتعبير

     عنها على سبيل المثال من خلال مقولات حول الشدة والآلام والأوجاع والبكاء

-الاستجابة Reaction السلوكية الحركية للألم: ويتم هنا تقييم الاستجابات مثل الحركات الانعكاسية والعضلية والتوتر والتشنج والإيماءات 

 والعرج ورعاية الجسد كتعبير حركي سلوكي عن الألم.

-   الاستجابات العضوية الفيزيزلوجية  للألم: ولا تكون الاستجابات على هذا المستوى قابلة للملاحظة، غير أنه يمكن قياسها بوساطة الأدوات. ويدخل في عداد ذلك الإثارات المؤلمة لمسارات الأعصاب والمستقبلات وتحرير مواد مسكنة ومثيرة للألم من قبل الجسد.

 

 

 

 

ويفترض ألاّ تشترك بالضرورة كل المستويات في استجابة  ألم خاصة؛  إذ يمكن وجود استجابة  ألم فيزيولوجية -  عضوي بدون أن يستجيب الطفل بصورة غير قابلة للملاحظة بالنسبة للملاحظ الخارجي.

وتتم مراعاة المظاهر الموصوفة حتى الآن لظاهرة الألم في التصنيف المرضي والتصنيف لمتلازمات الألم المختلفة.

 

 

 

 

2.- التصنيف والتصنيف المرضي

يعتبر الوصف الدقيق والتصنيف المنهجي لظواهر الألم  ضروري لإجراء الدراسات المضبوطة القابلة للإعادة من جهة ولطرح الاستطباب وتخطيط المعالجة المبررين. ويلاحظ وجود فروق تشخيصية كبيرة  وخصوصا عند الأطفال الصغار الذين لا يستطيعون التعبير عن خبرات ألمهم بصورة لفظية، لا يمكن إزالتها إلا من خلال  منظومات وصف ناجحة.

ويمكن لتصنيف الألم  أن يتم وفق معايير مختلفة جدا،  كما ويمكن تصنيف الألم وفق ثلاثة أنواع أساسية منه.

- الآلام الحادة:  وغالبا ما تكون قابلة للتحديد الموضوعي ومثارة من خلال سبب قابل   للتحديد (مرتبط بتضرر في النسج كالإصابة في التدخلات الطبية المؤلمة)  وذات مدة زمنية محدودة (نادرا ما تطول أكثر من شهر  واحد) وقابلة للمعالجة سببيا في العادة. وغالبا ما تقتصر العواقب النفسية للآلام الحادة على الخبرة العابرة للقلق والإرهاق.

- الآلام الانتكاسية المتواترة: وهي الآلام المتكررة بصورة منتظمة (كالشقيقة وآلام الظهر والبطن) وتمتلك منشأ غير واضح وتظهر بدون وجود تضرر عضوي قابل للتحديد على شكل أطوار  وباختلاف في التواتر والمدة والشدة. ولا يعاني المعنيون في الفترات الزمنية الواقعة بين هذه الأطوار من أية آلام و يكونون  أصحاء كلياً. وغالبا ما تكون الآلام الانتكاسية  صعبة الموضعة وظهورها غير قابل للتنبؤ ويغلب أن تعالج بصورة عرضية  ولا يمكن تحديد مثيرات طور الألم فيها بوضوح،  إذ يمكن أن تدخل في الحسبان عوامل اجتماعية  (أحداث حياتية حرجة،  مواقف إرهاق في الأسرة والمدرسة)  وعوامل خارجية  كتأثيرات الطقس والأغذية والمسليات)  وعوامل شخصية (الانفعالات،  المزاج،  المعرفيات).

- الآلام المزمنة:  وتظهر كنتيجة  لإصابات عضوية دائمة (حوادث،  احتراق)  أو لمتضررات في النسج الحية نتيجة لمرض أساسي مزمن (التهاب المفاصل المزمن،  الناعور، التهاب الألم العصبي Neuralgia، سرطان). وغالبا ما تكون قابلة للتحديد من الناحية النشوئية بوضوح ويستطيع المرضى موضعتها (تحديد مكانها بدقة) بوضوح وتقدير التأرجح في شدتها. أما المنشأ الفيزيولوجي لحالات الألم المزمنة فهو غير معروف إلى حد كبير ويتحدث المرء عن آلام مزمنة، إذا ما امتدت إلى أبعد من وقت الشفاء المتوقع أو أكثر من ستة أشهر. وفي البلدان الغربية يعاني أكثر من 25% من السكان من آلام مزمنة. وغالبا ما تكون العواقب الاجتماعية بالنسبة للأطفال المعنيين (كالتغيب عن المدرسة والحد من حرية النشاطات والمشكلات الأسرية والعزلة ولاستبعاد الاجتماعي)  عواقب جذرية. ويغلب أن يكون ضغط المعاناة متطرفا وليس من المستبعد أن يستقر العجز واليأس والاكتئاب في ظواهر نفسية مرضية(اكتئابات،  قلق معمم،  أرق،  فقدان الشهية،  سوء استخدام الأدوية) ،  وكل مريض من خمسة يقوم على الأقل بمحاولة انتحار واحدة. وتتعلق إمكانية المعالجة بالاضطراب الأساسي المعني؛  ففي حالة الأمراض المزمنة لا يمكن إزالة هذا الألم سببيا الأمر الذي يستدعي معالجتها  عرضيا.

في علم التصنيف وفق الأجناس   Taxonomy غالبا ما يتم تقسيم الآلام وفق مصادر الألم العضوية أو وفق المظاهر النشوئية المرضية. ويفرق تصنيف عام شائع  بين:

- الألم المؤذي Nozizeptive: وهو الألم الحاصل نتيجة لمتضررات (خارجية)  في النسيج الحي (كالجراح والرضوض مثلا).

- الألم العميق  Viszeraliszeral:  وهو عبارة عن ألم في الأعضاء الداخلية (كآلام البطن ونوبات المغص).

- الألم الناجم عن تضررات في الأعصاب  كالألم العصبي Neuralgia   وانضغاط الأعصاب والآلام الوهمية).

أما الجمعية العالمية لدراسة الألم International Association for the Study of Pain   والتي يرمز لها اختصارا IASP   فقد وضعت  في تصنيفها لحالات الألم المزمنة منهجية

- ألم تفريقية تشتمل وصفيا على 300  متلازمة من الألم  وشـفّرت المحاور بصورة متعددة المحاور  وفق التموضع ومجال الوظائف المصاب وسمات الوقت والشدة والمدة والمنشأ المرضي . إلاّ  أن بؤرة هذا التصنيف  Taxonomyتتمركز على المظاهر الجسدية لسيرورة الألم وتراعي السمات النفسية والاجتماعية  بصورة عارضة وثانوية فقط في سياق صور الاضطرابات النفسية. وما يشبه ذلك ينطبق على الدي أس أم الرابع DSM-IV و الآي سي دي العاشر ICD-10. وبهذا تبقى هذه التصنيفات أسيرة تصور المرض الآلي التقليدي وتخفض حدث الألم إلى وجهه الجسدي. وبالتالي لا تلقى تعددية الأبعاد لظاهرة الألم (المركبات الفيزيولوجية والمعرفية والوجدانية والحركية والاجتماعية إلاّ القليل من المراعاة. وبما أنها  لم تعد اليوم تتلاءم مع التصورات المنهجية الراهنة للألم فإنها ذات فائدة محدودة بالنسبة  لمعالجة الألم ذو الاتجاه متعدد العوامل الذي يراعي الأبعاد المختلفة لحدث الألم  ويغيرها بصورة هادفة.

 

وقد قام كلينغر وآخرون (Klinger et al.) وللمرة الأولى بوضع تصويرة تصنيف للوصف المعياري لمتلازمات الألم، تقوم على فهم اجتماعي بيولوجي للألم تتألف من:

 n تصويرة التصنيف متعدد المحاور للألم Multi axonal Pain classification  التي يرمز لها  اختصارا (ماسك (MASK وتتألف من جزء جسدي ويرمز لها  ماسك -ج  وجزء نفسي اجتماعي  جديد (ماسك- ن) . ويشــفّر الماسك الجسدي المظاهر الجسدية لإشكالية الألم بصورة شبيهة بمنظومة  ISPA  وفق تموضع ومدة وتكرار وشدة الألم والمجال الوظيفي المصاب والعوامل النشوئية...الخ. ويعكس الجزء الاجتماعي النفسي الجديد المظاهر النفسية والاجتماعية استنادا إلى النشوء  واستمرار وعواقب الآلام المزمنة بصورة ضمنية، مثل:  التضررات النفسية المتمركزة على الألم ،  والسمات الخاصة بالشخص والتي تكبح أو تنمي مواجهة الألم والمجهدات والعوامل الاجتماعية التي تؤثر على الألم (جدول  1). وبهذا تتوفر منظومة تصنيف عملية تسمح باستطباب وتخطيط  تفريقيين للمعالجة  من أجل  مبدأ معالجة تكاملي،  أي من أجل تنظيم مؤسس بصورة منطقية  للتأثيرات الطبية منفردة  و الطبية السلوكية  في متلازمات ألم خاصة.

 

جدول  (1): التصنيف متعدد المحاور للألمMASK-P

مستويات سلوكية حركية

*  شذوذات سلوكية

                                * سلوك ألم لفظي\ غير لفظي

                                * تجنب النشاطات الجسدية

                                * تجنب النشاطات الاجتماعية

                                * سلوك تحمل

مستويات انفعالية

مزاج حزين- مكتئب

                                * غضب،  توتر،  قلق

                                * عدم استقرار داخلي

                                *  عدم استقرار مزاجي

                                * نقص في التعبير الانفعالي

 المستوى المعرفي

·        اليأس والعجز\ الاستسلام

·        تضخيم كارثي(تهويل) معمم

·        نقص في إدراك الحوادث الجسدي

·        تهوين الأعراض  الجسدية

·        انتباه ذاتي واضح متمركز على الجسد

·        نموذج المرض الجسدي

·         توقعات غير واقعية من هدف المعالجة

مرهقاتStressors

·        مشكلات اجتماعية(الأهل، الأخوة، الأصدقاء)

·        إرهاقات من خلال المشكلات الصحية والاجتماعية

·        إرهاقات في مجال وقت الفراغ     

سمات شخصية اعتيادية

·        تحميل الذات فوق طاقتها

·        نقص في الكفاءات الاجتماعية

·        عجز في قيمة الذات

·        تضررات قيمية ومعايير جامدة

·        نقص في التعبير عن الذات

التصنيف وفق الآي سي دي العاشر ICD-10

و الدي أس أم الرابع DSM-IV

يمكن طرح تشخيص إضافي

 

 

ولا توجد حتى الآن منظومات تصنيف خاصة بالنسبة للألم  في صيغة مفصلة في طب الأطفال. وقد اقترح لابوفي وأخرين (Labouvie et al.)  تعديل تصويرة الماسك  وفق سن الطفولة واليفوع،  ويرى كل من فارني  وروس  أنه ينبغي للجزء الجسدي أن يضم فئات لمتلازمات الألم الخاصة وأمراض سن الطفولة واليفوع وفق سبب الألم (قارن جدول  2) ،  وينبغي للبعد  النفسي الاجتماعي أن يوسع ليشمل العوامل التالية:

- المظاهر النفسية النمائية والمرتبطة بالنضج لحدث الألم: السن،  مستوى النمو المعرفي ، مفهوم الألم ‘  عزو الأسباب والخبرات المسببة للألم؛

- مواقف الإرهاق المتعلقة بالطفل:  الأسرة،  المدرسة \ رياض الأطفال مجموعات الأتراب؛

-  كفاءات المواجهة  المتناسبة مع السن: تنظيم انفعالي،  كفاءة ذاتية،  السيطرة على الألم،  الاستعلام، تقييم الألم

- عوامل السياق الأسرية والاجتماعية الخاصة:  التعلم وفق النموذج،  مؤثرات تعزيز،  سلوك الدعم الأسري،  تاريخ المرض الأسري ،  متطلبات وتوقعات اجتماعية.

 

جدول  (2):  فئات الألم الطفولي

الأمراض المزمنة

·        التهاب المفاصل

·        الربو

·        السرطان

·        السرطان

·        السكري

·         اضطرابات الوقوف

* إصابات جسدية

·        حروق

·        جرح في اللحم

·        كسور

·         تجمد

* إجراءات تدخلية

·        عمليات جراحية

·        حقن\ خزع

·        قسطرة

·        * قلع الأسنان

* منشأ جسدي غير واضح

·        شقيقة

·        ألم رأس توتري

·        * آلام بطن ذاتية انتكاسية

* أوجاع متعلقة بالنمو

·        أسنان

·        آلام نمو\ آلام أعضاء

·         أمراض أطفال

 

3. الأسس

1- الفيزيولوجيا النمائية

تشتمل المنظومة العصبية لتمثل الألم  عند الإنسان على تأثير معقد للبنى العصبية والفيزيوعصبية والبيوكيميائية. ففي كل أعضاء العضوية الإنسانية توجد ما تسمى ((بمستقبلات الألم)) Nociceptors  بصورة مختلفة الكثافة والتي هي عبارة عن نهايات عصبية (مستقبلات محيطية)،  تستجيب إلى المؤثرات الآلية  أوالحرارية أو الكيماوية التي تلغ شدة عالية (ضارة). وتتعدل قابلية هذه المستقبلات للإثارة (القابلية للاستجابة Reagibility)  من قبل مواد بيوكيماوية (وسائط داخلية المنشأ كالسيروتونين ،  المادة P)*[1]التي تتحرر عند إصابات بنى الخلايا. ويمكن لهذه المواد الألمية elegatical Substance  أن تصدر  المـؤلِمات   Nociception   بصورة مباشرة أو تخفض من موجة المثير لمستقبلات الألم. ويتم تحويل الدفقات الحسية للألم في الجهاز العصبي المحيطي من خلال ألياف عصبية خاصة (ألياف دلتا و   ألياف C  اللانخاعية A- Delta and unmyeline c- Fibre    إلى  القرون الخلفية للنخاع الشوكي. وهنا توصل ألياف دلتا ِA   ما يسمى بالألم الأول المميز للألم الحاد (واضح،  واخز،  متموضع يهدأ بصورة سريعة نسبيا) ،  في حين أن ألياف - C    تثير الألم الثاني  المهم بالنسبة لحالات الألم المزمنة (عميق وصعب الموضعة،  يهدأ بصورة بطيئة. و تنتقل دفعة الألم على المستوى الشوكي (النخاع الشوكي)  بمساعدة النواقل العصبية من الجهاز العصبي المحيطي إلى الجهاز العصبي المركزي وفي أثناء ذلك تثار استجابات انعكاسية حركية في الوقت نفسه(منحنى الألم) . ومن خلال مسارات ألم  خاصة  يتم التحويل إلى الدماغ حيث تصل دفعة الألم خلال بضع من جزء من مئة من الثانية بعد التأثير الخارجي إلى المهاد (التالاموس) . وهناك يتم  تجميع كل مثيرات المحيط وتحويلها إلى باقي الدماغ("محطة التوزيع") وفي حالة الضرورة استثارة استجابة  هجوم أو هروب. وهناك القليل من المعرفة حول التمثيل العصبي المركزي للألم. فعلى العكس من منظومات الحس الأخرى لا يوجد "مركز ألم" قشري وإنما هناك بنى وظيفية عصبية وتشريحية عصبية مختلفة كليا تسهم في هذه السيرورة المعقدة منها:

- جذع الدماغ (تنظيم العمليات الإعاشية كالتنفس والدورة الدموية)

- منظومة الغدة النخامية - الهيبوتالاموس (تنظيم المنظومة الغدية،  طرح الهرمونات والإندروفين)

- التشكل الشبكي (توجيه الانتباه ،  استجابات التوجه)

- الجهاز اللمبي ("مركز المشاعر" ، المركبات الانفعالية لخبرة الألم ، نوعية الألم)

- اللحاء الجديد Noecortex · (وعي الألم،  الموضعة،  التفسير والتقييم،  توجيه التصرفات).

وعند إثارة الألم تبدأ في الدماغ سيرورة تنظيم معاكس تعدل تمثل مثيرات الألم من خلال آليات مسكنة داخلية المنشأ، وذلك من خلال تخفيض تحرير المواد المثيرة في الجهاز العصبي المحيطي أو رفع المواد الكابحة على سبيل المثال. وعند باحات دماغية محددة (في الدماغ الأوسط)  تتحرر مواد بيوكيماوية (كالإندروفين Endorphin)·· ،  وهذه تنشط مسارات عصبية هابطة  تصل إشاراتها الكهربائية إلى النخاع الشوكي (كف هابط في النخاع الشوكي). وهناك يتم تحرير مواد أخرى في المشابك العصبية كالسيروتونين)،  التي تكف من جهتها تحرير مواد ناقلة للألم (المادة   مثلا). ومن خلال ذلك يتم كبح نشاط عصبونات القرينات الخلفية المسؤولة عن توصيل الألم في النخاع الشوكي. وفي الوقت نفسه تتم مواصلة تحرير الإندروقينات في الدماغ التي تخفض بصورة إضافية من نقل الألم.

وحتى المواليد الجدد بل وحتى الأجنة  يمتلكون الشروط  الفيزيوعصبية لخبرة الألم.

وتنضج المركبات التشريحية والوظيفية والكيماوية العصبية المختلفة لمنظومة الألم في أثناء التنشؤ الإنساني وبسرعات مختلفة وتكون عند الولادة  مكتملة بصورة كافية من أجل الإدراك التفريقي للألم.

 كما وتتطور القدرة على تذكر مثيرات الألم قبل الولادة على ما يبدو،  إذ أثبتت دراسات حديثة وجود ذاكرة ألم ووعي بدائي له عند المواليد الجدد والأجنة. أما لدى الأطفال الأكبر سنا والراشدين فترتبط استجابات الإرهاق السلوكية والفيزيولوجية ،القابلة للقياس ، على مثيرات الألم بوضوح مع خبرة الألم الذاتية. وعلى الرغم من أن السؤال عن النوعية الذاتية لخبرة الألم عند الأطفال في مرحلة ما قبل  التعبير اللغوي تبقى في النهاية بدون إجابة ،  فليس هناك من شك  قائم منطقيا  من أن الأشكال  المتطابقة من التعبير في الفيزيولوجيا والسلوك تمثل خبرة ألم داخلية قابلة للمقارنة.

 

2-  علم النفس النمائي

يكتسب الأطفال مع النمو المتقدم باطراد القدرة على تحديد وتقييم ظواهر الألم بصورة استعرافية cognitive    والتواصل حول ذلك بصورة واضحة. وغالبا ما يستخدمون في سن العشرين شهر مصطلحات لفظية للألم. ويستطيع الأطفال في سن ما قبل المدرسة التمييز بين شدات مختلفة من الألم بمساعدة سلالم متناسبة مع السن. و بوساطة وسائل القياس هذه أمكن إثبات أن انتشار وشدة الآلام في أمراض مختلفة قلما تختلف بين الأطفال والراشدين. ويخضع إدراك وتقييم خبرات الألم في مجرى النمو المعرفي إلى تغيرات شديدة وحتى أن مثير الألم نفسه(كالبزل الوريدي مثلا) يفسر من الأطفال الصغار جدا بأنه أشد تهديدا وكثافة على سبيل المقارنة. وبالمقابل فإن الأطفال  الأكبر سنا لا يبدون ميلا للتقييم المرتفع للألم مقارنة بالراشدين. ويتعرف الأطفال في مجرى نموهم إلى طيف واسع من الآلام المختلفة التي تتغاير وفق  الشدة والتموضع والانتشار والمدة والنوع ودرجة الإحساس بالتوعك والنوعية الحسية والمركبات الانفعالية وإمكانات التخفيف. وهنا يفسرون ويقيمون شدة ودرجة إرهاق كل خبرة ألم على أساس خبراتهم الراهنة مع الألم وبهذه الطريقة ينمّون  منظومة استناد استعرافية   لإدراكات الألم (تصويرة ألم)يصنفون

ويقيمون بمساعدتها الألم الجديد والتي تتعدل وتتوسع هي ذاتها(تصويرة الألم)  مع كل خبرة جديدة من الألم. وعلى أساس خبراتهم مع  الألم يطور الأطفال  تصورات خاصة حول أسبابه، وتنحرف هذه التصورات الذاتية  عند الأطفال الأصغر سنا بالتحديد عن نماذج التفسير الطبية . ومع تطور قدرات التفكير والتصور المجردين تصبح نماذج التفكير أكثر تمايزا. وتبرهن دراسات تجريبية على أنه مع التقدم في العمر يحل الفهم المجرد للألم محل الوصف الملموس. وبناء على النموذج  النمائي المتعدد الطبقات لبياجية تم سؤال أطفال ويافعين أصحاء عن تصوراتهم حول الألم وأسبابه وتأثيراته واشتق من إجاباتهم النمو ((الطبيعي)) لتصور الألم. وبناء على ذلك يمكن القول أن الأطفال بين سن الثانية والرابعة  يمتلكون تصورات أقرب للسحرية،  فهم يصنفون الألم وكأن ((شيئا ما يؤلمهم)) والأسباب - إذا ذكرت - فإنها تكون موجودة خارج الجسد. فالألم عبارة عن خبرة جسدية يعيشها الأطفال  عند الإصابة مثلاً. وبين السنة الرابعة والسابعة  من الحياة يبدأ الأطفال التمييز بين شدات مختلفة من الألم، ففي هذه السن ينمون تصوراتهم الأخلاقية حيث يعتبر الألم على الغالب وكأنه عقوبة. ومع التقدم في النمو باتجاه عمليات التفكير المنطقية الملموسة  ينمو التفهم للعلاقات الكائنة بين الإصابة والمرض والألم،  فيبدأ الأطفال بين سن السابعة والحادية عشرة في التمييز بين الأسباب الخارجية والتأثيرات الداخلية. فالألم يمكن أن يحدث بسبب الإصابات والأمراض ويغير من العمليات الجسدية الداخلية (‎(الطبيعية)). ولأن الأطفال في هذه السن مايزالون يفتقدون إلى  تصورات ملموسة حول السيرورات الفيزيولوجية، فإنهم يستخدمون استعارات مجازية لوصف الأسباب والتأثيرات الداخلية لآلامهم. وبدءا من سن الحادية عشرة تتشكل المقدرة على التفكير المنطقي الشكلي  وهنا يتم ذكر أسباب نفسية وجسدية للألم. ويمتلك الأطفال واليافعون فهما واضحا للعمليات الجسدية ويمكن تفسير أسباب الألم بطريقة عصبية\ فيزيولوجية . وقد أمكن إثبات هذا الارتباط بين السن والتعقيد في وصف الألم بصورة تجريبية (قارن شكل 3). إلاّ أنه من غير المعروف فيما إذا كانت المواجهة مع الألم المتكرر أو المستمر تؤثر على هذه السيرورة والكيفية التي تؤثر فيها. فحتى الآن تجري دراسات طولية على أطفال يعانون من أمراض ألم مزمنة .                                            

 

 

 

4.  نماذج نفسية لتفسير نشوء واستمرار الآلام المزمنة

تعتبر  خبرة الألم من   خبرات الحياة اليومية  العادية للطفل. فقد أسفرت ملاحظات السلوك المنهجية للعب الحر عند أطفال ما قبل السن المدرسية عن أنهم يعانون من الألم وذلك كل ثلاث ساعات على الأقل من خلال السقوط أو الصدم أو المشاجرات مع الأطفال الآخرين. ولابد لكل طفل تقريبا من أن يتعرض لحقن اللقاح على الأقل أو لإجراءات طبية أخرى مؤلمة،  وبعضهم يصاب بأمراض وإصابات جدية أو يمر بعمليات جراحية. ويذكر أن 87% من الأطفال الذين عولجوا في المستشفى  بسبب أمراض مختلفة قد عانوا في الساعات الأربع والعشرين الماضية من الآلام .

ويعتبر المرضى بأمراض مزمنة مرضى بالألم كذلك عندما    تحتل  الآلام المستمرة أو الانتكاسية مركز الصدارة لديهم. وبسبب عدم إمكانية الشفاء على الأغلب يحتل التخفيف من الأعراض والتعامل مع المرض مركز صدارة المعالجة.

تؤثر الآلام المستمرة أو الانتكاسية خلال أشهر أو سنوات على حياة الطفل،  وتصبح الحياة اليومية  محددة من خلال  الألم أي أن القيام بالأدوار الاجتماعية المختلفة (المدرسة، الأسرة ،  وقت الفراغ)  وتشكيل الحياة اليومية يتحددان من خلال الألم. وتطلق على مراجعة الطبيب وتناول الأدوية والإقامة في المستشفيات والمعالجات الفيزيائية الخارجية تسمية إدارة الألم ذلك أنها تهدف إلى تحقيق  التخفيف من الألم، ويستثنى من ذلك سلوك الألم    الذي يعتبر التعبير القابل للملاحظة للألم المعاش، ويدخل في عداد ذلك الإبلاغ اللفظي ووضعية الجسد والإيماءات وتقييدات الوظائف والإعاقات. بالإضافة إلى ذلك  يجمع الأطفال  الكثير من الخبرات الاجتماعية التي تميز خبرة ألمِهم وتعاملهم مع ذلك بصورة جوهرية:  إنهم يتعلمون من خلال الملاحظة الموجهة لأشخاص الإطار المرجعي المهمين كيف يتصرف "المرء"في مواقف الألم  (التعلم وفق النموذج) ويعززون أو يعاقبون من خلال هذه المواقف  على سلوك معين من الألم والمواجهة  (إشراط إجرائي)  أو يوجهون بصورة مباشرة (توصيل معرفي متسلسل للكيفية التي يمكنهم بها أن يتغلبوا على الألم. وفيما يلي سوف نقوم بعرض أهم النظريات حول نشوء واستمرار أمراض الألم المزمنة.

 

1- نموذج التعلم بالاستجابة Respondent

إذا ما تمت خبرة الألم أكثر من مرة  وكان مرتبطا مع مثير حيادي أي مع مثير غير مسبب للألم ، فإن هذا المثير الحيادي يمكن أن يتحول إلى مثير لخبرة الألم. والمثال التالي يوضح ذلك:  عندما يتم حقن الطفل أكثر من مرة،  فإنه يمكن أن يستجيب عند رؤية المريول الأبيض أو الحقنة بتعابير الألم والبكاء. وهذا الإشراط التقليدي لا يتم إلاّ إذا أثيرت أحاسيس ألم فعلا. ووفق نموذج التفسير هذا  يمكن للآلام المزمنة أن تنشأ على أساس من مشكلة ألم حاد فقط. غير أن هذا النموذج لا يستطيع تفسير التطور البطيء  لحالات الألم المزمنة بدون حدث ألم حاد،  كألم الظهر أو آلام البطن مجهولة السبب.

 

2- نموذج التعلم الإجرائي

تتمثل المقولة الرئيسية لهذا النموذج في أن احتمال ظهور سلوك معين يتحدد من خلال عواقبه. فإذا ما كانت عاقبة سلوك ما نتيجة إيجابية أو لم تظهر نتيجة سلبية (تعزيز إيجابي أو سلبي) ،  يرتفع احتمال  ظهور هذا السلوك ثانية. ويقول نموذج الألم الإجرائي: إن التعبير القابل للملاحظة عن الألم المعاش بدون وجود سبب عضوي ينشأ من خلال  آليات تعزيز. وقد أثبتت دراسات تجريبية  بأنه يمكن للأهل أن يعدلوا من تحمل الألم عند أطفالهم بصورة واضحة من خلال التعزيزات اللفظية المجردة. ويتعلم الطفل وفق فرضيات نموذج التعلم الإجرائي بأن شيء ما ((مرغوب)) سوف يحدث إذا ما عبر عن ألمه أو أنه يستطيع أن يحمي نفسه من مواقف جديدة أو مزعجة. ومن الممكن أن يبدأ الطفل باستخدام ألمه بصورة وسيلية ،  أي أنه يحاول من خلال التعبير عن الألم  تحقيق  أهداف مقيمة إيجابيا،  فالوالدان غالبا ما يستجيبان  لسلوك الألم عند أطفالهم بعدم الارتياح أو بانشغال خاص  ويميلون إلى تحريهم من وظائف أو مهمات غير مرغوبة (كالمدرسة أو الوظائف المنزلية)  و  وبقائهم في المنزل. ومن أجل مواجهة الألم عند أطفالهم  يستخدم مرضى الألم الراشدون  الآليات نفسها التي يستخدمونها هم،  ويحصل الأطفال من خلال ذلك على دور خاص يعزلهم على المدى البعيد عن أخوتهم و أترابهم،  فإذا ما شعرت الأسرة في النهاية  بأنها مرهقة وعاجزة  فإنه غالبا ما تخفف التقنيات الإجرائية لتخفيض  سلوك الألم  من العبء. فهي تمكن من تجاهل التعبير عن الألم بهدف إطفاء سلوك الألم عند الطفل. وبالنسبة للطفل يتحول عدم الاهتمام إلى عقاب في الغالب،  إذ أنه يحرم من الحب والاهتمام هنا. ولا يعزز هذا التعامل الأسري مع الآلام الأطفال في أثناء مواجهة الألم وبناء الاتصالات الاجتماعية ونشاطات وقت الفراغ وخبرة الكفاءة الذاتية. وهذا لا يمكن تحقيقه إلاّ  من خلال دعم الأطفال في مساعيهم لمواجهة الألم وعندما يخبر الأطفال الاهتمام بغض النظر عن ألمهم. أمّا نقاط انتقاد هذا النموذج فهي أنه يفترض وجود إشراطات باعتبارها  مُطفئات لسلوك الألم؛ ولا يراعي الأسباب الفيزيولوجية. فالمهم هنا هو السلوك القابل للملاحظة فقط ،  أما الأفكار والمواقف والانفعالات فإنها تهمل.

 

3-  التعلم وفق النموذج

يتعلم الأطفال سلوك الألم ضمن أشياء أخرى من خلال ملاحظة الأشخاص في محيطهم،  فهم يتعقبون بانتباه خبرات الألم وسلوكه واستراتيجيات المواجهة  عند والديهم وأخوتهم. وهم يتبنون تلك المظاهر في ذخيرة سلوكهم التي يتعرفون عليها على أنها ناجحة أو التي تعزز من قبل محيطهم. فقد وجد كل من هاربيل وبيترسون  وجود تطابقات بين سمات الألم التي يذكرها الأطفال (النوع والتكرار) وسلوك الألم القابل للملاحظة الذي يبديه أهلهم. ويصل هذا التأثير الأسري في نشوء واستمرار متلازمات الألم الطفلي  إلى حد أن  مشكلات الألم عند أفراد الأسرة الأكبر سنا يمكن أن تنتقل إلى الأطفال. وهنا يطور الأطفال من خلال التعلم وفق النموذج أعراض ألم شبيهة (وفق النوعية والتكرار والتموضع)  مثل أهلهم وأخوتهم. وقد برهن حدوث الألم الأسري أكثر من مرة بالنسبة لمجموعات  مزمنة من الألم أو انتكاسية. ففي((أسرة الألم))  هذه غالبا ما تتطور مشكلة الألم إلى نقطة حياة مركزية:  إذ يتحدد تنظيم الحياة اليومية ونشاطات الأسرة من خلال إشكالية الألم  بصورة أساسية؛ ويتم وصف الخبرات الانفعالية بمفاهيم متجـسدنة. وعلى الرغم من البراهين التجريبية لم يحظ مبدأ التعلم وفق النموذج إلاّ بالقليل من التأثير على الممارسة العيادية . وتستخدم أفلام النموذج لتحضير الأطفال على الآلام الحادة بصورة خاصة من خلال الإجراءات الطبية. ولا يمكن التوصل إلى مقولات حول التأثيرات الممكنة  للتعلم وفق النموذج بسبب النقص في الدراسات التجريبية.

 

4- نموذج  سلوكي معرفي في الألم

 يراعي هذا المبدأ العوامل المعرفية كالتوقعات والمواقف عند نشوء واستمرار حالات الألم المزمنة. ويفترض بأن مرضى الألم يمتلكون توقعات سلبية  فيما يتعلق بقدرتهم على التعامل مع الألم ومنطلق محاولات المعالجة والشدة المستقبلية لآلمهم وتحقيق رغبات الحياة. فالأفكار والانفعالات تدور حول التأثيرات السلبية للمرض والألم،  وبالتالي  لا يتم تطوير  استراتيجيات إيجابية في المواجهة ،  ويشعر المعنيون بأنه مسيطر عليهم من خلال ألمهم ومقيدون في حياتهم. ويمكن لمشاعر اليأس الناجمة عن ذلك أن تقود ضمن أشياء أخرى إلى السلبية وتعكرات المزاج الاكتئابية وارتفاع الحساسية للألم  وإلى صورة سلبية عن الذات. وقد أمكن برهان السيرورات المعرفية تجريبيا من خلال الدراسات على الراشدين. وتستخدم في الممارسة العيادية تقنيات معرفية لمواجهة الألم حتى مع  الأطفال واليافعين بصورة ناجحة. وتقود هذه التقنيات  إلى تعديل في تفسير وتقييم الألم  وترفع من تحمله. أما انتقادات هذا  النموذج فهي غياب الاستناد إلى نتائج ونظريات علم النفس المعرفي والمراعاة القليلة للاستجابات الفيزيولوجية ومظاهر السلوك.

 

5-   نموذج الإرهاق - النحيـــزة(الاستعداد)

يحاول هذا المبدأ مكاملة كل معارف الطب وعلم النفس. ويقوم على احتمال ارتباط نشوء واستمرار حالات الألم المزمنة بالعوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية ومن خلال تفاعلاتها المتبادلة. وفرضية هذا النموذج النفسي الاجتماعي البيولوجي،  هي أن كل إنسان يملك استعدادا لتنمية مرض ألم محدد. هذا الاستعداد  لا يتثبت على شكل مرض فقط إلاّ عندما  تتوفر العوامل التالية (الشكل 5):

- استعداد فيزيولوجي للاستجابة مع التغيرات في منظومة جسدية معينة: ويتألف هذا الاستعداد بموجة منخفضة من التنشيط لجهاز الألم. وهذا يعني  أن مشاعر الألم الحسية يمكن أن تثار حتى من خلال مثيرات ذات شدة منخفضة مثلا. ويقوم هذا الاستعداد على استعداد وراثي أو حدث صادم سابق أو على سيرورات تعلم اجتماعية .

-  تغيرات فيزيولوجية  تعاش كألم:  وتعتبر هذه الأنماط وتفسيرها أنماطا متكررة استجابية ويمكن قياسها موضوعيا (كتوتر العضلات من خلال التخطيط العضلي الكهربائي).

- أنماط متكررة من الاستجابة : وتثار من خلال مثيرات داخلية\ خارجية مقيتة (كالمحادثات العالية التوتر)  أو من خلال استجابات (التوقع -  الألم،  النقص في قناعات الضيط)  وتقود لسلوك الألم على المستويات الثلاثة المعروضة  سابقا.

- سيرورات تعلم وتعزيز (كالخوف من الألم من خلال الحركة؛  الاهتمام والانتباه عند التعبير عن الألم):  وهذه السيرورات تجعل الألم يستمر.

وقد طورت نماذج الإرهاق - النحيزة (الاستعداد) Diatheses- Stress- Model   لصور أمراض واضطرابات مختلفة. ومن خلال تأثير عوامل مختلفة  تشتق مجموعات تأثير تهدف على مستويات متعددة إلى تخفيض شدة الألم ورفع كفاءات المواجهة.

 

5.  حول منشأ أمراض الألم في سن الطفولة

لا توجد أرقام راهنة حول تكرار أمراض الألم عند الأطفال في ألمانيا(إبلاغ خطي لوزارة الصحة الإتحادية 1994). وهناك فقط معطيات حول أمراض الألم الخاصة القليلة في مجال طب الأطفال،  علما أنه يمكن تعميم معطيات أرقام الدراسات العالمية على  الظروف الألمانية مثل دراسة   ميرش   وبوثمان. وبناء على ذلك توجد معطيات مختلفة عن بعضها بصورة كبيرة  يمكنها  أن تقود القارئ  إلى التشتت. والأعداد المذكورة فيما يلي تساعد كقيم تقدير  وتهدف إلى إيضاح أن الأطفال المرضى بالألم ليسوا مجرد حالات فردية فحسب.

وتعتبر آلام البطن الانتكاسية من أغلب الآلام في مجال البطن والمعدة التي يراجع الأطفال الصغار جدا الطبيب  بسببها ،  وغالبا مالا يمكن عزو هذه الأسباب إلى أية أسباب جسدية واضحة. ومن هنا تطلق عليها أيضا تسمية  آلام البطن ذاتية المنشأ الانتكاسية. وتصل نتائج أمريكية إلى نتيجة أن 10-15% من الأطفال في  سن المدرسة  يمرون بمثل هذه الآلام،  وهنا يتوقع للأطفال بين سن 9- 12 أكثر الفئات معاناة من آلام البطن الانتكاسية. وتشكل آلام الصدر الانتكاسية  متلازمة ألم قليلة الانتشار  غير أنها  تعتبر متلازمة ألم مألوفة في طب الأطفال،  وتتعلق مدة الآلام وظهورها الزمني وظروفها النفسية والاجتماعية المرافقة بالنسبة الكامنة  بين الأسباب

النفسية والعضوية المنشأ،  ولا يمكن ذكر أرقام حول الانتشار بسبب النقص في الدراسات كما وأن  ما يشير إليه ليرش  وبوثمان  حول أرقام دراسة أمريكية ،  غير مرض من وجهة نظرنا  لأنه في هذه الدراسة قد أخذ  عدد مرضى مراكز إسعاف متخصصة بالأطفال منفردة كأساس لحسابات تكرار  الانتشار النسبي.

وتنشأ آلام جهاز الحركة  من خلال أمراض وتشوهات المفاصل مثل الروماتيزم في مرحلة الطفولة واليفوع والخلع المفصلي الولادي أو  الآلام الناجمة  عن أمراض وإصابات الحوادث ،  كالضمور العضلي العصبي والقدم القفداء الرضية. ولا توجد معطيات حول انتشار أمراض الألم هذه لأنه من النادر أن تكون مرتبطة بأمراض عصبية أو عظمية أو لغياب الدراسات الجائحية . ويعتبر التهاب المفاصل المزمن في الطفولة واليفوع من أكثر صور الأمراض الموصوفة تكرارا والمرتبط بألم مزمن في المفاصل. وتقع تحت هذا المصطلح أمراض روماتيزمية -  التهابية مختلفة،  تختلف بصورة خاصة عن بعضها من خلال عدد المفاصل المصابة. ويحتمل أن يعاني في ألمانيا  بين 3000-5000 طفل من التهاب المفاصل(. ويمكن للعرض الشامل لكل ظواهر الألم الحادة والانتكاسية والمزمنة في سن الطفولة أن يتجاوز إطار هذا الفصل.

وتختلف ظواهر الألم من الناحية النشوئية ومن ناحية مداخلها العلاجية، الأمر الذي يقود إلى أن يكون العرض المفصل لهذه الظواهر على حساب النوعية. وتتوفر في مراجع أخرى عروض مفصلة للمبادئ النفسية لتخفيض الألم والقلق في الألم الحاد (الإجراءات الطبية العدوانية ومعالجة الأسنان)، في حين أن الأساس العلمي لبعض متلازمات الألم المزمنة عند الأطفال (كالتهاب المفاصل المزمن والناعور)  وإمكانات معالجتها النفسية أقرب لأن تكون قليلة. ومن هنا قررنا اختيار متلازمة من متلازمات الألم المميزة لسن الطفولة واليفوع وعرضها بصورة مثالية.

يعتبر   الصــــداع المتكرر من أكثر أمراض الألم المشخصة والمدروسة بصورة جوهرية  في سن الطفولة. ولهذا السبب سوف نقوم فيما يلي  بعرض مفصل للصداع عند الأطفال من منظور بيولوجي اجتماعي  نفسي، أي من ناحية التصنيف المرضي والفيزيولوجيا المرضية والتشخيص ومبادئ المعالجة الطبية والسلوكية.

 

6.  الصداع عند الأطفال: (الشقيقة والصداع التوتري)

1-  التصنيف والتصنيف المرضي

يمكن للصداع أن يتسبب من خلال عوامل خارجية وداخلية  متنوعة كالإصابات  والصدمات (الحوادث المترافقة بارتجاج دماغي أو نزف داخل الجمجمة) أو التسممات (الأدوية و  الكحول و المنشطات و العقاقير) أو الأمراض العضوية المتنوعة (عدوى ،  سرطانات دماغية،  فرط التوتر ،  أمراض العمود الفقري وأمراض الأنف والأذن والرقبة). ولابد من التفريق هنا بين الصداع " الثانوي " هذه  من الناحية التصنيفية المرضية عن الصداع "الأساسي " أو"ذاتي المنشأ "غير الناجم عن اضطرابات عضوية أخرى ، والذي يشكل بحد ذاته  المرض. ووفق تصويرة تصنيف "الجمعية العالمية للصداع " International  Headache Society   والتي يرمز لها اختصارا HIS  يتم اليوم التفريق بين نمطين   رئيسين من الصداع الأساسي في سن الطفولة وهما: الشقيقة (الصداع الحركي الوعائي) و  الصداع التوتري. ولن نتعرض هنا إلى  ما يسمى بالصداع العنقودي  cluster- Headache   الذي يعد كالشقيقة  من متلازمات الصداع الوعائية(المرتبطة بالأوعية لأنه يندر أن   يظهر عند الأطفال.

 

الأعراض الجوهرية للشقيقة (العيادية)

1.              مجرى على شكل نوبات مع فترات خالية من الألم

2.              المدة بين 0,5 حتى 3  ساعات (عند الأطفال)

3.              شكل نابض من الألم

4.              غثيان وإقياء

5.              مشاعر دوار

6.               فقدان شهية

7.     صداع أحادي الجانب على الأغلب،  يمكن أن يمتد خلال النوبة إلى الجانب  الآخر أو يغير الجهة

8.              شدة متوسطة من الألم حتى العالية

9.              تموضع الألم في مجال الجبهة أو الصدغين أو العيون أو في قفا الرأس

10.         فرط الحساسية للضوء أو الضجيج

11.         ارتفاع شدة الألم في عند حدوث إرهاق جسدي

12.         تحسن بعد النوم

13.         تكرار أسري

 

ويتم تقسيم الشقيقة إلى أشكال فرعية أخرى:

1) ما تسمى بالشقيقة البسيطة (بدون نسمة[2] Aura) ،  وتشكل أكثر أشكال الشقيقة ملاحظة في سن الطفولة،  وتتصف بصداع أحادي أو ثنائي الجانب يستمر ساعات عدة  غالبا ما يترافق مع غثيان و إقياء ودوار وتبدلات في المزاج وحساسية للضوء والضجيج.

2) الشقيقة التقليدية  المترافقة بنسمة وتقود بالإضافة إلى ما هو مذكو في النقطة السابقة إلى أعراض انعكاسية عصبية مرافقة تستمر  بين 20-40 دقيقة  (اضطرابات في اللغة والرؤية أو اضطراب في الأحاسيس أو التوازن) تسبق نوبة الألم الفعلية بساعة على الأكثر (طور الإنذار) وتختفي مع بدء  الصداع . ويمكن  لما يسمى بالنسمة البصرية أن تظهر على شكل ظواهر بصرية  كالوميض أو البقع  أو البرق أو الظلال أو الغشاوة  أو تقييد في محيط الرؤية أو العمى النصفي).

3) الشقيقة المركبة وتتميز بمجموعة من أعراض التعطل  العصبية الشديدة وهي نادرة الظهور. وتتميز بمجموعة من الأعراض تمتد من ازدواج الصور  والدوار واضطرابات اللغة وتشوشات الحس مرورا باضطرابات التذكر وفقدان الوعي المؤقت حتى الشلل النصفي وتمتد لفترة 24 ساعة  على الأقل أحيانا لأسابيع.

4) كما ويمكن أن تظهر عند الأطفال نوبات شقيقة يغلب فيها الدوار وآلام البطن والغثيان والإقياء بدون  وجود صداع مرافق (شقيقة بطنية Abdominal Migraine) .وهناك خطر التشخيص الخاطئ عند الأطفال الأصغر سنا بالتحديد وذلك عندما تتصدر الأعراض النباتية الانتكاسية  مقدمة الأعراض ولا يتم التوصل إلى أن  هذه الأعراض عبارة عن أعراض الشقيقة إلاّ  في المجرى اللاحق  للمرض. ومقارنة بالراشدين  تظهر نوبات الشقيقة لدى الأطفال  بصورة أكثر غير آن المدة الزمنية تكون اقصر بشكل واضح. ويخضع تكرار وشدة نوبات الشقيقة في العادة إلى تأرجحات دورية متعددة الأشهر وغالبا ما تبلِغ النوبات عن نفسها  من خلال تباشير غير نوعية كالتعب وضعف الدافع والإحساس بالثقل في الرأس وفرط الشهية للحلويات. وتظهر في ساعات النهار والمساء ونادرا ما تظهر ليلا أو بعد الاستيقاظ.

وفي الصداع التوتري قلما توجد فروق عرضية بين الراشدين  والأطفال وهو عن ألم يتصف بألم مستمر ضاغط في الجبهة وقفا الرأس أو ألم ضاغط على شكل شريط في كل الرأس. ومقارنة بالشقيقة لا تبدأ النوبات في الليل  على الإطلاق وشدة الألم أقل عموما  ونوعيته ليست نابضة وإنما  منقبضة  ومنتشرة. ويظهر الألم في كلا الجانبين بصورة متساوقة كما ولا تظهر  أعراض إعاشة (غثيان،  إقياء)  أو عصبية (النسمة)  مرافقة. وترتفع شدة الألم ومدته عند وجود تأثيرات إرهاق نفسية  بيولوجية. وحسب تصنيف الجمعية العالمية للصداع يعرَف الصداع التوتري بصورة ظواهرية ويصنف وفق المعايير  التالية:  آلام طورية مقابل   مزمنة ومع أو بدون اضطراب عضلات في عضلات  الرأس. ويظهر الصداع التوتري على شكل حوادث  متفرقة متعددة الساعات وغالبا ما يمتلك مجرى مميزاً. إذ يبدأ  حدث الصداع مترافقا  بشدة منخفضة من الألم نسبيا ويرتفع تدريجيا إلى أعلى مستوى وينخفض في النهاية ببطء .ويعرَف الصداع التوتري المزمن  من خلال الوجود الدائم المتأرجح في الشدة . وعلى عكس الفرضيات الباكرة فإن الصداع التوتري  لا يقوم على أساس خلل وظيفي لنشاط العضلات ،  ومن هنا فإن الصداع العضلي myogen  القابل للتشخيص  من خلال قياسات المخططة العضلية الكهربائية أدخل  كمجموعة فرعية  مستقلة في فئة التصنيف "الصداع التوتري" . بالإضافة إلى ذلك  فقد تم القيام في الصداع التوتري بتشفير وفق العوامل السببية القابلة للتحديد كالإرهاق النفسي الاجتماعي  والقلق  والاكتئاب والهذيان  أو المتلازمات ذات الشكل الجسدي. وليس من الضروري القيام بتشخيص تفريقي للصداع التوتري عن متلازمات الصداع الوعائية بسبب  الاستطبابات العلاجية المختلفة  على الرغم من انه  يمكن في الحالة الفردية أن تظهر  أنواع متعددة  من الصداع عند الشخص نفسه. غير أنه قد تم التشكيك بالتقسيم الفرعي  الراهن القائم  وفق تصنيف الجمعية العالمية للصداع المتمثل في  الشقيقة والصداع التوتري. ذلك أن الدراسات  حول  الأعراض ومنشأ العرض لدى مرضى بالصداع لم تستطع التمكن من إثبات التقسيم الدقيق الموضوع على أساس   التعريفات إلاّ بشكل محدود.

وتبدي صور الأعراض المحددة نظريا  بشكل دقيق  الميل إلى الظهور المختلط في التجريب ،  وعليه تظهر  الظواهر الوعائية والعضلية في كلا الشكلين من الصداع عرضا واحدا على الأقل مميزا للشقيقة ،غير أن جزءا منها فقط يحقق معايير التشخيص بصورة كاملة. ومن هنا يشكك بعض الباحثون  في أن يتعلق الأمر هنا بالفعل بفئات تصنيفية مرضية  مستقلة مع حوادث  فيزيومرضية  مختلفة نوعيا  ويرون  أنها تتمايز  من حيث الدرجة وفق نموذج المتصل Continuum model   لباكال ((Bakal ،  حيث يشكل كل من الصداع التوتري والشقيقة  قطبين على متصل الصداع المزمن الذي يتضمن عددا كبيرا من الأشكال المختلطة والانتقالية (الصداع المركب). ومن الناحية النشوئية المرضية يشكل الصداع التوتري هنا  اضطراب طفيف  يظهر بشكل مبكر يمكن أن تتطور عنه أشكال  اشد  من الشقيقة  عند

محاولات المواجهة  الفاشلة.

 

2- الجائحة والمجرى

يعتبر الصداع من أكثر متلازمات الألم داخلية المنشأ المنتشرة في سن الطفولة. ويشكل الصداع الأساسي القسم الأكبر حيث يبلغ  أكثر من 90% ،  كما وأن  5-10%   من الصداع المتكرر يملك طبيعة عرضية Symptomatic ،  أي يمكن إرجاعه إلى مرض عضوي أساسي. ووفق نتائج الدراسات الجائحية حول انتشار الصداع المتكرر يعاني بين 5-17% من الأطفال الصغار وأطفال سن المدرسة من الصداع مرة واحدة في الأسبوع،  و  6%  يعانون يوميا من الصداع مع العلم أنه يمكن استنتاج وجود ميل متصاعد  في العقود الأخيرة.

أما  الصداع الدائم فهو نادر الوجود في سن الطفولة . وغالبا ما يتم التقليل من قيمة ضغط المعاناة التي يعاني منه الأطفال بنتيجة الصداع المتكرر. فالأطفال المعنيون  يتغيبون عن المدرسة بصورة متكررة ودالة ،  و 80% منهم  يتوجب عليه التوقف عن ممارسة حياته اليومية  العادية بسبب الصداع و 35% منهم  عليهم الاستلقاء بانتظام ،  و 14% من الصبيان و12 من البنات يذكرون  وجود شدات عالية من الألم،  كما ووجد  فرانكينبيرغ وآخرون. عند كل عشرين من الأطفال المدروسين اثنان على الأقل يحققون المعايير التالية:  شدة غير محتملة من الألم (6%) ،  ظهور يومي للألم (6%)،  استمرار لمدة لا تقل عن 12 ساعة (20%) ،  تناول الأدوية الكابحة للألم (22%). ويعاني الأطفال الأصغر سنا  من التضرر الذاتي بسبب الألم بصورة أشد،  أي أنهم  يشيرون إلى وجود آلام  تتراوح بين الشديدة  حتى غير القابلة للتحمل ويظهرون أعراضا إعاشية  مرافقة (آلام بطن وإقياء وغثيان) أكثر من الأطفال  الأكبر سنا. يعد 10%-15%  من الأطفال الذين يعانون من الصداع   المنتظم بحاجة ماسة  للمعالجة .

وغالبا ما يقدر انتشار الشقيقة المزمنة بين 5-7%  وتصل النسبة حسب التعريف إلى 20%  ويتراوح سن بدء المرض بين السادسة والعاشرة من الحياة،  وقد يظهر في الحالات الاستثنائية  في وقت أبكر. وحتى سن السابعة يصاب حوالي 1-2%  من الأطفال بالشقيقة المزمنة وفي سن 15%  تبلغ النسبة  بين 5 - 11%  على الأقل وفي حوالي السنة  العاشرة من الحياة  فإن البنات  يصبن أكثر من الصبيان. وحوالي الثلث فقط من الأطفال الذين يعانون من الشقيقة يعالجون طبيا. ويمكن لهذا أن يكون سببا للتنبؤ غير الملائم  للصداع الطفلي. فلدى أكثر من نصف الأطفال الذين يعانون من الشقيقة  يستمر الاضطراب بشكل مزمن حتى سن الرشد. وقد درست مجموعة البحث السويدية  التابعة لبو بيل Bo Bille  مجرى  الصداع المزمن في دراسة طولية  لفترة زمنية  تبلغ حوالي  30 سنة. ووجدت هذه الدراسة أن الأشخاص  الذين عانوا في طفولتهم من الشقيقة  قد عانوا في المراهقة بنسبة 38%  منها وفي سن السابعة والثلاثين كان 53%  ما زال يعاني بصورة متكررة من نوبات متكررة من الشقيقة. وبين سن التاسعة والسادسة عشرة غالبا ما ظهر الشفاء العفوي الذي أعقبه انتكاس في سن الرشد. وفي دراسة تتبعية أحدث  على 340 طفل ألماني بين سن 8-18 سنة  ذكر 23%  من الأطفال في سن  الثامنة  و 49% من الأطفال في سن الثالثة عشرة  و 44%  من الأطفال في سن الثامنة عشرة  معاناتهم من الصداع المتكرر بانتظام (انتشار)  وقد بلغت نسبة  استمرار الصداع خمس سنوات(ثبات خماسي السنوات)  37% (9-13 سنة)  أو  56% (14-19سنة) والثبات السنوي (9-19سنة)  لدى 47%. حتى أن الثبات  سباعي السنوات قد بلغ 78%   في دراسة سويدية واسعة على  حوالي 3000 طفل يعاني من الصداع   وكان النصف منهم يبدي ميلا تصاعديا.

وعلى الرغم من أن الصداع التوتري يظهر في سن الطفولة بشكل أقل مما هو الأمر عليه لدى اليافعين والراشدين،  حيث تبلغ نسبته  حوالي 7-48%،  إلاّ  أنه منتشر بشكل أكثر من الشقيقة. المساحة الواسعة للمعطيات الجائحية ناجمة عن عدم الوضوح في تصنيفات  متلازمات لصداع. ويقدر  نصيب الصداع  التوتري ضمن الحدوث الكلي لمتلازمات الصداع  بحوالي 80% وفقا للتعريف المعتمد في التقديرات المختلفة.

وفي استبيان  ممثل لحوالي 5000 تلميذ  في سن بين 8-16  سنة  من منطقة  فوبرتال Woppertal   ذكر حوالي 50%  من الأطفال أنهم يعانون من الصداع التوتري(وفق تصنيف الجمعية العالمية للصداع) علما أن الصبيان  -  وعلى عكس التوزع الكلي   للصداع - كانوا أكثر إصابة   من البنات. ويبلغ سن  الظهور الأول للصداع التوتري  حوالي 9 سنوات  في المتوسط وهو سن أعلى من  سن الظهور الأول  في الشقيقة. الأمر الذي يمكن أن يشير إلى أهمية نشوئية مرضية  كبيرة لعوامل الإرهاق  النفسية الاجتماعية (المدرسة) . وعلى الرغم من الانتشار الأكبر  للصداع التوتري فإنه لم يدرس إلاّ  بصورة  أقل كثافة من الشقيقة،  الأمر الذي يقود لأن يكون أساس المعطيات النشوئية المرضية والجائحة غير مسر بالمقارنة.

 

3- الفيزيولوجيا المرضية

على الرغم من المساعي المكثفة للبحث مازالت الفيزيزلوجيا المرضيةPathophysiology     لنوبات الشقيقة غير معروفة حتى اليوم بصورة كاملة. وتبدأ نوبة الشقيقة  مع بداية طور أولي يحدث فيه على أساس من تفاعل مركب لسيرورات وعائية وكيمائية  انقباض وعائي أحادي  أو ثنائي الجانب (تضيق أو تشنج في الأوعية الدموية)  لأوعية الدماغ  وانخفاض في التروية

الدموية لمناطق محددة من محيط الدماغ. وهنا يعزى للسيروتونين دورا مركزيا. وفي الطور التالي يعقب ذلك تنظيم فيزيولوجي معاكس يتم فيها توسيع شرايين الدماغ الكبيرة بصورة خاصة بشكل مفرط (تمدد وعائي Vasodilation)  يحدث من خلاله تحرير المادة  P  (P- Substance). ومن خلال هذا التمدد لجدران الأوعية  تتهيج مستقبلات الألم المحيطة وتتحرر مواد تحسسية تؤدي إلى إثارة  ألم الرأس النابض المميز. ومن خلال نفاذية الأوعية المتبدلة وفقدان التوتر السوي لها تضطرب عمليات التنظيم المعقدة في جدران الأوعية  بصورة كبيرة(عدم استقرار وعائي) وينتج ألم الرأس العميق اللاحق (طور التربل Oedemphase) . وتقوم المواد البيوكيميائية كالسيروتونين هنا بصورة إضافية بدور الوسائط في إثارة الألم العصبي التحسسي الألميSinsitivation    (قارن شكل 6).

 

ويناقش في الوقت الراهن التأثير المعدل للألم  في بنى عصبية مركزية عليا  (فوق شوكية Supraspinal) التي يحتمل أن تلعب دورا مركزيا في نشوء الشقيقة والصداع التوتري. وما تزال  تصورات النماذج الفيزيومرضية  الصداع بدائية جدا. ففي الصداع التوتري (عضلي المنشأ)  يفترض وجود آلية خلل وظيفي حركي. وحتى التوتر البسيط للعضلات يمكن أن يقود إلى انخفاض في التروية الدموية (Ischemia)   في الخلية المعنية وبهذا إلى حادثة الألم. وهذه يمكن لها أن تنتشر من مكان النشوء (كقفا الرأس أو عضلات المضغ)  إلى عضلات الرأس الأخرى و  ((تنبعث))  إلى البنى الحساسة للألم داخل تجويف الجمجمة (أغلفة الدماغ ،  الأوعية الدماغية)  وتسبب الصداع التوتري . وتقود اضطرابات نقص التروية الموضعية في الوقت نفسه إلى تحرير  مواد ألمية elegatical Substance   وإنتاج استقلابات ضارة تقوي حدث الألم،  ويمكن للصداع المستمر الظاهر أن يستقر في  حلقة مفرغة من تشنج العضلات والصداع سواء في الشقيقة أم في الصداع التوتري. فالألم نفسه يثير توترا انعكاسيا لعضلات الهيكل العظمي ويعزز خبرة الألم ثانية. وأخيرا يمكن للتوقع أو الخوف من الصداع أن يقود إلى نوبات صداع على شكل منعكس مشروط من حالات التشنج.

 

 

ولا يمكن فصل  الشقيقة والصداع التوتري عن بعضهما من الناحية الفيزيونفسية بصورة واضحة. وعلى ما يبدو تشترك كل أشكال الصداع الأولية بسيرورات وعائية وعضلية. وقد صاغ كل من  أوليسين و جينسين (Olesen & Jenzen)  نموذج استجابة   تكاملي  قائم على أساس النتائج الراهنة،   يفترض بشكل عام وجود سيرورات وعائية وعضلية  وفوق شوكية  في كل حادث صداع. وطبقا لذلك  تختلف الشقيقة والصداع التوتري  عن بعضهما بالنسبة لظاهرة الصداع المعنية من خلال قيمة السيرورات الفيزيونفسية منفردة:  فالشقيقة تتصف بسيطرة السيرورات الوعائية ،  في حين يلعب الخلل الوظيفي العضلي في الصداع التوتري دورا كبيرا.

 

4- المنشأ والتطور المرضي

ما يزال المنشأ المرضي للصداع الانتكاسي غير واضح لمدى كبير،  وطبقا لنموذج المرض البيولوجي النفسي الاجتماعي ينظر للشقيقة وللصداع التوتري اليوم على أنهما حدث ناجم عن تسبيب متعدد العوامل يشتما على وجوه وراثية وفيزيوعصبية وبيوكيماوية ووعائية وعضلية ونفسية واجتماعية. وعلى ما يبدو  فإنه يوجد في الشقيقة استعداد بنيوي لاضطرابات الوظائف العضلية العصبية. وعلى هذا الأساس يمكن بالتفاعل مع عوامل خارجية أو داخلية محددة أن تثار استجابات وعائية مرضية (نوبات شقيقة(.

عوامل مثيرة لنوبات الشقيقة

§   تأثيرات بيوكيماوية فيزيولوجية:  مواد غذائية خاصة (حلويات ، شوكولاته،  أنواع محددة من الجبنة،  دهون، حمضيات)، جوع(صيام)،  عدوى.

§   عوامل موقفية: مرهقات خارجية،  توتر،  عدم انتظام في إيقاع النوم واليقظة ،  القليل أو الكثير من النوم،  الطقس أو تبدلات الطقس،  مثيرات ضوء مبهرة أو متقطعة (تلفزيون،  إضاءة جديدة)  إرهاق فيزيولوجي نفسي أو تحميل فوق الطاقة،  ضجيج،  روائح شديدة.

§   عوامل نفسية: إرهاق نفسي،  صراعات بين نفسية أو بين الأشخاص في الأسرة  والمدرسة،  إرهاقات نفسية اجتماعية ، غضب،  طموح مبالغ فيه،  مخاوف ،فشل ، سعادة مستبقة لأحداث محبوبة،  مطالب لاعقلانية من الذات والآخرين.

 

وعلى الرغم من أنه لدى 70% حتى 90%  من الأطفال المصابين بالشقيقة   تكرار أسري أي  أن أفرادا آخرين من الأسرة يعانون من نوبات شقيقة   فلم يتم التمكن   في دراسات التوائم  من البرهان الواضح لوجود  قيمة وراثية. وبما أن الشقيقة تظهر بصورة فوق عادية عند الأطفال الذين تعاني أسرهم  من أمراض ألم مزمن إلى حد كبير، تعتبر تأثيرات التعلم وفق النموذج الأسرية  مؤثرات مرضية ذات أهمية، بالإضافة إلى ذلك تبرهن أولى النتائج  على دور سيرورات  التعلم الإجرائي  كعوامل محافظة  على الصداع الطفولي،  ومن الممكن أن تكتسب  بعض العوامل المثيرة وظيفتها البدئية من خلال الإشراط الإستجابي:  فالأطفال يميلون إلى تفسير الظواهر غير المفهومة كالألم الذي يظهر بصورة عفوية بطريقة طفلية وإلى البحث عن أسباب خارجية للصداع. وهنا يمكن  لمظهر حيادي  من الموقف أن يحدد بأنه السبب  المخمن للألم ويأخذ بهذه الطريقة   شكل المثير الحال لنوبة  الشقيقة. ويمكن لنوبات الشقيقة  أن تثار من خلال عوامل داخلية وخارجية  متنوعة. وكذلك هي أسباب الصداع التوتري  ما تزال غير مفسرة كثيرا،  ويعتقد  انه يوجد لدى الأطفال المعنيين استعداد  أولي بنيوي  للخلل الوظيفي العضلي،  ويمكن لاضطرابات نشاط العضلات (حالات التشنج) التي تقود إلى حادث الألم المميز في مجال الرأس  أن تتسبب من خلال عوامل مختلفة.

وفي دراسة على عينة تلاميذ بلغت 2000 وجد أن العامل  المثير للصداع الذي كثر ذكره كان ((الإرهاق)). وفي دراسة  فويرتال ذكرت  إلى جانب العدوى البسيطة (39%) الغضب في الأسرة (41%)  الواجبات الصفية (38%) مواقف مدرسية(35%)  مشاعر حزن (37%)  تبدل الطقس (30%) غضب (29%)  نقص في النوم (29%) كعوامل مثيرة للصداع.

 

مثيرات لحالات التشنج المثيرة للصداع

§   إرهاق عضلي مفرط أو مستمر أو أحادي الجانب ؛ في اللعب،  في وضعيات الجلوس غير الملائمة (التلفزيون،  ألعاب الكمبيوتر،  القراءة) أو وضعية النوم (الوسادة)

§   مواقف إرهاق اجتماعية نفسية تعتبر المجهدات الاجتماعية (كالصراعات الأسرية والشجار مع الأتراب)  أو الإرهاقات النفسية المستمرة(المدرسة)  والمخاوف (بما في ذلك الخوف من نوبات الألم التالية) من مثيرات الصداع العضلي المنشأ

§   النقص الواضح في القدرة على الاسترخاء: لا يتم في مواقف الراحة إرخاء العضلات بصورة فاعلة (توتر عضلي مرتفع مستمر)

§   كف في سلوك التعبير الانفعالي: عندما يتم تجاهل أو معاقبة تعابير الغضب والحنق من قبل المحيط وكبتها،  عندئذ لا يتم " تصريف" التنشيط الفيزيولوجي القائم وإنما تكف من خلال الاستهلاك العضلي

§   قصور في إدراك المثيرات التقبلذاتية[3]Proprioceptive:  يمكن لسيرورات التنظيم الذاتي الطبيعية لنشاطات العضلات أن تضطرب ،  إذا ما تم تفسير إشارات الجسد (التعب،  فرط الإرهاق)  على أنها مزعجة وتم ((إطفاؤها))

 

 

 

 

 

 

5- طرائق تشخيصية

لابد في معالجة الصداع من إجراء فحص عام   وطبي عصبي مفصل في  كل الأحوال لاستبعاد وجود أمراض عضوية . ويعتبر التوسع إلى التشخيص الأدواتي ضروري عند وجود أمراض عصبية مرافقة مستمرة  ونوبات تشنج إضافية  أو الظهور الليلي للنوبات بصورة غالبة أو ألم أحادي الجانب بدون تبديل للجانب. وتشكل الدراسة  الجذرية للحالة (تاريخ الألم ونوعيته ومدته وتكراره وشدته وتموضعه والمثيرات)  جزءا أساسيا من التشخيص الطبي والنفسي. وهنا لابد من الأخذ بعين الاعتبار المعالجات السابقة وبصورة خاصة  محاولات المعالجة الذاتية  من قبل المتعالج أو والديه من أجل التعرف إلى المداواة الخاطئة الممكنة التي يمكن أن تكون سببت  الصداع المثار من خلال الأدوية (الصداع الدوائي المنشأ\ المترجم\) . ولا يمكن للمعالجة السلوكية الطبية للألم  أن تكون مفيدة وقابلة للاستخدام  إلا بعد التوقف عن تناول الأدوية غير الملائمة وربما أيضا القيام بمعالجة تجفاف ملائمة في مقتضى الحال.

ومن أجل  التخطيط الهادف والفعال  للمعالجة لابد من إجراء تشخيص تفريقي  وفق الجمعية العالمية للصداع (لجنة تصنيف الصداع التابعة للجمعية العالمية  للصداع                                                                                                (Headache Classification  Committee of the International Headache Society)   

أو وفق تصنيف الألم المتعدد المحاور (أنظر جدول  1)  التي تمكن من الإلحاق في إحدى الفئات التشخيصية التالية: شقيقة  مع أو بدون نسمة،  صداع عنقودي،  صداع توتري،  مزمن أو طوري ،  مع أو بدون خلل وظيفي عضلي ،  صداع عرضي .

وتعتبر دراسة التاريخ الأسري والاجتماعي  لدى الأطفال الذين يعانون من الصداع مهمة من أجل تحديد النماذج الأسرية وسلوك التعزيز من قبل الأشخاص المرجعيين وكذلك المرهقات الفردية. وتشكل تصويرة التصنيف متعدد المحاور المعروضة في جدول  (2) إطارا موجها عاما لتحديد عوامل التأثير الاجتماعية النفسية(قارن فيما يتعلق  بالمعالجة السلوكية الطبية للألم  استخدام الأدوات التشخيصية النفسية القادمة.

 

6- مبادئ تأثير

من الطبيعي أن تتمركز المعالجة على الأسباب العضوية في الصداع العرضي مهما كان نوعه (على أساس السرطانات الدماغية أو الإصابات ضمن الجمجمة أو التبدلات الوعائية…الخ)،  أي  على المعالجة بالطرائق الطبية بالدرجة الأولى (مداواة ، عمليات جراحية، أشعة). أما إجراءات التأثير النفسية فتستخدم هنا كإجراءات داعمة.

وبالمقابل فإن  معالجة الصداع الأساسي أو الوظيفي تتم بطرائق  طبية سلوكية. ولن نتعرض في هذا الفصل  للمعالجة الدوائية والطبية.

وتمتد أهمية معالجة الصداع لأبعد من مجرد المعالجة الراهنة ذلك أن الصداع المتكرر في سن الطفولة يعتبر كاشفا مهما للصداع المزمن في سن الرشد. فالتأثيرات الوقائية لدى الأطفال تشكل إجراءات وقائية  للحياة اللاحقة في الوقت نفسه. وعلى الرغم من أن أساليب العلاج الطبية السلوكية في الممارسة العملية لا تأتي  غالبا إلاّ بعد محاولات علاج دوائية فاشلة  فإنه لابد عند الأطفال بالتحديد من إعطاء  هذه الأساليب الأولوية  لأسباب عدة:

  n  فهي لا تمتلك تأثيرات جانبية - أو تمتلك بدرجة خفيفة - وتأثيرات طويلة الأمد غير قابلة للضبط

 n يتم تجنب أنماط السلوك غير المرغوبة (" اللجوء إلى الحبوب المسكنة") مع إمكانية  ارتفاع خطر سوء  الاستخدام على المدى البعيد في سن اليفوع والرشد.

  n  تظل آثار تعلم مواجهة الألم  مستمرة مدى الحياة ويمكن استخدام استراتيجيات المواجهة  في كل وقت من قبل الفرد نفسه

  n  تتيح الأهمية الخاصة للتأثيرات النفسية الاجتماعية في الصداع الطفولي إمكانية  التأثير النفسي "السببي"

  n   على الرغم من فاعلية الأدوية في الشقيقة  الطفلية ،  غير أنها غير فاعلة في الصداع التوتري.

 

وتتجه الإجراءات العلاجية  نحو مواجهة نوبات الصداع منفردة (معالجة حادة ومعالجة نوبات)  من جهة وتتجه من جهة أخرى إلى تخفيض تكرار ظهورها (معالجة وقائية ودائمة) .

وتهدف المعالجة الطبية السلوكية  الحادة   إلى التأثير على حادث النوبة الفيزيونفسي وعلى تخفيض خبرة الألم ودرجة التضرر الذاتي في حين تهدف المعالجة الوقائية  إلى تخفيض احتمال ظهور النوبات من خلال تعديل العوامل المثيرة والمحافظة (العوامل القادحـةTrigger-Factors) ،  وأنماط السلوك والإدارة غير الملائمة للحياة والمجهدات). وقد تم اختبار مجموعة من الأساليب الطبية السلوكية في معالجة متلازمات  الصداع في سن الطفولة بصورة تجريبية.

مركبات أساليب المعالجة الطبية السلوكية لمعالجة الصداع عند الأطفال:

1.    معلومات إيضاحية ،  تقديم تصور متناسب مع السن حول الألم:

2.  لابد للمعلومات أن تصاغ بصورة واضحة ومبسطة بشكل يتناسب مع سن النمو الطفولي؛ استعارات، مطابقات ،  أمثلة من الحياة اليومية للطفل ،  لعب الدوار ومواد متناسبة مع الأطفال (صور، دمى)  لتوضيح المحتويات التي ينبغي إيصالها؛ وهنا لابد من الاختبار الدائم لما فهمه الطفل فعلا،  وذلك من خلال  سؤاله  أو الطلب منه إعادة ما قيل بكلماته الخاصة؛

3.  التحري عن استهلاك الأدوية المضادة للألم وفي مقتضى الحال إيقاف سوء استخدام الدواء أو المعالجات الخاطئة والجرعات غير المناسبة: والقيام بمعالجة تجفاف ضمن ظروف معينة،  تغيير الأدوية  من قبل الطبيب إذا ما كانت ضرورية.

4.  تحديد المثيرات الخارجية ومواجهتها:  مثل إيقاع النوم -  اليقظة غير المناسب ،  فرط الإرهاق الجسدي،  قلق المدرسة،  مجهدات متفرقة ‘  أغذية.

5.  تعليم استراتيجيات تغلب متناسبة مع السن لإيقاف النوبة:  تقنيات استرخاء،  تعلم ذاتي….الخ).

6.  تغلب وقائي على الإرهاق:  إعادة البناء المعرفي وأساليب ضبط الذات،  تهديم القلق…الخ).

7.  الدعم في إدارة الحياة المنمية للصحة:  تغيير التغذية،  انتظام أوقات الطعام والنوم والنشاط ،  تعويض التضررات المرتبطة بالألم؛

8.  تدريب الوالدين: تفكيك مشاعر اليأس والعجز من جانب الوالدين؛ تهديم معززات سلوك الألم غير المقصودة  للطفل (موقف الرعاية) والتعزيز الملائم لمواجهة الألم؛  بناء النماذج السلوكية المنمية للأهل؛  تدريب الوالدين حول كيفية مساعدته طفلهم من خلال إرشادات عملية؛

9.  معالجة المشكلات الأسرية:  مطالب الإنجاز التعجيزية ؛  صعوبات التفاعل؛  مشكلات العلاقة…الخ.

10.        معالجة اضطرابات السلوك الأخرى  أو الأجزاء النفسية المرضية  المهمة بالنسبة لحادث الألم إذا اقتضى الأمر.

 

 

 

1) أساليب الاسترخاء

 تعتبر أساليب الاسترخاء وبصورة خاصة  الاسترخاء التصاعدي للعضلات Progressive Muscle erelaxion  والاسترخاء الذاتي  Autogenes Training  إجراءات طبية سلوكية واسعة الانتشار لمعالجة الصداع عند الأطفال. ويمكن استخدامها مبدئيا على ثلاثة مستويات:

 n لإيقاف النوبة: فمن خلال استخدام عامل التأثير الفيزيونفسي لتقنية الاسترخاء يمكن التأثير بصورة هادفة  على سوء التنظيم الفيزيولوجي  الذي يقوم على حادث النوبة الحاد وتطبيعه (خفض المستوى الفيزيولوجي العام ،  والتغيرات  الوعائية الحركية والعضلية العصبية للنشاطات الكهربائية للدماغ وخفض الإعراض النباتية المرافقة). وتعتبر  الاستجابات الاسترخائية  ذات الاتجاه المعاكس للتوتر (خفض  التوتر العضلي للجهاز العضلي) ملائمة بصورة خاصة  في  الصداع المرتبط بالتوتر لأنها تتيح  التدخل السببي  إلى حد ما. وفي الصداع المشروط وعائيا كالشقيقة  يحاوَل تعويض الانقباض  الوعائي (تضييق الأوعية)  الذي يحدث في الطور البدئي من خلال استطبابات الاسترخاء  وإيقاف النوبة من خلال ذلك في بدايتها.

 n كاستراتيجية تغلب لتخفيض الألم في أثناء النوبة: من خللا رفع عتبة إدراك  مثيرات الألم ، وصرف الانتباه من خلال التركيز على الحالات الداخلية المرغوبة  ومن خلال إنتاج حالة وعي مناسبة للألم ومعاشة ذاتيا للهدوء والإحساس بالعافية.

 n للمعالجة الوقائية  بين النوبات لتخفيض تكرار ظهورها: وذلك من خلال رفع  الحساسية  والانتباه  لمؤشرات الجسد(كتوتر العضلات،  الطلائع غير النوعية) الإرهاقات النفسية والمجهدات والمثيرات الخارجية وتجهيز الاستراتيجيات الملموسة للتغلب  على المواقف  المرهقة  وتقوية قناعات الضبط(الكفاءة الذاتية) فيما يتعلق بالحوادث الجسدية المستقلة.

 

وتعتبر النتائج التجريبية حول فاعلية  معالجة الصداع  الطفولي (الشقيقة بشكل خاص) واعدة بشكل عام. وقد نشر كل من كرونر- هيرفيغ وإيلرت   12 دراسة حديثة مضبوطة  تقوم بالدرجة الأولى على الاسترخاء  العضلي التصاعدي. وقد أدت  غالبية الدراسات إلى فاعليات مخفضة للألم دالة إحصائيا،  أو من حيث الاتجاه  هي كذلك ، والتي أثبتت ثباتها حتى بعد سنة من المعالجة.

وكمعايير للنجاح يعتبر في العادة انخفاض تكرار الصداع وطول الفواصل الزمنية الخالية من الألم. غير أن مدة وشدة النوبة تبقى على الغالب بدون تأثير من خلال التدريب النفسي،  إذ أن النوبة عندما تبدأ فإنها لا تعود قابلة للضبط. وفي دراسة مقارنة مباشرة أظهر كل من الاسترخاء العضلي التصاعدي والإيحاء الذاتي فاعلية مشابهة.

أما مسالة  الاستطباب التفريقي   لإشكال مختلفة من الصداع فما تزال غير واضحة.

 

2) أساليب الإرجاع الحيوي

تهدف أكثر طرق الاسترخاء انتشارا بعد الاسترخاء العضلي التصاعدي المعروفة باسم أساليب الإرجاع الحيويBiofeedback  إلى التأثير على الخلل الوظيفي الفيزيونفسي بدرجة عالية وبكفاءة وبصورة مباشرة. وهنا يتم تسجيل  متغيرات فيزيولوجية  محددة وتغيراتها (كتوتر العضلات ودرجة حرارة الجسد وقابلية الجلد للتوصيل الكهربائي)  بوساطة تقنيات أدواتية  وإرجاعها للمريض من خلال إشارات  بصرية أو سمعية . ويجب على المريض أن يحاول التأثير على حالته الفيزيولوجية بين فواصل الإرجاع في طور من ضبط الذات. ومن خلال ذلك ينبغي أن تتاح له فرصة السيطرة الشعورية على مجريات الوظائف المستقلة. ويهدف من خلال هذه الطريقة إلى تطبيع السيرورات الفيزيومرضية بصورة هادفة من خلال التأثير التنظيمي المعاكس. وحتى الآن هناك شيء من عدم الاتفاق الكبير حول آليات التأثير الفعلية للإرجاع الحيوي.

طرق الإرجاع الحيوي الأكثر استعمالا في معالجة الصداع عند الأطفال.

1.  إرجاع توتر العضلات السويElectromyography : قياس توتر العضلات الموضعي؛ تستخدم طريقة الإرجاع حول نشاط عضلات الجبهة (إرجاع حيوي - توتر عضلي جبهي) في الصداع التوتري بصورة خاصة.

2.  الإرجاع الحيوي لحرارة الجلد: يتم تسجيل تغيرات التروية الدموية(جريان الدم الموضعي)  من خلال كاشف حرارة الجلد. وتستخدم هذه الطريقة في الصداع المشروط وعائيا كالشقيقة

 

 

 

وتبدو طرق الإرجاع الحيوي أكثر فاعلية عند الأطفال منها عند الراشدين.

وقد اختبر الإرجاع الحيوي التخطيطي العضلي في عدد محدود من الدراسات المضبوطة وأثبت فاعليته المخفضة للصداع(وفق شدة ألم الرأس ومدته وتكراره). كما وأن الإرجاع الحيوي لحرارة الجسد (غالبا بالتوليف مع الاسترخاء الذاتي) قاد إلى نتائج إيجابية في معالجة الشقيقة الطفولية. غير أن كل الدراسات التي أجريت حول الإرجاع الحيوي لحرارة الجسد تقريبا صممت وفق تصميم قبلي وبعدي بدون عينة ضابطة وبالتوليف مع تأثيرات أخرى (الاسترخاء الذاتي،  عناصر معرفية)، مما يستدعي  ضرورة التقييم الحذر للنتائج. إذ أنه لم تقد دراسات مقارنة  حول الفاعلية الخاصة لأساليب الإرجاع الحيوي المختلفة بالنسبة للصداع التوتري والشقيقة (استطباب تفريقي differential Indication) إلى إثبات وجود فرق في فاعلية الإرجاع الحيوي العضلي بالنسبة لأعراض مختلفة من الصداع كالشقيقة والصداع التوتري والصداع المركب. أما فاعلية أساليب الإرجاع مقارنة بأساليب الاسترخاء الأخرى (كالاسترخاء العضلي التصاعدي ، "الإرجاع الحيوي الذاتي ") فقد تم اختبارها في دراسات عديدة مضبوطة. ولم تظهر أية فروق دالة في الفاعلية  بين الإرجاع الحيوي  وتمارين الاسترخاء. ونظرا  للتناسب  الملائم بين التكاليف والفوائد عند وجود فاعلية قابلة للمقارنة  فإنه يعتقد وفق مستوى المعرفة الراهنة أن أساليب الاسترخاء البسيطة أفضل من  أساليب الإرجاع الحيوي.

 

2) برامج العلاج السلوكي-الاستعرافي

تقوم مبادئ  المعالجة السلوكية المعرفية على مقدمة Premise وهي أن نوبات الشقيقة تتسبب ضمن أشياء أخرى من خلال القصور في كفاءات المواجهة  السلوكية والمعرفية على إرهاقات الحياة اليومية. وطبقا لذلك تعتبر القناعات  اللامنطقية ومتطلبات الإنجاز العالية (مخاوف الفشل والمتطلبات العالية  تجاه الآخرين) والأفكار المضطربة وظيفيا (الأفكار الكارثية،  المفرطة التعميم،  المقللة من قيمة الذات مثلا) وذخيرة السلوك غير الكافية من العوامل النوعية في نشوء نوبات  الصداع. بالإضافة إلى ذلك يفترض أن مرضى الصداع يظهرون نقص واضح في  القدرة على  مهارة التعبير الانفعالية.

وقد طور كل من  ماك كراث وكونينغهام  ولاسكيلز  وهوكفريز   (Mc Grath, Cunningham, Lascelles & Humphreys)

برنامج  معالجة معير بصورة خاصة على أطفال في سن المدرسة بدءا من سن الثانية عشرة بعنوان (ساعد نفسك Help-Yourself). ويشتمل التدريب الذي يمكن تنفيذه بصورة مستقلة أيضا  على جلسات مدة كل منها 45 دقيقة وينجز خلال ثمانية أسابيع. ويمكن أن يستخدم في الشقيقة وفي الصداع التوتري. وفي البداية يتم  تحليل إشكالية الصداع بمساعدة مذكرات يومية خاصة بالصداع (تشخيص) وتعليم الأطفال تصور متناسب مع السن للألم (شرح). وبعد أن يتم توضيح أهداف التدريب للأطفال يدربون على تقنيات الاسترخاء (تعليم مهارات المواجهة ) وهنا يتم تنمية التركيز المبكر على إشارات الجسد(التلاؤم،  التشنج ،  الوضعية غير المناسبة للجسد)  وبهذا يتم التدرب على إدراك الجسد وفي الوقت نفسه يتم التمرن على إدراك عوامل الإرهاق المهمة شخصيا. ويهدف من وراء ذلك إلى جعل الأطفال قادرين على تسجيل المجهدات واستجاباتهم الفيزيولوجية الذاتية بصورة مبكرة والمواجهة   بفاعلية من خلال إجراءات الاسترخاء ذات التأثير المعاكس. وفي الخطوة التالية يتعلمون التعرف على الأفكار والقناعات السلبية وتعديلها من خلال  إعادة البناء المعرفي أو إيقاف الأفكار  ويتم دعم مواجهة  خبرة الألم من خلال    تقنيات توجيه الانتباه والتخيلات والتعلم الذاتي الإيجابي . عدا عن ذلك  يتم تعليم الأطفال استراتيجيات تغلب ملموسة على الألم واستراتيجيات حل المشكلات والتعامل المناسب مع المشاعر. وبشكل مرافق لتدريب الأطفال الذي تتم مواصلته في المنزل

بوساطة شرائط تسجيل سمعية يتم وضع قواعد سلوك للأهل تتجه نحو الحفاظ على نشاطات الحياة اليومية للطفل(عدم المبالغة بالرعاية) والتخلص من التعزيز الإيجابي لنوبات الألم (الغياب عن المدرسة،  دور مميز) وتجاهل سلوك الألم المتطرف وتعزيز سلوك المواجهة  المنمي ودعم ميول المساعدة  الملموسة  وتقديم نموذج ايجابي للطفل حول التعامل المقبول مع                                 الألم. وقد أكد كل من بيامس  وزاندرز وبور أهمية الإشراك الفاعل للأهل في برنامج المعالجة السلوكي المعرفي من أجل تخفيض العرض عند الأطفال الذين يعانون من الصداع المزمن.

وما تزال البرامج السلوكية المعرفية لمعالجة الألم عند الأطفال غير مختبرة تجريبيا بصورة كافية. وقد درس كل من ووماك وسميث وشين (Womak, Smith & Chen)  إجراءا سلوكا معرفيا مركبا بالتوليف مع الإرجاع الحيوي العضلي الكهربائي

و \ أو  الإرجاع الحيوي لحرارة الجلد عند 119 طفل في السن الواقعة بين 4-20 سنة مشخصين بالشقيقة والصداع التوتري والمركب . وقد تمكنوا من إيجاد تحسينات دالة لدى كل المجموعات فيما يتعلق بتكرار الصداع وبشكل خاص3 فيما يتعلق بشدته.كما وأمكن في النهاية من تصنيف جزء كبير من الأطفال تحت تسمية"بدون ألم": الشقيقة (48%) و الصداع المركب 

(30%) والصداع التوتري (22%).

وفي دراسات مقارنة مباشرة اثبت التدريب المعرفي امتلاكه لفاعلية مشابهه للاسترخاء العضلي التصاعدي.

 

7. خلاصـــــة

تحظى إشكالية الصداع في السنوات الأخيرة بأهمية سياسية صحية،  غير أن الأساس المعطياتي الفيزيومرضي والنشوئي المرضي والجائحي بالنسبة لغالبية متلازمات الألم في سن الطفولة (كآلام البطن والظهر المبكرة)  مازال ضعيفاً جدا للأسف ويحتاج إلى مساعي بحث أخرى مكثفة للتوصل إلى نماذج مناسبة لتفسير الآلام الطفولية. وبالنسبة للأطفال بالتحديد ما يزال هناك نقص واضح في معالجة الألم . وما يزال مطلب التسكين والتخدير المطروح بصورة ملحة  ومستمرة في طب الأطفال لا يشكل وحده حلاً. فمعالجات الألم الدوائية غالبا ما تكون ذات فائدة محدودة عند الأطفال لأنها لا تزيل الإحساس بالألم بصورة كافية ولا تؤثر على مركبات الإرهاق والقلق وعلى عوامل التأثير الاجتماعية النفسية. ومن هنا طورت في السنوات الأخيرة  في المحيط الأنجلو أمريكي بدائل نفسية متعددة في تخفيض الألم والقلق عند الأطفال. وتقوم أساليب التأثير الطبية السلوكية  على التأثير على  متلازمات الألم الحادة (كالإجراءات الطبية مثلا medical Procedure)  ومتلازمات الألم المتكررة (كالشقيقة)  والمزمنة (كالناعور)  وتكتسب في الممارسة العيادية قيمة متزايدة ،  وقد قادت الاختبارات التجريبية لفاعلية  عدد كبير من تقنيات التأثير إلى نتائج إيجابية مؤثرة بصورة عامة،  غير أن كل نتائج هذه الدراسات غير متطابقة من حيث المستوى الطرائقي (كغياب المجموعات الضابطة وأخطاء العينات والتأثيرات المختلطة والتعيير الناقص والتصنيف غير الدقيق لإشكالية الألم والمعايير غير الموحدة للنجاح)، بحيث تحتاج  بعض النتائج إلى إعادة اختبار. عدا عن ذلك ما زال هناك حاجة واضحة للبحث من أجل الإجابة عن المسائل غير المحلولة حتى الآن ،  كالاستطباب التفريقي أو مضادات الاستطباب للأساليب منفردة وآليات التأثير الكامنة خلفها والفاعلية المقارنة للتأثيرات السلوكية الطبية والطبية أو توليفها واستقرار نتائج المعالجة وتأثيراتها طويلة الأمد. وتقوم المعالجة الطبية السلوكية لمركبة  اليوم على فهم اجتماعي بيولوجي للمرض وتــدخِـل تنوع عوامل التأثير الاجتماعية النفسية على حدث الألم ضمن هذا الفهم. وهنا يزداد وضوح ضرورة التصنيف الدقيق والتشخيص المؤسس من أجل استطباب تفريقي وتخطيط فردي للمعالجة. ومن هنا فإن التطوير التشخيصي المرتبط بالنمو للاختبارات التشخيصية للألم ضروري جدا للمحيط الناطق بالألمانية.ويتطلب المبدأ التكاملي في المعالجة التعاون بين تخصصي  أقوى بين المهن المختلفة للجهاز الصحي. وهنا  يحتل الإشراك الفاعل للأهل أو لأشخاص الإطار المرجعي الآخرين دورا خاصا أيضا وينبغي للتأثيرات النفسية (كالاسترخاء العضلي التصاعدي أو الإرجاع الحيوي العضلي)  أن تعدل بصورة هادفة وأن تستخدم بشكل يتناسب مع العمر.



[1]: المادة P(Substance-P):  ببتيد الأونديكاUndekapeptid  (Ar-Pro-Lys-Pro-Gln-Gln-Phe-Phe-Gly-Len-Met-Nhz)  المنتشر بكثرة في المصران الرفيع والجهاز العصبي ويؤثر بصورة مثيرة للمصران الرف الرفيع وخافضة لضغط الدم ومسيلة للرضاب، ومن الممكن  أن يمارس الجهاز العصبي المركزي أو ي

·  اللحاء الجديد :  هو الجزء الأحدث من الناحية النشوئية لمحيط الدماغ،  يبدي توزعا منتظما لخلايا الأعصاب في ستة طبقات أفقية.( المترجم)

·· الإندروفينات:  ببتيدات دماغية رابطة لمستقبلات خاصة للمورفين والأفيون( المترجم)

[2] النسمة Aura   شعور خاص يعيشه الشخص قبل حدوث النوبة كشم روائح معينة أو تبدلات في مجال الرؤية كأن تصبح الألوان أكثر زهواً ( المترجم).

 

 [3] التقبليذاتي: (تقبلي ذاتي ) دال على مثير أو منبه ناشئ ضمن العضلات أو الأوتار العضلية( المترجم)

1 ر